شرح قصيدة الحلاج “إِذا هَجَرتَ فَمَن لي”

إِذا هَجَرتَ فَمَن لي * وَمَن يُجَمِّلُ كُلّي

إِذا هَجَرتَ فَمَن لي * وَمَن يُجَمِّلُ كُلّي
وَمَن لِروحي وَراحي*** يا أَكثَري وَأَقَلّي
أَحَبَّكَ البَعضُ مِنّي * فقَد ذَهَبتَ بِكُلّي
يا كُلَّ كُلّي فَكُن لي * إِن لَم تَكُن لي فَمَن لي
يا كُلَّ كُلّي وَأَهلي * عِندَ اِنقِطاعي وَذُلّي
ما لي سِوى الروحِ خُذها * وَالروحُ جُهدُ المُقِلِّ

حتى لا يمل القارئ سأشرح بيتًا بيتًا لعلنا نفي بالمقصود

شرح البيت الاول : إِذا هَجَرتَ فَمَن لي * وَمَن يُجَمِّلُ كُلّي

(1) . أولا : الصدر : إِذا هَجَرتَ فَمَن لي
هجر الله للعبد هجر ثابت في القران بقوله مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى؟ . قال المفسرون : أي ما تركك منذ اختارك ولا أبغضك منذ أحبك كما في تفسير البغوي وغيره.

ونسب الفعل لله رغم ان الوحي كان جبريل وهذا عقيدة أهل السنة في خلق افعال العباد {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } قال اهل السنة : أي :الانسان وعمله لقوله تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ }.

مقالات ذات صلة

وهذا هو التوحيد الخالص الذي دعا اليه الحلاج وابن عربي بعده وهذا قول اهل السنة الاشاعرة والماتريدية كذلك الامر لأنهم يرون ان نسب الفعل للإنسان هو شرك عملي شرك بالعبادة لا شرك بالمعبود.

والمسلم مطالب بالاثنين فلا يقع به المسلم من حيث لا يدري ودليلنا قوله: { وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } أحدا لفظ منكر يفيد العموم فيدخل به شرك العدد اي ان تدعي لله شريكا آلهة أخرى أو يدعي به شرك العمل وشرك القول وشرك الاعتقاد وشرك الاستحلال القلبي لنواهي الله.الخ.
فالتوحيد الخالص أنّ تتخلى عن كل هذه الاشياء لأنها حجاب عن الله.
حتى خاطب سيدنا محمد الملك «ما جئتني حتى اشتقت إليك» فقال جبريل عليه السلام: كنت أنا إليك أشوق ولكني عبد مأمور؛ وتلا: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}.

اذن اللفظ مشروع ولو قلت تركني الله تحمل على المجاز وتركه منع انعامه ومدده على العبد … من حيث التفيق الشاد والسداد والهداية.

(2) . العجز للبيت : فمن يُجمّل كُلّي ؟
لقوله تعالى : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ
قال ابن القيم :
فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته، وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة ، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده، وموضع محبته ، وهذا الجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة (روض المحبين).

فجمال الباطن ينعكس على الخارج فان ثمة تلازم بين الجوهر والمظهر كما قرره أهل السنة.

والمقصود بقوله “كُلي” :
1. من حيث ما اشتمل عليه كل الانسان الي يجمّله الله بقيوميته التي تقف خلف كل الاسباب التي ترى الاشياء تجري وفقها مثالها : تماسك الطير في الجو سببه الحقيقي الرحمن !! رغم أنّ ميكانيكية الطيران والوقوف في الجو دونما سقوط مدوي معلوم اسبابها من حركة الجناحين لتوليد سخونة في الهواء وأسباب أّخرى.

2. والجمال الكلي هو ان يكون الله سمعك وبصرك … كما في الحديث القدسي : كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها وقدمه التي يمشي بها.

فهل الله كائن كينونة ذات !! في البصر أو السمع . لا إنما هي جنود ربك {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} فالكيف غير معقول لنا وانما هي فيوضات وتجليات الحق للمخلوقات كما تجلى الله للجبل وتجلى كلامه لموسى عند الجبل وتجلى كلامه عند سدرة المنتهى لسيدنا وحبيبنا وقرة اعيننا محمد الشفيع المشفع صاحب الوسيلة التي ندعوا بها خمس مرات بعد كل اذان.

3. والعلم فتوحات من الله يجمل به العارفين فتجد الولي يرى بنور الله يسمع بسمع الله ويمشي بقدرة الله ويكون ذلك الاداء أعلى منه عند العامة.

ومن الفتوحات الخواطر الملائكية التي ترد على قلبه فتطرد وساوس الشياطين فيتفرغ القلب الا من هوى محبوبه.
هذا هو الجمال الحقيقي

4. وجمال العقل بالفكر والتفكر وهو ركن من أركان السلوك لملك الملوك، والتفكر في الله صفاتا وافعالا لا ذاتا لأننا عقلا نجهل ذاته ونعقلها من حيث صفاتها وأحكامها فهو القادر والحي والمريد وعالم بقدرة وعلم وحياة وارادة الصفات الازلية في حضرة الأحدية التي اتصفت بها الذات منذ الازل لقول رسول الله (كان الله ولا شيء معه ~ولا غيرره ~ ولا قبله).

وزينة العقل هو القصد إلى النظر في دلائل وجوده سبحانه وتعالى، وهذا أول واجب على المكلف يفعله كما قرره أهل السنة.

لذلك حثنا رسول الله على ذلك لأنه عبادة محضة بذاته بل تقود إلى سكينة النفس في طمأنينة القلب. قال ﷺ (تفكروا في خلق الله و لا تفكروا في الله).

(3) . اما قول الحشوية انه حلولي كونه قال “هجرت” و”كُلّي” فهذا لا يستقيم صحة وإنما تخرصا بظن وأنّ الظن لا يغني عن الحق شيئا.

يقولون ذلك لقصور في افهامهم وعجز في ادراكهم لمعاني الجمال والتوحيد الخالص

فاتقوا الله وزينوا بالقِسْطاسِ المستقيم

 يتبع شرح البيت الثاني
وَمَن لِروحي وَراحي*** يا أَكثَري وَأَقَلّي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى