سورية والإرهاب العالمي وأمن الكيان «الإسرائيلي»

في العقود الخمسة الماضية كانت المنطقة العربية تُصارع السياسات الغربية الصهيونية، وذلك من منطلق الحق الفلسطيني، فكانت أغلب الدول العربية تتضامن كـ حكومات مع الشعب الفلسطيني في حق العودة والتحرير، وكانت حرب تشرين التحريرية وما تبعها من انتصارات للمقاومة في لبنان، الأثر الأبرز في تشكّيل نقطة تحوّل في المنظور السياسي والعسكري بالنسبة للمنطقة، خاصة أنّ الاحتلال الاسرائيلي استطاع في حرب النكسة 1967، احتلال هضبة الجولان و مزارع شبعا ووادي عربة وسيناء، والتي شكّلت مواقع صراع اضافية مع العدو الاسرائيلي بالإضافة إلى فلسطين المحتلة.

إلا أنّ انتصار المقاومة في لبنان 2000 و2006، فرض حسابات إقليمية ودولية أُخرى لاصطفافات بعض الدول مع المشهد العام للمنطقة، لكن الأهمّ أنّ الجهة الاستخبارية الغربية الصهيونية، طوّرت عناوين التعاطي السياسي والاستخباري للمنطقة المحيطة بكيان العدو، وفقاً للتطورات الحاصلة، الأمر الذي مهدّ له رؤساء الحرب في الولايات المتحدة، منذ عهد جورج بوش الابن بالنسبة للدور المقاوم المتمثل بالجمهورية الإسلامية الايرانية و حزب الله اللبناني وسورية والمقاومة العراقية.

فبدأ مخطط التفتيت والتقسيم الجغرافي المبنى أساساً على المناطقية والمذهبية والطائفية، مُستغلة الفكر الرجعي لبعض الفئات القاطنة في هذه الدول المستهدفة، فكانت حرب العراق الفتيل الذي مهّد لانقسامات شهدتها المنطقة نتيجة هذا الفكر، كما حدث في حرب العراق على الكويت والحرب الإيرانية العراقية، وما تبعتها من انقسامات تجاه سياسات مضمونها غربي وتنفيذها عربي.

وفي 2011 والحرب الإرهابية على سورية ، شكّلت النتائج التي حصلت عليها واشنطن من العراق، وما تخللها من مقاومة عبر الحشد الشعبي، الذي تصنّفه الولايات المتحدة كذراع لإيران في العراق. مشكّلة لا بدّ من حلها أميركياً، فكان اغتيال الشهيدين القائدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ضربة موجعة لمحور المقاومة، ناهيك عن الإرهاب الذي عصف بالدولة السورية التي استعصت على الغرب لجهة ثنيها عن مواقفها الثابتة، تجاه القضية الفلسطينية، فكان لا بدّ من استكمال العمل لتفتيت المنطقة لجهة تعاظم محور المقاومة، والذي ثبت فعلياً من انتصار تموز 2006، والذي أسقط فكرة أنّ الجيش الإسرائيلي لا يُقهر وهو الأقوى في المنطقة.

  • سورية ومعنى الحرب الإرهابية عليها

وفقاً للأجندة الأميركية والغربية عموماً، تُعدّ سورية البلد الوحيد الرافض لعملية السلام مع «إسرائيل»، والبلد الوحيد الرافض لقرارات الغرب السياسية الاحتكارية بكلّ أنواعها السياسية والعسكرية والاقتصادية، فكانت الحرب نتاج موقف ثابت سابق منذ عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، ولاحق الى عهد الرئيس بشار حافظ الأسد، فتمّ قذف القنبلة الإرهابية على سورية.

لكن انتصار سورية خلال هذه السنوات شكّل منعطفاً تاريخياً للمنطقة العربية، ورغم ضبابية المشهد بالاعتراف بهذا النصر الكبير، فما لم تستطع فعله واشنطن في سورية عبر إحداث تغيير سياسي، يُفضي إلى تغيير عسكري تجاه «إسرائيل»، لحفظ أمنها القومي، تقوم أجهزة الغرب السياسية بتفعيله واقعاً عبر قوّتها العسكرية حيناً، وعبر قرارتها السياسية حيناً آخر، كما حدث بالنسبة لاعترافات ترامب بالنسبة للجولان السوري المحتلّ والقدس عاصمة لـ «إسرائيل».

الناظر إلى المشهد الاقليمي الدولي يُدرك تماماً حجم الخراب السياسي الذي نشرته الدول الغربية على الساحة بشكل عام، وها نحن نقف عند مشهد التطبيع العلني مع العدو الإسرائيلي، الذي يُعدّ بالنسبة لـ «إسرائيل» البند الأهمّ لاستمرارها ونجاحها في المنطقة، فتدويل القضايا السياسية لتكون برعاية غربية، بدءاً من الحق الفلسطيني حتى انفجار بيروت، الذي يشهد انكفاء عربياً وتضارب مصالح فرنسية تركية، لأكبر دليل على أنّ المجتمع السياسي العربي مُنقسم، وأنّ بعض الرؤساء بالنسبة لشعوبهم وما صنعوه في مؤسّساتهم، لا يصل الى مستوى الدولة وسيادتها.

هي مشهدية أرادها الغرب للعراق ولبنان وسورية واليمن، لإبعاد شبح المقاومة، وتفعيل قوانين الغرب القائمة على السيطرة الكاملة، مع الإبقاء على جزئية الإرضاء للجهة المطالبة بالتدخل الغربي في قضايا شعوب، لأنّ المنطق العقلي لحدوثها يؤكد أنه هو من صنعها لخدمة «الأمن الإسرائيلي»، خاصة أنّ المسألة لم تعد تقتصر على التواجد الصهيوني في المنطقة، لأنّ الكيان حقق ذلك أصلاً منذ اتفاقيات كامب ديفيد و أوسلو و وادي عربة…!

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى