سرير الملك أحمد فؤاد الثاني

كعادته كل صباح قدم الصبي طعام الفطور لجواده الأحمر وتابع إفطاره هو الأخر ، فيما يستعد إخوته الصغار للذهاب إلى المدرسة ، بينما الأم ترعى وتساعد الجميع على أن يبدأ يومه . وكان أهمهم لديها هو إبنها البكر فهو الذي يتحمل مسئولية الأسرة منذ 3 سنوات حيث توفي الأب . راح يربت على ظهر الجواد الطيب ويلاطفه بينما يثبته في العربة الحنطور. صوت الأطفال يتداخل وتزدحم به أجواء البيت مثل شقشقة العصافير في الصباح . ودعت الأم ولدها الشهم الذي أصبح أباً لإخوته وعمره لم يكن يزيد على 13 سنة . لم تكن تعلم أن أسرتها الفقيرة اليتيمة على موعد اليوم مع هجمة عسكرية ، وأن ساعة الصفر يحين موعدها الآن . إنطلق الفتى حسنين بعربته يسعى على رزق أسرته ، وشاء حظه العاثر أن يمر على كوبري طلخا الذي يربطها بمدينة المنصورة . الكوبري إتجاهان والسرعة عليه لا تزيد على 30 أو 40 كم . وفجأة برزت سيارة جيش ضخمة (ناقلة جنود) ، كانت تسير في الإتجاه المعاكس لإتجاه العربة الحنطور ، فتركت مسارها وداهمت العربة بسرعة جنونية حتى أنها إعتلتها وهشمتها .

كانت أخطاء الجندي السائق غير معقولة وتشي بأنه فقد السيطرة على السيارة ، وجاءت النتائج كارثية إذ لم ينج أحد ، لا العربة ولا الفتى ولا الحصان . كان المشهد قاسياً للغاية .. جثة الصبي متكورة على الأرض تلتصق بها ملابسه البسيطة ، تنساب منها الدماء فتختلط بدماء الحصان المتهشمة قوائمه . أما العربة فقد تحولت إلى كومة من الأخشاب .. كان تأثير المشهد المأساوي عميقاً جداً ، النساء صامتات تماماً ولا تستطعن السيطرة على دموعهن . بينما دخلت الرجال في حديث بخصوص إبلاغ شرطة المرور ، ويعلق أحدهم بأن الجيش سيكون هو المختص بالمعاينة وليس الشرطة . عندما وصلت السيدة أم حسنين إلى مسرح الجريمة لم تتمالك نفسها ، إرتمت فوق جثة إبنها وعائل أسرتها تقبله وتحاول إحتضان جسده المحطم . وتمرمغت في دمائه كي تتشربها ملابسها . ثم جلست في بركة الدم ورفعت يديها تشكو للسماء وصرخت قائلة : “موت وخراب بيوت” . كنت صغيراً بحيث لم أستوعب أن هناك مصيبة أخرى تجاور مصيبة الموت . وعندما سألت أخبروني أن المخطئ في الحوادث يلتزم بتعويض المجني عليه ، إلا إذا كان المخطئ تابعاً للجيش حيث تكون نتيجة المعاينة دائماً أن المدني هو المخطئ . فجيشنا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .

سرير الملك أحمد فؤاد الثاني
سرير الملك أحمد فؤاد الثاني
  • سرير الملك أحمد فؤاد الثاني

وفي خريف 1994 كنت على موعد مع حادث مشابه إرتكبته نفس السيارة العسكرية الطائشة . حيث قابلني ضابط مفصول من مباحث أمن الدولة . وحكى لي سبب فصله من الخدمة والحصار الخانق الذي تتعرض له أسرته على يد السلطة الحاكمة في البلاد . وقال أنه ينتمي لعائلة تتاجر في الأنتيكات وكانت على موعد مع حدث سيوقف مسيرتها . حيث كانت الأسرة تمتلك سرير الملك أحمد فؤاد الثاني الذي نام فيه رضيعا . حيث إشترته الأسرة في مزاد دعت إليه وزارة الثقافة لبيع مقتيات أسرة محمد علي سنة 1962.

وهو سرير خشب مطلي بماء الذهب صمم على هيئة مرجيحة معلقة بين حاملين . والسرير بسيط في قيمته المادية حيث كان ثمنه في المزاد 62 جنيه فقط لا غير . لكنه يمتلك قيمة تاريخية وأدبية لفتت نظر السلطة . ويكمل الضابط المنكوب : فجأة زاد الطلب على السرير واللافت أنهم ليسوا من هواة التحف والانتيكات و رفضنا بيع السرير المرة تلو المرة . وفي النهاية جاءت سيدة لديها محل انتيكات في مصر الجديدة وتدعى مدام سناء . طلبت السرير فتم الرفض فتحدثت بحسم وبوضوح تام قائلة : من الأخر أخوك علاء مبارك عاوز السرير و سيدفع فيه مليون جنيه . وأردفت أنها أخر من يأتي لطلب السرير . وسألته لماذا رفضت الصفقة اذن والعرض مجزي ؟ فأجابني بأنه لم يكن ليحصل على مليم واحد وأنها لو أحضرت المبلغ معها لأعطاها السرير على الفور . لكن الواضح أن المقصود هو الحصول على السرير بالمجان .

إنصرفت مدام سناء وفي فجر اليوم التالي فوجئت الأسرة بقوة من مباحث المطار تقبض على عدة أفراد منها . وتستولى على مقتنياتها وأولها السرير وذلك تحت زعم أن الأسرة حاولت السفر بهذه المقتنيات التي تم تسميتها أثار . وتم تلفيق قضية تهريب أثار للأسرة التي لا تعرف شيئا عن الأثار . ولم يذهب فرد منها إلى المطار أو حتى كان لديه تذكرة سفر . وما ذكر في الأوراق أن المتهمين قبض عليهم في المطار وليس من منزلهم . وفي اليوم التالي كانت جميع الجرائد الصادرة قد وضعت خبر الحادثة المفتعلة في مكان بارز . ومنها الشعب والوفد وصحف الحكومة الثلاثة الاخبار والاهرام و الجمهورية .

حصلت من الضابط المنكوب على وثائق ملكيته للسرير وخلافه وقصاصات الجرائد التي كتبت الخبر . وكتبت القصة وذهبت بها إلى جريدة الأحرار وسلمتها للأستاذ عصام كامل وكان وقتها مسئولاً عن الديسك المركزي . وقرأ العنوان ” إبن مسئول كبير يستولي على ……” وسألني عن إسمه وما أن قلت علاء مبارك حتى قام كمن لدغه عقرب . وهرع إلى مكتب رئيس التحرير الأستاذ مصطفى بكري وأسر له بهذا فخاطبني الأستاذ مصطفى بأن أبتعد عن أسرة مبارك وعن السعودية ولا محاذير بعد ذلك .

بعدها بعدة أشهر كنت في مقر هيئة الأمن القومي بحدائق القبة للإبلاغ عن مجموعة تتحرك من حولي . وتعرض علي برنامجاً بأكمله من عمل صحفي وحزبي وعلاقات عربية و بيزنس وتنسب نفسها لإسرائيل . تلقى الضابط مني هذا البلاغ ثم ألمح إلى محاولتي لنشر قصة سرير الملك أحمد فؤاد الثاني . وأشار إلى أن هذه أمور تمس الحكم وتطعن في نزاهته وتقوض الثقة فيه . وبالطبع أنا لا أتهم أو ألوم الزملاء الذين ذكرت أسمائهم ، فقد كنت مراقباً من عدة جهات وحتما رصدوا لقائي بالضابط المفصول كما أن الموضوع ليس سراً فقد كنت أسعى لنشره على الملآ . ونعود إلى الحادث الكارثي والذي إستخدمت فيه كل سلطات الدولة من أجل سرقة سرير ، ليس هذا فحسب بل وتمت معاقبة المجني عليهم لأنهم رفضوا سرقة ممتلكاتهم .

هل هذا معقول ؟ أسرة يتم إيقاظها عند الفجر لتجد نفسها فجأة في مواجهة مع دولة بأكملها .. فالشرطة تخترع وقائع والصحف تنقل عنها ، ويتم التشهير بالمجني عليه وتقديمه للمجتمع على أنه مهرب آثار حقير . والنيابة توجه الإتهام والقضاء يحكم فيصبح الحكم عنواناً للحقيقة ثم يطرد الأبناء من وظائفهم . ويتحول الجميع من شخصيات محترمة وموقرة من المجتمع ، إلى مجرمين ومنبوذين وأصحاب سوابق يتوارى منهم أقاربهم وأصدقائهم وجيرانهم . يحدث هذا في وجود دستور وقوانين وسلطات وأحزاب وصحف معارضة . لكنهم جميعا كانوا قد تعرضوا لنفس الحادث ، حيث خرجت السيارة المجنونة من ثكناتها فجر يوم 23 يوليو 1952 ودهست شعباً بأكمله فأفقدته حريته وحولته إلى عبيد .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى