روسيا والولايات المتحدة.. خصمان في إطار الشراكة الإستراتيجية

إنّ البحث في تجليات الصراع الروسي الأميركي، والغوص عميقًا في مدى تشاركية القطبين الروسي والأمريكي، تحكمه الملفات المشتركة بين البلدين، وكذلك طبيعة التغيّرات الداخلية لكلا الطرفين، فالتغيّر الذي حصل أميركياً بمجيء دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يفرض بصماته في السياسة الخارجية، خاصة أنّ واشنطن اتخذت نهجاً مغايراً في تعاملاتها الدولية، مستندة في ذلك على مبدأ ترامب «أميركا أولاً»، وتنفيذاً لذلك المبدأ، شرع ترامب في إعادة صياغة المعاهدات والاتفاقيات الدولية من جديد، دون الرجوع إلى الحلفاء أو التفكير في تأثير قراراته الجديدة على وضعهم، أو إلى الخلافات التي قد تحدثها مع الدول الأخرى، أو إمكان تحوّلها إلى فتيل لصراعات مستقبلية في العالم. من هنا فإنّ هذا المبدأ يفسّر ما جرى لجهة تصاعد الخلافات الأميركية مع الحلفاء سواء من الأوروبيين، أو الحلفاء في آسيا الوسطى وأميركا الوسطى، إضافة إلى اللاعبين الدوليين كروسيا والصين.

على الجانب الروسي، فإنّ روسيا ماضية قدُماً في محاولة الارتقاء بدورها الإقليمي والدولي، وهي ترتكز في جلّ سياساتها الخارجية على «مبدأ ميدفيديف» نسبة إلى الرئيس الروسي الأسبق ديمتري ميدفيديف 2008 ـ 2012 الذي تضمّن اعتراف روسيا بأولوية المبادئ الأساسية للقانون الدولي التي تحدّد العلاقات بين الشعوب المتحضّرة، على أنّ تبني روسيا علاقاتها مع الدول الأخرى ضمن إطار هذه المبادئ، إضافة إلى الرؤية الروسية التي تتمحور حول عالم متعدّد الأقطاب، فعالم وحيد القطب عالم غير مقبول، والهيمنة المطلقة أمر لا يمكن السماح به. فليس في وسع روسيا قبول نظام عالمي تكون ناصية اتخاذ جميع القرارات فيه ملك بلد واحد، كالولايات المتحدة.

بهذا المعنى، وعطفاً على حجم المخاطر والتحديات التي تؤطر حالة الكباش السياسي والعسكري وعناوينهما المتشعبة، كان لابدّ من وضع آلية تشاركية تُبقي موسكو وواشنطن في حالة تنسيق دائم لجُلّ الملفات الإقليمية والدولية، دون ذلك، سيكون العالم غير مستقرّ ومهدّداً بالصراعات، كما أنّ روسيا لا تريد مواجهة مع بلد آخر، وليس عند روسيا نية لعزل نفسها، بل تتوخى إقامة علاقات ودية مع أوروبا والولايات المتحدة، وأكبر عدد ممكن من البلدان الأُخرى.وعليه فإنّ الصعود الروسي في المستويات كافة، قد صعّب الأمر على الولايات المتحدة، وكان لزامًا على واشنطن أنّ تبحث عن مفاتيح استراتيجية تُبعد شبح المواجهات المباشرة بين القوتين النوويتين، مع إبقاء الكثير من المسارح الإقليمية والدولية تحت عناية مركزة لمنع انفجارها في توقيت لا ترضاه موسكو، ولا تستطع واشنطن تحمل تداعياته.

حقيقة الأمر أنّ القضايا الخلافية بين واشنطن وموسكو لا يبدو أنها مثار نزاع حقيقي بين القوتين العظميين، وانطلاقاً من ذلك فإن الحجم الحقيقي لأيّ خلاف مهما بدا مستعصيًا إنما يكون على مسار الحل، لكن في العمق فإن الأبواب الموصدة جراء الاختلافات والتباينات الإقليمية والدولية، إنما تُفتح تلقائيا ما بين الخصمان الاستراتيجيان، وهذا ما يسعى اليه الطرفان بطبيعة الحال، على اعتبار أنهما أبرز دولتين في تحمل المسؤولية عن مصير العالم. فروسيا تدرك ان جُل القضايا الدولية وكذا الإقليمية التي تتخذ منها واشنطن منطلقا لتوجهاتها، لا يُمكن ولا ينبغي أنّ تبلغ حدَّ التهديدات الإستراتيجية لموسكو، فتوسع الأطلسي هي قضية أوروبية في الأساس، وأزمات القوقاز تُعد مسألة تنافس مع تركيا خاصة أنّ رجب طيب أردوغان قد طالب بالقرم صراحةً؛ وكذا مألات الأوضاع في آسيا الوسطى التي يُشارك في صنعها الإسلام السياسي التركي والإيراني.

المسؤولون الروس يُدركون هذه الوقائع، ويدركون أيضًا أنّ الولايات المتحدة تنظر إلى تلك المسائل وفق منظور الشراكة مع روسيا، لكن لا ضير من تعقيد جزئي للخلافات، يسهل ترميمه عقب أيّ اتصال أو تباحث بين البلدين.

التطورات التي اعقبت فوز جو بايدن، وما آثار هذا الأمر من تخوفات وهواجس وربما تحديات تفرض نمطًا مغايرًا في قراءة المشهد الأمريكي، لكن الهدوء الروسي في قراءة هذا المشهد، وجد في تأخير التهنئة الروسية لـ بايدن سبيلًا لرسم مشهد بانورامي يرتكز على أسس التعامل بين الدولتين، إذّ أنّ انتقال السلطة بسلاسة وفي الوقت المحدد، على الرغم من محاولة الانقلاب عبر الهجوم على الكابيتول، هذا الأمر كان في صلب مداولات المسؤولين الروس، الذىن يُدركون بأن النظام الديمقراطي الأميركي سيخرج صلباً من هذه التجربة، فيما كان محللون أوربيون وغيرهم في الإقليم، يتنبؤون في معرض التمني، بانهيار هذا النظام وتفتت الولايات عبر حرب أهلية مدمرة.

مرحلة دونالد ترامب انتهت، وترك الرجل إرثًا لن يكون سهلًا محوه، لكن بعض جزئيات هذه السياسات التي اتبعها ترامب سيُبنى عليها. إذّ أُلغيت قرارات ترامب بشأن الخروج من مؤتمر المناخ ومن منظمة الصحة العالمية، وستعود أميركا إلى علاقاتها الطبيعية مع الحلفاء، وإلى تواصل مثمر مع روسيا “الخصم الشريك” على حدّ قول الإدارة الجديدة. إذّ يبدو أنّ الأنباء التي جاءت بعد الاتصال الهاتفي بين بوتين وبايدن، والتي تمحورت حول تمديد معاهدة ستارت للصواريخ، تدخل في صلب وماهية الخصومة المؤطرة بشراكة استراتيجية بين موسكو وواشنطن.

في جانب موازٍ، فإنّ الشرق الأوسط تحديدًا سيكون موضع اختبار حقيقي لعلاقة الخصمان والشريكان، فبينما كانت روسيا تبحث عن مسوغات لتهدئة الملف الإيراني، كانت أمريكا “ترامب” تناور وفق اسلوب يتماهى مع المحاولات الروسية، وذات الموقف تُجاه تركيا،فقد تمكن بوتين وترامب وبطريقة غير مباشرة من وضع أردوغان على رف الانتظار، وانزاله لدغدغة بعض طموحاته سواء في سوريا أو ليبيا أو القوقاز، ومن ثم تجميده واعادته إلى مكانه في الرف، أما في الساحة السورية فإن موسكو وواشنطن يُدركون حدود التقارب وحدود الاشتباك، وفي ذات الإطار فإن الملف السوري ستطوى صفحاته بإخراج روسي أمريكي صرف، وفي الشأن الفلسطيني تحافظ موسكو على علاقات ودية مع والفلسطينيين والإسرائيليين، الأمر الذي من شأنه أنّ يُرسيّ توازناً في أيّ بحث عن حلول قادمة، تتعدى الشأن الفلسطيني إلى الشأن السوري، حيث بات من الضروري روسيًا وأمريكيًا وإسرائيليًا، إيجاد مخرج يُجنب الجميع انفحارًا غير متوقع.

كل ذلك يُعد مداميك في سياسة يستحيل أنّ تخرج عنها إدارة جو بايدن، وتوفر أساساً لعمل مشترك يفترض بروسيا أنّ تنخرط فيه بفاعلية، فهذا هو دورها، وهو ما تنتظره منها شعوب المنطقة.

إذًا، روسيا ليست بعيدة عن المنطقة، وهذا لم ولن يُزعج الأمريكي، بل وفي بعض الأحيان يأتي بعد تنسيق روسي أمريكي على مبدأ تبادل الأدوار، والاشتراك في رسم استراتيجيات بعيدة المدى.

في المحصلة، قدمت الخارجية الروسية نهاية عام 2020 جردة بالنشاط الروسي على المستوى الدولي، ومن يستعرض هذه الجردة يكتشف على الفور أنّ موسكو هندست تحركاتها بعد مشاورات في الخفاء مع واشنطن، إذ لا يمكن أنّ يخرج الطرفان من إطار التنسيق الاستراتيجي، خاصة في ساحات مثل سوريا وليبيا، واليوم تتوفر فرص مدخلها الشرق الأوسط، ولنّ يتم ولوج هذه الفرص من دون تعاون بين الدولتين الكبيرتين، وهو تعاون يمكن أنّ يمتد إلى نقاط أخرى، ويُخرج العلاقات الدولية من خنادق المواجهات الحقيقية حينًا، والمصطنعة أحيانًا كثيرة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى