زيارة لافروف إلى دمشق.. بين المصالح الجيو- استراتيجية والتعقيدات الدولية

بقلم.. في إطار زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى دمشق، ولقاءه الرئيس السوري بشار الأسد. لا يمكن التعويل كثيرًا على مفاعيل الزيارة لأسباب عدة:

  • أولاً- المناخ الإقليمي والدولي غير مُهيئ بعد للوصول إلى حل سياسي توافقي في سوريا.
  • ثانياً- حجم التعقيدات في شمال شرق سوريا يفترض تنسيقًا دوليًا واقليميًا حياله، خاصة أن الولايات المتحدة وكذا تركيا يتقاسمان جغرافية الشمال وفق آلية المصالح المشتركة.
  • ثالثاً- روسيا وانطلاقًا من كونها قطبًا دوليًا، هذا الأمر يدفعها لهندسة معادلة توافقية بين الحلفاء الافرقاء، مع ضمان عدم العبث بماهية وتأثيرات المنجزات العسكرية الأخيرة في الشمال السوري.
  • رابعاً- قبل مدة صرح لافروف أنّ عمل اللجنة الدستورية يسير في نسق ايجابي، لكن في المقابل هناك تعقيدات تصل حد الاملاءات من قبل واشنطن وأنقرة على جُزئيات عمل اللجنة ومخرجاتها، ولا يمكن لدمشق تمريرها في أيّ إطار.
  • خامساً- من المهم في هذه المرحلة مراكمة كافة البيانات السياسية والعسكرية، قُبيل الانتخابات الأمريكية، الأمر الذي يفترض تنسيقًا سورياً روسياً إيرانياً، لبلورة رؤية جديدة تتعلق بسوريا والمنطقة ما بعد الانتخابات الامريكية، مع رسم سيناريوهات تتعلق بالاستراتيجية الأمريكية الجديدة حيال سوريا تحديداً.

ضمن ما سبق، يُمكن تأطير زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى دمشق ولقاءه الأسد، بأوراق ثلاث:

  • الورقة_الأولى: المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا غير بيدرسن أجرى في وقت سابق، جولة محادثات مع وزير الخارجية سيرغي لافروف، تطرقت إلى نتائج اجتماعات اللجنة الدستورية أخيرًا، والوضع الميداني في إدلب وفي شرق البلاد، فضلا عن تفاقم الوضع الإنساني، خصوصا في ظروف تفشي وباء كورونا.

وأولى الطرفان حيزًا مهمًا من المناقشات لآليات دفع العملية السياسية السورية في جنيف. وأكدا على أهمية مواصلة الاتصالات مع كل الأطراف السورية لدفع هذه العملية. وقام لافروف خلال المفاوضات بتسليم المبعوث الدولي نسخة من وثيقة مذكرة التفاهم التي وقعتها في موسكو قبل أيام.

  • الورقة_الثانية: في إطار مُذكرة التفاهم التي وُقعت في موسكو بين رئيسة الهيئة التنفيذية لمجلس سوريا الديموقراطي إلهام أحمد، مع أمين حزب الإرادة الشعبية ورئيس منصة موسكو للمفاوضات قدري جميل، نصّت المذكرة على عدد من البنود التي تتعلق بتأكيد وحدة وسيادة سوريا، مع الإقرار بضرورة الالتزام بإيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية في سوريا، وتأكيد أن الإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا ضرورة موضوعية وحاجة مجتمعية متعلقة بظروف البلد وحاجات المنطقة التي أنتجتها الأزمة الراهنة، فضلا عن أهمية دمج قوات سورية الديمقراطية ضمن الجيش السوري وفقا لصيغ وآليات يتم التوافق عليها.
  • الورقة_الثالثة: مشاركة لافروف في أعمال الجلسة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي، تحمل الكثير من المعطيات التي تصب في بوتقة تحسين الأوضاع الاقتصادية في سوريا بما يتلاءم ومعطيات المرحلة المقبلة، وبما يُعزز آليات الصمود لدى الشعب السوري، للقفز على المحاولات الأمريكية والأوروبية والتركية بتأجيج الداخل السوري.

من المهم أن نذكر بأن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لم يسبق له زيارة سوريا منذ اندلاع الأزمة، في العام 2011 إلا مرة واحدة، عندما قام بزيارة في مطلع شهر شباط \ فبراير عام 2012، رافقه فيها رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية آنذاك ميخائيل فرادكوف. وشكّلت تلك الزيارة علامة فارقة حيث كانت بداية الانخراط الروسي الواسع في الأزمة السورية، الذي بلغ أعلى مستوياته مع بدء التدخل العسكري المباشر في نهاية أيلول \ سبتمبر 2015، مع التأكيد على الفرق الجوهري حيال الظروف الإقليمية والدولية تُجاه سوريا منذ بداية الأزمة وحتى اليوم.

ختاماً، قد لا تتلاءم الأوراق التي يحملها لافروف مع دمشق، خاصة أن الدولة السورية في جعبتها أوراق مضادة حيال ما يُخطط له أمريكياً في سوريا، لكن مضمون العلاقة الإستراتيجية بين موسكو ودمشق تفترض تنسيقاً عالِ المستوى في الملفات كافة، وفي جانب موازٍ، تعتبر روسيا أنّ سوريا مركز نفوذها العسكري الاستراتيجي بالشرق الأوسط، ومنفذها البحري على المياه الدافئة، وأن دورها الاستراتيجي بسوريا منحها بُعدًا استراتيجيًا، وأوراقاً رابحاً في علاقاتها مع كل من تركيا وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وإن بنسب متفاوتة ولأسباب مختلفة، الأمر الذي يشي بالمضامين كافة، أنه لا يُمكن بشكل من الإشكال التشكيك بالعلاقة السورية الروسية لجهة استراتيجيتها، وعليه فإن زيارة لافروف صحيح أنها تأتي في توقيت دقيق، إلا أنّ الصحيح أيضاً بأن سوريا قيمة استراتيجية لابد من الحفاظ عليها روسياً، على الرغم من كافة التعقيدات وحالة التجاذبات السياسية والعسكرية، والرهانات الأمريكية التركية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى