رياض سلامة: عرَّاب صفقات أهل السلطة.. يبحث عن معجزة!

لا يبدو أن الثقة المطلقة التي يُعطيها أهل السلطة لحاكم مصرف لبنان في محلها. بل يبدو أن اللبنانيين جميعاً وعلى رأسهم من اقتنعوا يوماً بأننا نمتلك قطاعاً مصرفياً مُحكماً سيبقى يُشكل ركيزة الاقتصاد اللبناني، اكتشفوا متأخرين أنهم كانوا يعيشون جزءاً من مسلسل الخداع التسويقي الذي امتهنته العقول المؤمنة بالنموذج الاقتصادي الحر مع ما يتعلق بها من لعبة الاقتصاد والمال والسياسة والتي ينتمي لها أيضاً بعض الإعلام والنُخب العلمية. وسيكتشف اللبنانيون ولو بعد فترة، أنهم كانوا خلال السنوات الماضية، يراهنون على سلطة فاشلة تُديرها نخبة فاسدة تتآمر عليها وتعرف كيف تُحافظ على ثرواتها ومصالحها وتؤمِّن عليها، دون أن تتحمل مسؤولية الحفاظ على ثروات الدولة ومصالح المواطن أو تكن جديرة بأن تُؤتمن على مصالح المواطن! ومعها سيكتشف اللبنانيون أيضاً، أن سمعة رياض سلامة في عالم المال والأعمال، ليست سوى علامة تجارية طبيعية، للترويج لخدمة يمتهنها تتطلَّب كفاءة وقدرة عالية على ترجمة عقلية المقامرة والصفقات في عالم الاقتصاد والسياسة.

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة

ولكي يعرف اللبنانيون لماذا يغرق الاقتصاد اللبناني يوماً بعد يوم، ولماذا تتدهور الأمور على الصعيد المعيشي، لا بد أن نُضيء على عدد من الحقائق التي تُبرزها التجربة والتي سنشرح فيها ونُبيِّن قصة النموذج الاقتصادي اللبناني والذي يحكم القرار السياسي. وهي تتمثل فيما يلي:

  • أولاً: يُعبَّر نهج حاكم مصرف لبنان، عن شعارٍ يُلخِّص سياسته طيلة فترة حكمه، وما اتبعه من معالجات وإجراءات وهو: “حيث لا يوجد دولار لا يوجد اقتصاد“. وهو شعار قد يجده البعض طبيعياً، في ظل النظام الاقتصادي الذي ساد خلال السنوات السابقة كنتيجة لسياسة الهيمنة الأمريكية. لكن أغلب الرأي العام لا يُدرك ما يتضمنه هذا الشعار من دلالات. وهنا فإن هذه الذهنية تتناغم مع قاعدة نيوليبرالية تحكم اقتصاد السوق القائم على الصفقات والمراهنات وهي: “You Are Only As Good As Your Last Trade“، أي “أنت ناجح بقدر ما تنجح في صفقتك الأخيرة“. وهي شعار سوق البورصة والأعمال المُعتمد في “وول ستريت” حيث ترعرع رياض سلامة الذي عمل فيه ضمن شركة “ميريل لينش” بين العامين 1973 و 1993 قبل أن تأتي به التحولات المحلية والإقليمية حاكماً لمصرف لبنان.
  • ثانياً: منذ العام 1993، بدأت قصة هندسة النموذج الاقتصادي اللبناني، ضمن إطارٍ من التبعية لسياسات الاقتصاد الحر. وتحولت البلاد الى مجموعة من الأسواق ضمن اتحادٍ من المصالح. مع ضرورة لحاظ أن ما جرى هو مفصل وتحوُّل أتى ضمن مسار بدأ مع ولادة دولة لبنان الكبير عام 1920 – وما جاء به ميشال شيحا حامل عقلية المصرفيين ورسَّخه بالعقيدة الاقتصادية التي بقيت تحكم كافة خيارات السلطة والحكم وفي مختلف الميادين – والتي شكلت فيها مرحلة ما بعد الطائف مُنعطفاً في تاريخ لبنان السياسي.
  • ثالثاً: تزامن هذا التحوُّل مع بداية الزمن الأمريكي وصعود نظام القطب الواحد كنتيجة لانهيار الاتحاد السوفيتي. لنقل إن التحولات في العالم هي التي قادت التحول على الصعيد المحلي. فركب لبنان – الذي لم يُقرَّر له يوماً أن يكون دولة – موجة التحوُّلات الكبرى. وانعكست هذه التحولات في الصيغة المحلية للحكم، وجاءت ضمن المُبررات التي شرَّعتها لعبة السياسة والاقتصاد، وبدأ معها زمن الصفقات.
  • رابعاً: استمر هذا النهج تحت عناوين وشعارات إصلاحية رفعتها النخبة الحاكمة، لتعزيز السياسات المالية والاقتصادية النيوليبرالية والتي تبنتها حكومات ما بعد الطائف والتي حوَّلت ما تبقى من موارد البلاد بعد الحرب الأهلية الى خراب اقتصادي. ساهم ذلك في ترسيخ نموذج الاقتصاد الريعي القائم على التدفقات المالية من أصحاب الرساميل، دون وضع أي خطة نهوض تساهم في استثمار الأموال وتحويل الاقتصاد الى اقتصاد انتاجي.

وهنا فإن كل ما تقدم، ساهم في ترسيخ واقع من الارتهان الاقتصادي للخارج ضمن إطار من القيم البرَّاقة كالانفتاح والعولمة والسوق الحرة ووعود تحقيق التوازن والرفاه والحرية لجميع أفراد المجتمع. وتحكم هذا الواقع بالقرار السياسي المحلي والإقليمي. ما أفقد بيئة المواطن من مقومات الصمود أمام التحديات. ولعل الجوقة المتناغمة التي جاءت الى السلطة حينها، والتي تكونت من رجال السياسة والاقتصاد وكان رياض سلامة رجل الظل فيها، قادت مسيرة تعزيز الهيمنة الإقتصادية على كافة خيارات الدولة من خلال إضعاف القطاع العام وتعزيز دور القطاع الخاص بما فيه مصلحة رجال السوق والأعمال. ودون أن تتقاعس هذه النخبة الحاكمة عن تحويل لبنان الى شركة متعددة الطوائف والمذاهب، والتي نجحت في تمرير كافة سياساتها، وتبريرها تحت سقف التعايش. فكان ذلك مُبرر لتأمين استمراريتها، مع ما يعنيه ذلك من ترسيخٍ للطائفية السياسية.

اليوم، يعيش اللبنانيون في النتائج. وتسعى القوى السياسية الى معالجتها. لكن ذلك لا ينفي أن غياب الدولة عن لبنان خلال السنوات السابقة – وهنا نعني بغياب الدولة، غياب منطق وأسلوب الدولة والتي يجب أن تعكس بأجهزتها قدرتها على إدارة مصالح المواطن – يجعل الحكومات المتعاقبة تتحمل المسؤولية، وهو ما يعني بشكل مباشر أن النخبة الحاكمة والتي تألفت من ممثلين عن الأحزاب والتيارات السياسية، والتي تداولت الحكم، هي التي ساهمت في ترسيخ هذا الواقع السياسي عن دراية (مصلحة ومنفعة) أو عن سوء تقدير. فكيف ساهم هذا المنطق الاقتصادي في ترسيخ نظام المحاصصة؟ وما هي حقائق لعبة الاقتصاد والسياسة في لبنان؟ أسئلة سنُجيب عليها في المقال المقبل.

*باحث مُتخصص في نُظم السياسات والحوكمة

بواسطة
د. محمد علي جعفر
المصدر
موقع العهد الإخباري
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى