روسيا في أفريقيا… من التوسّع الاقتصادي إلى النفوذ السياسي

تثير القارة الأفريقية أغنى قارات العالم بخيراتها وثرواتها الباطنية، وأفقرها شعوباً ودولاً منافسة القوى الدولية الكبرى للوصول إليها، ففي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة الأميركية وبعض حليفاتها الأوروبيات للحصول على الحصة الأكبر من الكعكة الأفريقية عبر أساليب استعمارية لا يغيب عنها التدخل العسكري، تدرك روسيا الاتحادية وبقيادة الرئيس فلاديمير بوتين أن القارة السمراء سوف تكون محط الأنظار ومحل الصراع في القرن الحادي والعشرين، وذلك لأسباب مختلفة ربما في المقدمة منها أنها لا تزال قارة بكر، مليئة بالخيرات الطبيعية، كما أن نسبة بالغة من دولها في حاجة حتى الساعة إلى المزيد من التنمية، والى معطيات دولية جديدة تفتح أمامها آفاق الاستثمار والاستقرار، وذلك بعد أن يستتب الأمن في ربوعها وتتجاوز الخلافات الأهلية.

تتميز روسيا في علاقاتها مع القارة السمراء عن منافسيها من القوى الأخرى، فيما يتعلق بالنظام الدولي بعدة خصائص تساعدها على دفع وتطوير تلك العلاقات، أبرزها أن روسيا لم يكن لها تاريخ استعماري في أفريقيا مثل الصين، بل على العكس، فقد ساعدت روسيا إبان الاتحاد السوفييتي غالبية دول القارة الأفريقية على استقلالها من المستعمر الأوروبي، وقدمت كل صور الدعم الاقتصادي والسياسي والمعنوي واللوجيستي لحركات التحرر الأفريقية، كما استضافت العديد من قادة تلك الحركات الذين أصبح عدد كبير منهم قادة لبعض الدول الأفريقية في مراحل ما بعد الاستعمار، وهو ما يعطي روسيا ـ خلاف الدول الكبرى الأخرى ـ رصيداً سياسياً وثقافياً ضخما داخل أفريقيا يمكنها من البناء عليه مستقبلا، ويسهم ذلك في تعميق العلاقات ودفعها إلى الأمام بين روسيا الاتحادية ودول القارة الأفريقية، كما أنه ليس لروسيا أي مطامع أو أجندات خاصة فيها مثل التواجد العسكري أو غيره.

وانطلاقاً من رغبة روسيا الجديدة باستعادة دورها عالمياً وعدم ترك المسرح الدولي للاعب الأميركي منفرداً، عادت روسيا بشكل فاعل إلى القارة السوداء الغنية بالموارد الطبيعية، في ظل ظروف صعبة تمر بها العديد من الدول الأفريقية، وإنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن موسكو، وهى تعود بقوة وإصرار إلى الساحة الأفريقية، إنما تعود إلى ساحة لعبت فيها أدوارا قويةً، ولسنوات طويلة في ستينيات وسبعينيات وحتى منتصف ثمانينات القرن الماضي تقريبا، حيث كانت للاتحاد السوفيتي السابق، قبل تفككه عام 1991، قواعده العسكرية، ومعاهدات التعاون العسكري، وصفقات السلاح مع العديد من الدول الأفريقية، شمال الصحراء وجنوبها أيضا، في إطار الحرب الباردة والصراع السوفيتي الأمريكي الغربي على النفوذ في أفريقيا وغيرها من مناطق العالم. وكان لموسكو أكثر من 40 ألف مستشار عسكري واقتصادي وثقافي في دول أفريقية في عام 1970، وهو ما تأثر بشدة بعد طرد السادات للخبراء الروس في عام 1972 قبيل حرب أكتوبر عام 1973.

ومع أن الظروف اختلفت الآن، سواء بالنسبة لرؤية موسكو لعلاقاتها مع الدول الأخرى ومنها أفريقيا، أو بالنسبة لظروف العديد من الدول الأفريقية التي تسير نحو الأخذ باقتصاديات السوق والحرص على تنويع علاقاتها وارتباطاتها الدولية على نحو يختلف عما كان عليه الأمر من قبل، إلا أن روسيا الاتحادية قادرة، بحكم خبراتها السابقة ورصيدها السابق مع الكثير من الدول الإفريقية، على استعادة خطوط الاتصال، وفتح مزيد من الآفاق أمام تعاون يحقق المصالح المتبادلة مع الدول الأفريقية، بخاصة وان أساليب روسيا الآن تحرص على تجنب وصفها أو تصنيفها وفق تصنيفات الحرب الباردة، وهو ما يشجع الدول الأفريقية على التعامل معها، من أجل تنويع ارتباطاتها وعلاقاتها الدولية، بخاصة وأن الصين قامت على مدى السنوات الماضية ببناء وجود صيني قوي ومتعدد الأشكال في أفريقيا وعلى نحو غير مسبوق، ولا سيما في مجال التنقيب عن النفط واستغلاله، وفي مجال استغلال الموارد المعدنية الأفريقية النادرة ومنها اليورانيوم والألماس وغيرها، وهو ما سيتدعم أكثر في إطار استراتيجية… والطريق الهادفة إلى ربط الصين بالعالم، ومن المؤكد أن القوى الدولية الأخرى، ولا سيما فرنسا والصين والولايات المتحدة وبريطانيا ترصد عن قرب هذا التحرك الروسي النشط وتدرس ما يمكن أن يترتب عليه من نتائج بالنسبة لها، الآن وفي المستقبل.

إن مما له دلالة عميقة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشار في مؤتمر قمة سوتشي التي عقدت يومي 23 و24 أكتوبر 2019 بحضور 54 دولة، إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للقارة الأفريقية سيصل في عام 2050 إلى نحو 29 تريليون دولار، وهو حجم هائل بالتأكيد. وقد أعرب بوتين عن أمله في زيادة التبادل التجاري مع أفريقيا، البالغ الآن نحو 20 مليار دولار، تستحوذ مصر منها على 7.7 مليار دولار، أي بنسبة 40 في المائة تقريبا، من جانب آخر ألغت موسكو، خلال قمة سوتشي، 20 مليار دولار من الديون المستحقة لها على دول أفريقية، وهي خطوة تعزز ما قامت به موسكو عام 2009 من إلغاء بعض ديونها الأفريقية، وهو ما يفتح المجال أمام زيادة معدلات التبادل التجاري بين موسكو وأفريقيا.

من جانب آخر، فإن موسكو تمتلك في الواقع أدوات هامة لتعزيز آفاق علاقاتها مع أفريقيا، ففي ظل التنمية الاقتصادية التي شهدتها روسيا فإن انفتاحها الاقتصادي على القارة سيحقق لها عديد من المزايا، أبرزها وجود سوق أفريقية واسعة للمنتجات والسلع الروسية تستهدف ما يقارب المليار نسمة، إضافة إلى امتلاك الدول الأفريقية لثروات طبيعية ضخمة أبرزها المعادن مثل اليورانيوم والحديد والماس وغيرها، كما أن العديد من دول القارة الأفريقية شهدت معدلات نمو مرتفعة يمكنها من جذب الاستثمارات الروسية، بخاصة في مجال النقل، والزراعة، والتكنولوجيا، والطاقة الشمسية، والبتروكيماويات، وكذلك في مجالات التعليم والسياحة، وفي المقابل يمكن للدول الأفريقية الاستفادة من التجربة التنموية الروسية القائمة على المزج بين استخدام التكنولوجيا الحديثة والصناعات كثيفة العمالة، وكذلك مشروعات ريادة الأعمال، بالإضافة إلى مزايا نسبية تتمتع بها روسيا في مجال الزراعة مثل زراعة القمح، وكذلك في مجال الطاقة النووية، والتي يمكن أن تسهم في بناء العديد من محطات الطاقة النووية السلمية في عدد من دول القارة، إذا ما أخذنا مصر نموذجا لذلك، بعد الاتفاق على إنشاء محطة الضبعة النووية، كما تشكل السوق الروسية الكبيرة هدفا لترويج السلع والمنتجات الأفريقية، حيث يمكن أن تصبح روسيا مفتاحا ومدخلا للدول الأفريقية داخل قارة آسيا، وكذلك وسط وشرق أوروبا، كذلك استقطاب السياحة الروسية التي تمثل مصدرا مهما للعملة الصعبة لدى العديد من دول القارة مثل مصر على سبيل المثال.

وتربط روسيا في مجال التعاون العسكري التقني اتفاقيات مع أكثر من 30 بلدا أفريقي، وكما كان الاتحاد السوفييتي المصدر الأساسي لتسليح العديد من الدول الأفريقية في مرحلة ما بعد الاستعمار، فإن روسيا تسعى للعب الدور ذاته لكي تصبح مصدرا مهما للأسلحة والمعدات الحديثة بخاصة في مجال الطائرات مثل “السوخوي” و”الصواريخ الباليستية” مثل صواريخ “إس 300” و”إس 400″، حيث تحتل روسيا الآن المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في مجال تصدير الأسلحة، بالإضافة إلى ما يمكن أن تقدمه في مجال عمليات التدريب العسكري، بخاصة مع الدول التي تشهد صراعات مسلحة وتحتاج إلى إعادة بناء أجهزتها الأمنية من الجيش والشرطة.

وفي المجال الأمني والاستخباراتي، فإن هناك مصلحة مشتركة تربط بين روسيا وأفريقيا للتعاون في مواجهة خطر الإرهاب والتطرف، خصوصاً أن روسيا لديها تجربة في محاربة التنظيمات المتطرفة، وفي المقابل فإن أفريقيا تشهد الآن تواجد العديد من التنظيمات الإرهابية مثل “داعش” و”القاعدة” و”بوكو حرام” وغيرها، وهو ما يشكل خطرا عالميا يهدد الأمن والسلم الدوليين. وهنا ينبغي علينا الإشارة إلى أن روسيا مهمومة ومحمومة بالمواجهة الحاسمة والحازمة مع الإرهاب والإرهابيين، بمعنى أنها تدرك أن هناك قوى عالمية أخرى تتخذ من الإرهاب كعب أخيل الذي يسمح لها باختراق دول ثابتة ومستقرة والعمل على تفكيكها وتفخيخها، ويدرك الروس جيدا أن غالبية التنظيمات الإرهابية الدولية في الأعوام الأخيرة قد ولت وجهها شطر القارة الأفريقية، معتمدة في ذلك على ضعف الأحوال الأمنية، وعلى وجود بنية تحتية ضعيفة تسمح للإرهابيين بتجنيد المزيد من العناصر الإرهابية، ولهذا فان الحضور الروسي هناك يقطع طريق الإرهاب والإرهابيين من المنبع، وفي هذا إفادة كبرى لموسكو، والتي لن تتكلف عملا عسكريا جديدا كما اضطرت إليه سابقا في سوريا خلال الأعوام الماضية.

ومن الناحية الإستراتيجية فإن روسيا كقوة دولية صاعدة وبارزة في النظام الدولي اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، يمكن أن يشكل تواجدها وتطوير التعاون بينها وبين أفريقيا توازناً مع القوى الكبرى الأخرى، التي على شاكلتها مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بحيث تصبح لدى الدول الأفريقية شراكات اقتصادية وسياسية وعسكرية متنوعة تمكنها من الاستفادة من تلك القوى التي تتنافس عليها على كافة المستويات، وكذلك تسهم في تغيير النظرية القديمة التي تصور أفريقيا على أنها مجرد سوق للدول الغربية والكبرى لتصريف منتجاتها، ومصدرا للحصول على المواد الخام بأسعار زهيدة، إلى نظرية جديدة تقوم على الشراكة الحقيقية والندية الكاملة بين أفريقيا وتلك الدول، وأن تدعم القوى الكبرى التنمية الحقيقية الشاملة والمستدامة في القارة الأفريقية، وكذلك مساعدتها في مواجهة مشكلاتها وتحدياتها التي من أبرزها الفقر والأمراض والمجاعات والتصحر والحروب والصراعات الأهلية، إضافة إلى الإرهاب والهجرة غير الشرعية التي ازدادت بصورة كبيرة قاصدة دول أوروبا خلال السنوات الماضية.

ومن باب تأكيد المؤكد، فالتعاون الأفريقي الروسي لا يتوقف عند مجرد التصدير والاستيراد فقط، أي الأمر ليس قاصر على المسائل الاقتصادية، بل يتجاوزها الى القضايا السياسية، ومن ثم عودة روسيا ليس كمراقب للأحداث الكبيرة والمهمة فقط، بل صانع رئيسي لها، ومشارك عميق فيها، أي عودة روسيا كوسيط نزيه وموثوق في قضايا القارة المعقدة، على سبيل المثال يمكن أن يكون الدور الروسي بناء وإيجابيا في أعمال الوساطة عندما يحتدم الجدل ويشتد الفراق ويسود الافتراق بين دول القارة الأفريقية، الأمر الذي يعني أن روسيا تعود فعلا إلى أفريقيا من نافذة الحضور السياسي الفاعل والنافذ وليس فقط من خلال أدوار تجارية أو البحث عن حفنة دولارات.

ورغم الانفتاح المتبادل بين روسيا وأفريقيا، وحاجة كل طرف للآخر، إلا أنّ التعاون بينهما دونه الكثير من التحديات. ووفقا لتقرير “فورين بوليسي”، فإن أوجه القصور في العلاقات التجارية والاقتصادية بين روسيا وأفريقيا، لا يمكن التغلب عليها في ليلة وضحاها، بخاصة وأن التنافس قوي ممثلا في الصين ومشروعها لإنشاء محور الحزام والطريق، والذي يربط عددا من دول القارة الأفريقية عبر شبكة من المشاريع التنموية والاقتصادية، وتحديدا تلك المشاريع المتعلقة بدعم وتطوير قطاع البنية التحتية وقطاع الاتصالات، وتعتبر مساعي روسيا للعودة كشريك تجاري واقتصادي مفهومة وذات فرصة نجاح كبيرة، فروسيا تسعى إلى تجاوز أزماتها مع العقوبات والتحرشات السياسية من جانب الولايات المتحدة وأوروبا، عبر التعاضد مع الدول الأفريقية، وتنتهز في سبيل ذلك، الاحتياج الأفريقي لتعدد نقاط التحالف، بخاصة وأن الشراكات مع دول الاتحاد الأوروبي عادة تكون مرهونة باشتراطات سياسية واجتماعية محددة، كما أن الولايات المتحدة قد تراجع اهتمامها بالشأن الأفريقي إجمالا، سواء منذ عهد الرئيس السابق باراك أوباما وتركيزه على سياسة “التوجه نحو آسيا”، أو في عهد خلفه دونالد ترامب وتوجهاته اليمينية المتشددة، التي تتضمن مواقف معلنة وعنصرية إزاء دول القارة.

خلاصة الكلام: تدرك موسكو أن الطريق الموصل إلى عمق القارة السمراء هو طريق طويل ثم إن دونه عقبات كبرى، لكن متى عرف الروس الاستكانة منذ أن وصل هذا القيصر إلى السلطة… ويقول مسؤولون روس في قطاع الطاقة إن مساعي بلادهم في أفريقيا لها جدوى اقتصادية على المدى الطويل إذ تعني أن الأموال التي تجنى في روسيا يمكن استثمارها في أفريقيا لجني المزيد من الأموال هناك، غير أن محللين روس يعتقدون أن شدة التنافس على القارة السمراء سيؤخر عملية جني الأرباح من الصفقات الموقعة، ويضاف إلى ذلك أن افتعال الأزمات في بعض دول القارة سيؤثر سلباً على استقرارها وهذا من شأنه أن يؤثر سلباً على مناخ الاستثمار فيها بشكل عام.‏

كاتب صحفي من المغرب

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى