شخصية أردوغان الإستبدادية وجموحه للإنتقام بعد فشل الانقلاب.

منذ أن تولى أردوغان رئاسة الوزراء في آذار عام 2003 ثم حول نفسه إلى رئيس مطلق الصلاحيات في 28 آب عام 2014 وهو يقود تركيا بلغة ( الأنا ) الفوقية التي كان يتعامل بها سلاطين آل عثمان.وقد أقصى أقرب المقربين إليه ولفظهم لفظ النواة كنجم الدين أربكان،وعبد الله غول، وأحمد داود أوغلو. وحين هاجم الصهاينة سفينة مرمره في 31 آيارعام 2010 وقتلوا عددا من ركابها حاول الإعلام العربي المصاب بعمى الألوان وبمرض الطائفية المزمن أن يصنع منه بطلا إسطوريا متفردا ثابت الخطوات، عظيم العزمات لم يظهر قائد بمثل حنكته وسعيه لتحرير فلسطين منذ صلاح الدين الأيوبي.

وأطلقت الفضائيات العربية العنان لخيال من يتحدث فيها عن عصر أردوغان الجديد المجيد الذي أيقظ الهمم،وأدهش العرب والعجم وكأنه أصبح على مرمى حجر من تحرير القدس التي تناساها الحكام العرب بعد أن أطلق بعض الكلمات الباهتة التي لاتغني ولا تسمن من جوع ضد الصهاينة.

لكن (البطل الإسطوري) تصاغر شيئا فشيئا أمامهم ورضخ لهم في آخر المطاف. وفشلت كل مخططاته وأحلامه لابتلاع حلب وإلحاقه بلواء الإسكندرون السليب بحجة (المنطقة الآمنة ) التي عمل عليها كثيرا وخابت جميع محاولاته في إيجادها، وأعاد العلاقات مع الصهاينة حلفائه السابقين أخيرا. وتلاشت كل شروطه وكلماته البهلوانية ضدهم وذهبت مع الريح . وظل الحصار الصهيوني جاثما على غزة يسومها سوء العذاب.

وتأكيدا لعلاقاته الحميمة الجديدة مع الصهاينة صرح (بولنت أرينتش) نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية في لقائه مع إحدى القنوات الإسرائيلية وقال :

(إذا كانت إسرائيل تنوي عمل بداية جديدة، فإننا نرى أنه سيكون من الصحيح جدًا اختيار تركيا كشريك جيد لإسرائيل ) ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد صرح القائم بالأعمال التركي في تل أبيب (دوغان ايشيك ) (إن تركيا وإسرائيل دولتان شقيقتان.)!!!

لكن(السلطان الأعظم) ظل وحشا حاد الأنياب داخل تركيا تمزق أنيابه كل من يتهمه بإلحاق الأذى بتركيا ، وزجها في صراعات لامصلحة لتركيا فيها بعد أن وضع نفسه فوق الدستور والقانون . واتهم كل من يعارض سياساته بأنه عميل موتور متآمر خائن يجب اجتثاثه من الأرض التركية .

ولم يتورع عن رمي الأحزاب المعارضة لسياساته القمعية الداخلية والمعادية لدول الجوار بأبشع الكلمات التي لاتليق برئيس دولة. وهي أحزاب عريقة على الساحة التركية كحزب الشعب الديمقراطي وحزب الشعوب الكردية. وهاجم أساتذة الجامعات والمثقفين والصحفيين والقضاة الذين فضحوا مخابراته التي شاركت في تهريب مئات الأطنان من الأسلحة للإرهابيين لقتل الشعب السوري ، وزج العديد منهم في السجون،وألصق بهم تهم (الخيانة العظمى) لـ (كشفهم أسرار الدولة ) كما ادعى. وهدد باعتقال القضاة الذين كشفوا جانبا من الفساد المستشري بين أوساط حزبه وعائلته والتي تزعمها إبنه بلال.

حتى المدعي العام التركي لم يسلم من اتهاماته المستمرة،وكلماته القاسية. ومهد لسحب الحصانة من 150 نائبا في البرلمان بحجة تعاطفهم مع حزب العمال الكردستاني. وشنت جندرمته حربا دموية هستيرية على المدن التي تسكنها غالبية كردية، ودمرت بيوتهم وممتلكاتهم وهجرتهم إلى مناطق أخرى نائية. وعادى معظم دول الجوار وغير الجوار.

وتدخل في الشؤون الداخلية لسوريا والعراق بشكل سافر غير مسبوق في العلاقات الدولية.وفتح حدوده لقطعان الإرهاب الدموية لتدمر وتقتل وتحرق . وأجج نيران الفتن الطائفية، واستغل قضية اللاجئين لابتزاز دول الغرب ماليا.

ودعم داعش إقتصاديا بشرائه البترول منها،ولم تطلق قواته عليها رصاصة واحدة على داعش حين اقتربت من حدوده، واحتلت كوباني ومنبج . وحين تقدمت قوات حماية الشعب الكردي لتحريرها من الدواعش جن جنونه، واشتدت هجماته الإنتقامية على الشعب الكردي . وقد وصل إلى قمة غروره وغطرسته حينما أوعز لطائراته الحربية بإسقاط طائرة السوخوي الروسية. لكن روسيا قابلت ذلك بنشر صواريخ أس 400 في اللاذقية.واتخذت عدة إجراءات إقتصادية فعالة ضد الإقتصاد التركي للحد من غلوائه واستهتاره.

لكن أردوغان إستمر في إطلاق التصريحات والخطابات النارية وادعى أن الطائرة الروسية اعتدت على الأجواء التركية،وإنه لم ولم يعتذر لروسيا مهما كانت النتائج ولابد لبوتين أن يعتذر له . وحاول زج حلف الأطلسي بمعركة ضد روسيا لإثارة حرب عالمية ثالثة لكنه فشل في مسعاه فشلا ذريعا حين رفض قادة حلف الأطلسي الإنجرار وراء عدوانيته وعنجهيته. وحين تأكد إن الجدار الروسي جدار صلب لايمكنه إختراقه وأصيب الإقتصاد التركي بأضرار فادحة نتيجة الإجراءات الروسية وبعد أشهر من التعنت والمكابرة والخطابات الإستهلاكية المتشنجة بعث برسالة إلى الرئيس الروسي بوتين يعتذر فيها عن فعلته وكأن شيئا لم يكن.

وبعد أن احترقت كل أوراقه في سوريا توجه إلى العراق للتعويض عن فشله فعبرت قواته الحدود العراقية بما يقارب 40 كيلو مترا لإحياء الحلم الإمبراطوري القديم في إبتلاع الموصل بالتعاون مع الأخوان أسيل وأسامة النجيفي اللذين خانا الأرض والوطن ووضعا أيديهما في أيدي أردوغان العثماني المعتدي وبالتواطؤ مع مسعود البارزاني أدخل كتيبتين من الدبابات والمدرعات ووصلت الى بعشيقة على مقربة من مدينة الموصل بحجة ( محاربة الإرهاب ) دون علم وموافقة السلطات العراقية. واعتبر الرئيس معصوم إن الغزو التركي انتهاك صارخ للقانون الدولي وطالب بسحبها فورا من الأراضي العراقية لكنه سكت بعد ذلك لأسباب غير معروفة.

وحال قيام الإنقلاب وفشله قال أردوغان بعظمة لسانه:

(إن ماحدث هو هبة من السماء ) وكأنه كان يدبر أمرا ما ضد مناوئيه الذين رفضوا سياسياته التي جلبت لتركيا أفدح الأضرار. وكأن الإنقلاب الفاشل فتح شهوته للإنتقام من خصومه بأقسى وأبشع الصور التي تتنافى تماما مع المبادئ الديمقراطية . وأتحفه شيخ الضلال الإخواني يوسف القرضاوي من القاعدة الأمريكية قطر بعد ساعات من فشل الإنقلاب بفتواه الهرطقية الجديدة التي قال فيها [ إن الله وجبريل وصالح والملائكة هم معك يا أردوغان] لهذا ولغيره وجد الطاغية الطريق ممهدا لشن حربه الجديدة الشاملة على شرائح واسعة من الشعب التركي بحجة وقوفهم مع الإنقلاب.

فاعتقل أكثر من 150 جنرالا بشكل تعسفي يتناقض مع أبسط مفاهيم حقوق الإنسان بتعرضهم للضرب والإهانة من قبل أعضاء حزب العدالة والتنمية وأوقف 300 قاض عن العمل. وأغلق 1000 مدرسة ، وفصل أكثر من 6000 آلاف مدرس، وأطلق العنان لعصابات حزبه لكي يخرجوا إلى الشوارع ، ويقوموا بحملة إنكشارية ضارية لآعتقال كل مشتبه به في تأييده للإنقلاب في كل أنحاء تركيا.وقد رأى العالم على شاشات الفضائيات كيف تكالبت هذه العصابات التي أطلق عليها أردوغان تسمية ( حراس الشعب ) ثم وصفهم بأنهم ( الشعب ) وهم لايختلفون في همجيتهم عن عصابات الحرس القومي الصدامي بعد انقلاب 8 شباط الأسود في العراق في مداهمتهم للبيوت واعتدائهم بشكل مهين على جنود وجنرالات ومثقفين وقضاة وأساتذة جامعات ورؤساء بنوك وجمعيات خيرية وموظفين وصحفيين بمجرد الشبهة.

ومنع الآلاف من السفر وقد بلغ عدد المعتقلين عشرات الآلاف والحملة مستمرة والأعداد في تزايد. حتى الحرس الرئاسي لم يسلم من حملة أردوغان التطهيرية وادعى إن هؤلاء جميعهم هم (أعداء الشعب.) و( إرهابيون ) والشعب يطالب بإعدامهم. وطالب أمريكا بتسليم أستاذه القديم فتح الله غولن الذي تحول بقدرة قادر إلى أخطر من داعش حسب تصريح نائب رئيس الوزراء التركي.وكأن هذا الشيخ الذي يشارف على الثمانين يمتلك قدرات خارقة فوق طاقة البشر ويقود كل هؤلاء الرافضين لسياسات أردوغان.

فهل يصدق إنسان عاقل إن هذا العدد الهائل من الجنرالات والجنود والقضاة وأساتذة الجامعات والمعلمين ورؤساء البنوك والصحفيين والموظفين المدنيين يشتركون في إنقلاب ويفشل.؟ وإذا كانت مخابرات أردوغان قاصرة في كشف الإنقلاب قبل وقوعه فكيف كشف بهذه السرعة إن هذه الشرائح الواسعة من الشعب التركي هم ( خونة ومتآمرون وإرهابيون ) ؟وماذا بقي من هيكل النظام في تركيا.؟

ومع خضم الأحداث بدأ الإعلام العربي الطائفي كعادته يطبل ويزمر من جديد لقدرة أردوغان الخارقة. وأوغل في شن حملاته الهجومية على الإنقلابيين. ولو حدث هذا الإنقلاب في بلد كالعراق أو إيران لوصفته الجزيرة وصويحباتها بأنه فصل مجيد من فصول الربيع العربي.

إن الحرب المفتوحة التي يشنها أردوغان اليوم على هذا العدد الكبير من أبناء الشعب التركي بحجة مكافحة الإنقلاب لايمكن أن تمر مرور الكرام لأن الذين نكل بهم أردوغان لهم معارف وعوائل وأقرباء بأضعاف أعدادهم ولا يمكنهم السكوت ضد هذا الإستبداد والطغيان الأردوغاني الذي تجاوز كل الحدود.

وقد أصدرت منظمة العفو الدولية فى تقريرا مضمونه:

( إن الانتهاكات تشمل عمليات قتل لمدنيين خارج نطاق القانون وإجبار أعداد كبيرة من المدنيين على النزوح عن مناطقهم وعمليات تدمير واسعة لممتلكات المدنيين خارج نطاق القانون. وقالت المنظمة أيضا إن 338 مدنيا على الأقل لاقوا حتفهم بعدما حاصرتهم الاشتباكات.)

إن إلغاء أردوغان لمعاهدة حقوق الإنسان مع الإتحاد الأوربي وإعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد هو تمهيد لتنفيذ كل رغباته الإنتقامية ضد خصومه بما فيها عقوبة الإعدام. وهذا يتعارض تماما مع سياسة الإتحاد الأوربي التي بدأ أردوغان يهاجمها بعنف ويدعي إنه لم يعر لها أي اهتمام بعد تحذيرات وزير الخارجية الفرنسي من مغبة التمادي في العمليات الإنتقامية .وكذلك أكد المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفن زايبرت رفض بلاده لعقوبة الإعدام التي دافع عنها أردوغان وسط أنصاره وأضاف (إنه لا يمكن القبول بـمشاهد مقززة من التعسف والانتقام جرت متابعتها في الساعات الأولى ضد جنود أتراك عقب محاولة الانقلاب الفاشلة.)

أما الولايات المتحدة الامريكية فقد حذرته أيضا على لسان وزير خارجيتها جون كيري من التمادي في إجراآته القمعية وأتبعتها الأمم المتحدة لتنبه انقرة الى ضرورة احترام حقوق الانسان السياسية كحرية التعبير واجراءات المحاكمة العادلة كضرورة للحفاظ على الديمقراطية في تركيا.

وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا مورغيني، أن السلطات التركية مطالبة باحترام الحقوق الدستورية والأساسية في الرد على الانقلاب الفاشل.

وقد بات واضحا إن حصول تركيا على عضوية الإتحاد الأوربي في ظل هذا القمع المتواصل قد أصبح بعيد المنال.

وكل الدلائل تشير إن شهوة الإنتقام الأردوغانية ستبلغ أوجها مستقبلا لأن النزعة الإستبدادية متأصلة في شخص أردوغان. والأحزاب التركية المعارضة وجماهيرها لايمكن أن ترضخ لدكتاتورية دينية بحجة منع إنقلاب آخر كما يدعي أردوغان وأعوانه.

إن تركيا اليوم تحتل المرتبة 151 من اصل 180 في الترتيب العالمي الاخير لحرية الصحافة الذي تصدره منظمة مراسلون بلا حدود سنويا، وادانت منظمات حقوقية عالمية في مجال حقوق الانسان بالاضافة الى دول اوربية عديدة الخطر المحدق بحرية الصحافة وتضيق الخناق على حرية التعبير وتقييد تحركات الصحفيين واعتقالهم بالإضافة الى فرض قيود على وسائل الاعلام وحجب الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي واعتقال الاكاديميين والمثقفين المعارضين لسلطات حزب العدالة والتنمية كل هذا كان قبل الإنقلاب. أما بعد الإنقلاب فإن الأمر سيزداد سوءا على سوء كما تدل الأحداث.

وخلاصة القول إن تركيا ستشهد أحداثا خطيرة في الأشهر القادمة لاتصب في صالح أردوغان وحكومته مهما ابتكر من أساليب البطش بحق معارضيه .ولا يمكن للشعب التركي أن يقبل بدكتاتورية دينية تقام على أنقاض إنقلاب فاشل .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى