سترة نجاة في زمن الغرق السياسي

سحبت مسألة إحالة مجلس النواب قانون العفو العام إلى اللجان النيابية المشتركة بعدما اسقط عنه صفة المعجل المكرر من سوق التداول السياسي وسط تضارب في تفسير هذا القانون أو رفض تمريره لما يحمل من مطبات، حسب المعترضين، تسهّل تمرير المسامحة لكل مسؤول مقترف لجريمة مالية او فساد ولكل مخل بالأمن.


وتلافيًا لخلافات حول تفسير هذا المقترح ألقيت المسؤولية على كاهل اللجان المشتركة، بإعتبار أن البلد لا يحتمل اليوم المزيد من النقاشات الخلافية، وقد طرحت علامات استفهام بالجملة حول توقيت طرح القانون والهدف منه، خصوصاً أن عدداً من المرجعيات القانونية، فضلاً عن الاحزاب والتيارات السياسية انتقدت ما ورد فيه من بنود على اعتبار أنه بحاجة الى مزيد من الدراسة، على رغم أهمية تطبيق العدالة على عدد كبير من الموقوفين الإسلاميين، الذين لم تصدر في حقهم أية أحكام بعد.

ويتضح أنه في الأسباب الموجبة للقانون المعجل المكرر للعفو العام، أن “مبدأ الصفح يشكل وسيلة لتعزيز السلم الاهلي ويساهم في إعادة اللحمة بين أبناء الوطن الواحد، وتجاوز الآثار الناتجة، إما عن صراعات سياسية أو عن أزمات ذات طابع اجتماعي أو اقتصادي”.

ويتوقف المعنيون عند التمايز الحاصل بين الاسباب الموجبة ونص القانون المقترح لجهة نطاق العفو المحدد في اقتراح القانون، بحيث “أن الحالات التي تضمنها البند “أولاً” من المادة الوحيدة أوسع من الحالات المحددة في الأسباب الموجبة التي أوصت بمنح العفو لأسباب عزاها مقدمو الاقتراح إلى مبدأ الصفح المعزز للسلم الاهلي وإعادة اللحمة وتجاوز الصراعات”.

وحول استثناء مخالفة القوانين المالية (التهرب الضريبي)، ثمة من ينتقد “تصنيف رزمة من العقوبات المالية والجزائية على أنها مخالفات وجنح، وليست بالتالي مستثناة صراحة من العفو بموجب إقتراح القانون الجديد، ما يعني أن جميع من خالفوا واغتنوا على حساب اموال الدولة العامة معفيون هنا من أي ملاحقة “سواء حركت فيها دعوى الحق العام أو لم تحرك”.

كما انتقد هؤلاء التفاف المجلس النيابي على قرار المجلس الدستوري رقم 4/2018 الذي أبطل مواد التسوية الضريبية من قانون الموازنة رقم 79 – العام 2018 لمخالفته مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين من دون تمايز أو تفضيل”.

كتلة “الوسط المستقل”

ووسط هذا التباين في وجهات النظر بين مؤيد ومعارض جاء إقتراح قانون كتلة “الوسط المستقل” الرامي الى اخلاء سبيل المقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام قضائية مبرمة، كحل وسط يمكن الأخذ به لتلافي الكثير من التعقيدات والمشاكل التي نحن في غنىً عنها.
ومما جاء في الأسباب الموجبة لهذا الإقتراح: “إن طرح قانون العفو اليوم لا يهدف الى تصحيح أو تحسين أوضاع اجتماعية أو اقتصادية، وفي الوقت عينه يضرب عرض الحائط حقوق الضحية والمجتمع في الاقتصاص من مرتكبي الجرائم، ويضعف ثقة العامة بالسلطة العامة المنوط بها حماية المجتمع والفرد معا.
وفي هذا المجال، يزيد من منسوب التجرؤ على مخالفة القانون وارتكاب الجرائم، فالمجرمون أضحوا على يقين، ولبنان أقر /12/ قانونا للعفو منذ الاستقلال إلى اليوم، أنهم مهما ارتكبوا من أفعال شنيعة سيأتي قانون العفو ليعفيهم أو يخفض عقوباتهم.
لذا فانه من الأجدى والانسب استبدال اقتراح قانون العفو المطروح اليوم بقانون اخلاء السبيل، معجل بمادة وحيدة للاسباب التالية:
– ان السجون اللبنانية مقتظة بالموقوفين الذين لا يجيز نص قانون اصول المحاكمات الجزائية ، تخلية سبيلهم بالنظر الى نوع الجرم المنسوب اليهم، والذين تأخرت مسألة اصدار احكام بحقهم لأسباب لسنا بصدد الغوص بها.
– ان المشرع اللبناني، قد سبق وخفض السنة السجنية فجعلها تسعة أشهر، بصرف النظر عن كيفية سلوك السجين في السجن، وعما إذا كان مكررا أو معتادا الإجرام، وبصرف النظر عن ماهية جرائمه وخطورتها.
– أن القضاة بشكل عام، وبالنظر للسلطة التقديرية، التي منحها إياهم القانون، وأخذا بعين الاعتبار لواقع المدعى عليهم، يلجأون إلى منح الأخيرين الأسباب التقديرية المخففة للعقوبة، وإلى إدغام العقوبات المحكوم بها عليهم، ولا يعتمدون تشديد العقوبات، مع العلم أن حد العقوبات في قوانين لبنان الجزائية متدن نسبيا، بالمقارنة مع سواه من البلدان.
– إن المدة المقترحة في هذا القانون ليست قصيرة ( أكثر من سنتين سجنيتين في القضايا الجناية و أكثر من ثلاثة سنوات سجنيّة في القضايا الجنائية ) وهي ليست بعيدة عن متوسط المدة التي تخلص اليها الاحكام المبرمة .
– إن اقتراح قانون العفو يطال أمورا تتعلق بالقضاء العدلي، لا سيما ما يعدل شروطا للتمييز، لا بل تمنح للمحكوم عليه إمكانية إعادة تمييز حكم سبق ورد تمييزه شكلا، وبالتالي هذا الأمر يحتاج إلى موافقة مجلس القضاء الأعلى، سندا لنص المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي.
– ان إقتراح قانون عفو جديد اليوم ، يعني أن جميع من خالفوا واغتنوا على حساب اموال الدولة العامة معفيون من أي ملاحقة “سواء حركت فيها دعوى الحق العام أو لم تحرك
– قلب سلم القواعد المتعارف عليها والمعمول بها، فأصبح شمول العفو هو المبدأ والاستثناء هو ما ورد بشأنه نص يستثنيه.

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى