روسيا والعلاقات الأوروبية.. والشيفرة الأمريكية

ستستمر سياسة الضغوط القصوى الأمريكية، للوصول إلى إحداث شرخ بين الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، لكن رغم ذلك تظل أوروبا شريكًا مهمًا لموسكو وبكين

روسيا والعلاقات الأوروبية.. والشيفرة الأمريكية
أمجد إسماعيل الآغا

ضمن جُملة التساؤلات التي تؤطر المشهد العام للعلاقات الروسية الأوروبية وضمنًا الأمريكية، يبرز تساؤل مركزي يتمحور حول القلق الأوروبي من روسيا، ولماذا تقود روسيا الغرب إلى “الجنون” بحسب توصيفات الساسة الأوربيين. لكن في المقابل، فإن الاتحاد الأوروبي هو الأقرب إلى روسيا والصين، خاصة بعد سياسات دونالد ترامب تُجاه أوروبا، والإرث السام الذي أطر مسار العلاقات الأمريكية الأوروبية، وبذات الإطار فإن مسار العلاقة الروسية الأوربية كانت بمثابة “القشة” التي قصمت ظهر الهيمنة الأمريكية. للإجابة على التساؤل السابق، لابد من تتبع الخطوات الجيوسياسية اللازمة لفهم القلق الأوروبي من روسيا، وما يُمكن أنّ تُسفر تداعيات هذا القلق السّاكن، وإمكانية تحوله إلى تصعيد ممنهج، خاصة مع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، والباحث عن طرق لعودة الولايات المتحدة لقيادة القارة العجوز، مع وضع محددات لبناء علاقة جديدة مع دول الاتحاد الأوروبي، وترميم ما خلفه دونالد ترامب وراءه من شرخ وتصدع في بنية هذه العلاقات.

في مقابلة أُجريت في وقت سابق، مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قال إنّ “موسكو يجب أن تكون جاهزة للانفصال المحتمل عن الاتحاد الأوروبي”. جاء هذا التصريح جراء السياسة الأوروبية الجديدة تُجاه روسيا، والتي ارتكزت على إمكانية فرض عقوبات على روسيا، على خلفية الإجراءات التي اتخذتها موسكو ضد المعارض الروسي أليكسي نافالني. وكان لافتاً ما قاله لافروف في توصيف واضح لمسار العلاقة الروسية الأوروبية، حين أكد أنّ انقطاع العلاقات سيكون حتميًّا ومشؤوما كـ نتيجة مباشرة لعقوبات الاتحاد الأوروبي الجديدة، لا سيما تلك التي تخلق مخاطر حيال الاقتصاد الروسي.

في ذات السياق، فإن وسائل الإعلام الأوروبية سلطت الضوء على تصريحات سيرغي لافروف، واستحوذت تلك التصريحات على تغطيات واسعة؛ لذا يجب الغوص عميقاً في تصريحات لافروف حيال العلاقات المتوترة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، إذ قال صراحة “نحن نعتقد أننا سنكون على استعداد للحرب، على الرغم من أنهم أكبر شريك تجاري واستثماري لنا، وتعمل العديد من شركات الاتحاد الأوروبي في روسيا، وهناك المئات وحتى الآلاف من المشاريع المشتركة، التي تعود بالفائدة على كلا الجانبين”، وفي جانب أخر أكد لافروف أنَّ “روسيا وصلت لمرحلة الاكتفاء الذاتي في مجال الدفاع، ويجب علينا أيضًا أنّ نُحقق نفس الموقف في الاقتصاد حتى نتمكن من التصرف وفقًا لذلك إذا رأينا مرة أُخرى أنّ العقوبات تُفرض في مجال يمكن أنّ تخلق فيه مخاطر على اقتصادنا”، واللافت في تصريح لافروف قوله “إذا اردت السلام استعد للحرب”.

من الواضح تمامًا أنّ لافروف لا يقول إنّ روسيا ستقطع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي من جانب واحد، فالكرة في الواقع في ملعب الاتحاد الأوروبي، إذ تعلن موسكو أنها لن تمارس خيار الضربة الأولى لقطع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي في بروكسل، وهذا في حد ذاته سيكون مختلفًا تمامًا عن قطع العلاقات مع أي من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة.

تشي التطورات على صعيد مسار العلاقات الروسية الأوروبية، أنّ المشهد العام لهذه العلاقات ستشهد صخبًا متصاعدًا، حيث من الممكن أنّ يتم فرض عقوبات جديدة على روسيا، تتعلق بحظر السفر وتجميد الأصول المالية لشخصيات روسية، بمن فيهم أشخاص مقربون جدًا من الكرملين، إذ من الواضح أنّ مراقبي الاتحاد الأوروبي لم يلاحظوا كيف تطورت نظرة موسكو البراغماتية لـ بروكسل في السنوات القليلة الماضية، لكن بالعموم ستستمر التجارة بين روسيا والاتحاد الأوروبي مهما حدث، إذ يحتاج الاتحاد الأوروبي بشدة إلى الطاقة الروسية، وروسيا مستعدة لبيع النفط والغاز، وإذا كان الاتحاد الأوروبي لا يريد ذلك لمجموعة من الأسباب أهمهما الضغط الأمريكي، فإن روسيا ستلجأ لتوسيع شركاتها في جميع أنحاء شرق آسيا.

الشيفرة الأمريكية ستفرض سياسات ذات نمط تصعيدي، ستنطلق من محددات استراتيجية تتعلق بالسياسات الروسية والصينية، والهواجس من التوجهات الأوروبية تُجاه موسكو وبكين؛ وعليه هذا هو السر الناظم لمُجمل السياسات الأمريكية، فالأمر كله يتعلق بالسيادة والهيمنة، إذ تُدرك واشنطن أنه لا يمكن السماح أنّ يكون هناك توافقًا وثيقًا بين دول الإتحاد الأوروبي وروسيا.

ورغم ذلك، فإن الإدارة الأمريكية تُدرك بأنّ الاتحاد الأوروبي يعمل على إقامة علاقات تجارية واستثمارية أوثق ليس فقط مع روسيا، ولكن أيضًا مع الصين، وهذا هو السر الآخر الذي يحمل في ثناياه عوامل اتفاقية الاستثمار التجاري بين الاتحاد الأوروبي والصين، وبغض النظر عمن يتم استضافته في البيت الأبيض، فلا يوجد شيء آخر يمكن توقعه من الدولة العميقة في الولايات المتحدة، سوى العمل على إحداث أكبر قدر من التوترات والتصدعات في العلاقات الروسية والصينية والأوروبية، مع استمرار الهوس نحو العقوبات الدائمة والمتراكمة ضد موسكو وبكين.

في المحصلة، ستستمر سياسة الضغوط القصوى الأمريكية، للوصول إلى إحداث شرخ بين الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، لكن رغم ذلك تظل أوروبا شريكًا مهمًا لموسكو وبكين، خاصة أنّ الوضع في آسيا الوسطى مستقر، لكن في العمق، فإن أوروبا تبحث عن الطاقة؛ هذا الأمر سيكون عاملاً رئيسياً في السياسة الخارجية الشاملة للاتحاد الأوروبي، حيث ستمارس دول الاتحاد الأوروبي على الأقل من الناحية النظرية، مزيدًا من الاستقلالية فيما يتعلق بالولايات المتحدة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى