شــرق أوســط جديــد.. بلا ‘آل سعــود’

حال ‘آل سعود’ اليوم كحال ‘دون كيشوت’، الفارس المهووس ذو الدرع الصدئة والحمار المتهالك الذي يحارب طواحين الهواء العملاقة بسيف من ورق، ويدعي أنه بطل مغوار لا يشق له في الحرب غبار، وأنه قادر على تغيير الواقع لصناعة المستقبل بعقلية قديمة وتاريخ فاسد موغل في الغدر وخيانة الأمانة، دخل السجن بسببه، ومنه كتب روايته، والمصيبة أنه وبسبب العنجهية، كان يصدق كل كلمة يقولها عن بطولاته الوهمية بالرغم من معرفته أنها مناقضة للحقيقة وبعيدة عن الواقع..

نفــوذ فارســي أم مــد شيعــي؟..

فمثلا، قبيلة ‘آل سعود’ العميلة، التي لا تملك جيشا قويا ولا رؤية ولا استراتيجيا، تقول أنها في حرب مع قوة إقليمية عظمى اسمها إيران، وأن هدفها هو إنهاء نفوذها في المنطقة، لكن السؤال الذي لا يجدون له جوابا مقنعا لتسويقه هو: – عن أي نفوذ يتحدثون؟.. النفوذ الاستعماري “الفارسي”، أم النفوذ الإديولوجي “الشيعي”، أم هما معا؟..

لا يهم أن نعرف طبيعة النفوذ الذي يحاربه ‘أل سعود’ بالتحديد، فالأمر لا يحتاج لذكاء خارق ما داموا هم أنفسهم غير قادرين على فهمه فأحرى تبريره، ما دام ظاهر الادعاء الزائف يكشف حقيقة خلفيته الخبيثة..

* لأنه إذا كان نفوذا “فارسيا” كما يزعمون، فسيكون ذو طبيعة استعمارية، سببه الاحتلال العسكري لدول المنطقة، وهذا لا وجود له إلا في الخطاب الإعلامي السعودي الذي يفضح الواقع على الأرض زيفه.. بدليل، أن لا العراق اشتكى من احتلال إيراني، ولا سورية ادعت ذلك، ولا ثبت أن في لبنان قوات إيرانية تهيمن على قراره السيادي، ولا الشعب اليمني استغاث بآل سعود لتحريره من الاستعمار الفارسي، وأن الأمر لا يعدو أن يكون تحالفا بين مكونات إقليمية تتشارك نفس الرؤية التحررية، وتتوافق على نفس السياسات التي تصب في مصلحة شعوبها، وتلتقي حول خيار المقاومة في مواجهة عدو مشترك من منطلق عقيدة دينية وقومية ثابتة..

كما وأنه، حسب ما رسخ في الأذهان من مفاهيم، لا يكون الاحتلال احتلالا إلا إذا كان على أحد وجهين: – إما احتلال عسكري مباشر كما عرفه العالم العربي زمن الاستعمار وتحررت منه الدول القومية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.. – أو احتلال بالوكالة كما عرفه المفكر الجزائري مالك بن نبي بقوله: “خرج الاستعمار من الحقول وظل في العقول”..

وهذا بالضبط هو حال معظم الدول العربية اليوم، وعلى رأسها ‘آل سعود’ الذين هم مجرد وكلاء للاستعمار الأمريكي، يحكمون شبه الجزيرة العربية بنظام قبلي رجعي بلا دستور ولا مؤسسات ولا حرية ولا ديمقراطية ولا من يحزنون.. لا يملكون حرية القرار، ولا سيادة، ولا استقلال، ولا إرادة، بخلاف محور الممانعة والمقاومة الذي يحارب من قبل أمريكا بسبب رفضه الخضوع لهيمنتها الاستعمارية البغيضة بالوكالة.

وعليه، فإن “عاصفة الإجرام” التي أعلنتها “السعودية” ضد اليمن في هذه المرحلة الحساسة من عمر المنطقة، هي عبارة عن حرب إبادة بلا رحمة انتقاما من شعب مظلوم وفقير إلا من كرامته، وحرب تدمير لبنيته التحتية الأساسية على هشاشتها، ظنا منها أنها ستعوض في اليمن ما خسرته في سورية والعراق ولبنان..

وهذا هو عين الاستعمار البغيض، وهو للأسف استعمار من قبل بلد يدعي نظامه العروبة والإسلام لبلد عربي مسلم عضو في المنتظم الدولي، تسعى من خلاله مملكة الشر والإرهاب إلى إخضاعه بالقهر ليظل بمثابة حديقتها الخلفية الضعيفة، لا لسبب وجيه سوى أن الداعشي ‘عبد العزيز’ المؤسس لمهلكتهم قال لهم حين أستثب له الأمر وأنهى احتلاله لشبه الجزيرة العربية، أن “عزهم في ذل اليمنيين” فصدقوه من غبائهم.

* أما إذا كان الأمر يتعلق بالنفوذ الشيعي، فظاهر الخطاب هنا يوحي بصراع ذو طابع ديني بامتياز.. لكن، ما ذنب إيران المسلمة في ذلك؟.. خصوصا إذا كانت شواهد التاريخ والجغرافيا تقول أنها لم تنشر التشيع في أي دولة من دول المنطقة بالمطلق، ومن له دليل يثبت عكس هذا الكلام فليقدمه للناس ليستفيدوا منه؟..

بل العكس هو الذي حصل، بدليل، أن إيران هي من اعتنقت المذهب الشيعي متأثرة بالمرجعيات الدينية في العراق، كما أن شيعة سورية ولبنان كانوا يمارسون عقيدتهم الدينية قبل الثورة الإيرانية بسنوات ضوئية، في حين أن شيعة “السعودية” والبحرين والكويت والإمارات، اعتنقوا المذهب الشيعي قبل أن يدخل الإسلام إلى بلاد فارس، ناهيك عن أن الزيديين في اليمن ليسوا على المذهب الجعفري، بل هم أقرب إلى السنة الأحناف منه إلى المذهب الإثني عشري.

وبالتالي، يفهم مما سلف، أن جوهر الصراع كما تتبناه إيران، له علاقة بتثوير الشعوب للتحرر من الهيمنة الخارجية التي لا يمكن أن تنتهي إلا من خلال إسقاط الأنظمة الخائنة لربها ودينها وشعبها وأمتها، والتي تستعبد شعوبها المستضعفة بالظلم والاستبداد لتأبيد فسادها وعمالتها لأسيادها في أمريكا وتل أبيب..

فهل هذا مناقض للقيم الدينية ومبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها كونيا؟.. أليست “السعودية” الرجعية نفسها تقول، أنها تحارب الديكتاتورية وتريد نشر الديمقراطية في سورية والعراق؟..

لمــاذا تعتبــر إيـــران عــدوا خطيــرا؟..

من هنا يتبين بوضوح، أن “السعودية” مثل دون ‘كيشوت’ تماما، تحارب عــدوا وهميا لا وجود له إلا في هواجس الصهاينة، وأن أصل العداء صنع في أمريكا وطلب من مملكة الشر مواجهته نيابة عن “إسرائيل”، فكان عليها أن تختلق مبررات دينية لشرعنة عدوانها حتى يصدقها الأغبياء من الناس، عساها تجندهم كوقود لجحيم حربها ضد المسلمين الشيعة في المنطقة، لا لسبب سوى أن هذه الطائفة المؤمنة حسمت خيارها وقررت مواجهة الظلم ومقاومة الاستعمار الظاهر منه والباطن سواء، وحيث أن “السعودية” لم تجد في القرآن والسنة الصحيحة ما يبرر عدوانها من الناحية الشرعية، فقد لجأت لتراث التكفير الذي ابتدعه سلف غير صالح خدمة لأهداف سياسية.

والسبب الحقيقي من وراء توريط ‘آل سعود’ في حرب خاسرة ضد إيران وحلفائها في المنطقة، هو أن أمريكا لا يمكنها مواجهة عدو مسلم إلا إذا كان منفردا ومنبوذا من القطيع، كما كان حال العراق زمن صدام أو ليبيا زمن القذافي..

لكن، وبحكم أن إيران تمتلك خيارات غير قابلة للكسر، لأنها تستند إلى تحالفات مع حكومات وشعوب لها تاريخ عريق وعزة وكرامة ونفس مقاوم وعقيدة جهادية راسخة، فإن رقعة المواجهة معها في هذه الحالة تتطلب حربا إقليمية على امتداد جغرافية المنطقة، وتحتاج لقوة جبارة قادرة على الوقوف في وجهها، وهذه مغامرة انتحارية ترفض خوضها الولايات المتحدة بالحسابات العقلية والمنطقية، لأن عقيدتها اليهودية – المسيحية، تجعل منها في حال خوضها مغامرة من هذا النوع والحجم، عدوا للأمة العربية والإسلامية جمعاء، الأمر الذي كانت تتجنبه في الماضي حتى لا تحول الصراع إلى صدام حضارات وحرب صليبية، فكانت تركز على نشر الحرية والديمقراطية لتخرب الدول العربية الواحدة تلو الأخرى..

لكن المشكلة مع إيران تختلف جملة وتفصيلا عن المقاربة المذكورة، لأن إيران دولة ديمقراطية بعقيدة دينية ومبادئ أخلاقية إنسانية، دولة قوية بمؤسساتها وشعبها العالم الموحد وراء قيادته الروحية، كما وأنها دولة جد متقدمة بلغت في مراتب العلم والتكنولوجيا الدرجات العلا، ولها حلفاء متجانسين ومتضامنين في المنطقة برؤية مستقبلية تشكل خطور جسيمة على أمريكا و”إسرائيل”..

هذه الرؤية تقول بضرورة إحياء “الوحدة الإسلامية” بين مختلف مكونات الأمة لمواجهة المخاطر والتحديات ودخول عصر ما بعد الحداثة ككتلة قوية فاعلة في الحضارة.. وهذا معناه، نهاية الهيمنة الأمريكية على دول وشعوب المنطقة، ونهاية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين السليبة، ونهاية احتلال الأوطان وقهر الشعوب بالوكالة من قبل أنظمة رجعية عميلة وفاسدة..

وإذا عرفنا أن خصوم أمريكا الحقيقيين في العالم العربي والإسلامي، وفق ما أكدته دراسة أجرتها مؤسسة ‘راند’ الأمريكية سنة 2008 برعاية مركز تكامل قدرات الجيش التابع لقيادة التدريب والعقيدة العسكرية في الجيش الأمريكي، الذي رصد خيارات أمريكا لملاحقة ما وصفه التقرير بـ”الخصوم الخطيرين” على أمريكا والغرب، وعرفهم بأنهم هم من يسعون لإقامة “عالم إسلامي موحد ليحل مكان الهيمنة الغربية”.. نفهم لماذا تعتبر إيران التي تحمل إديولوجيا ثورية وتعمل على إحياء الأمة الإسلامية عدوا خطيرا بالنسبة لأمريكا و”إسرائيل” والغرب الأطلسي عموما.

ومن هنا نفهم أيضا، سبب اختيار الإدارة الأمريكية لشن حروب بالوكالة على إيران ومحورها من خلال سلاح الإرهاب، لتكون المواجهة بين أبناء نفس الحضارة الإسلامية، لتشويهها، وتحويل الجهاد إلى إرهاب، وتنفير الناس من قيمهم الصحيحة السمحة الجميلة، كي لا تقوم لهم قيامة، فيعود الإسلام غريبا كما بدأ غريبا..

وهذا هو سر استثمار أمريكا في الإسلام السياسي الإخواني، وفي خلافة “داعش”، اعتقادا منها أنه وبسبب ممارسات هذه التنظيمات الوحشية، سينتهي الأمر بالناس إلى النفور من أي دعوة للوحدة في إطار الأمة الإسلامية.. أي أنهم يريدون إطفاء نور الله، والله متم لنوره ولو كره الكافرون..

هذه هي الحقيقة الواضحة وضوح الشمس لكل ذي عقل وبصيرة، وحيث أن “السعودية” لا تستطيع ستر هذه الحقيقة، فتراها تصر على الكذب والتضليل والتزوير والتحوير، لأنها مجرد عميل وضيع يخدم أمريكا، وقبلها خدمت بريطانيا، وتحالفت مع “إسرائيل”، وتعهدت بضرب العروبة والإسلام من القاعدة وليس من قمة الهرم كما فعل أتاتورك، وفق ما صرح به العاهر فهد بن عبد العزيز للصحافة الأمريكية كما أوضحنا في مقالتنا السابقة..

لكن مشكلة “السعودية”، وإن نجحت من قبل في إسقاط جسد العروبة في مصر زمن ناصر، إلا أنها فشلت خلال الأربع سنوات الماضية في ضرب قلبها النابض في دمشق، وفشلت في إسقاط العراق، وإنهاء المقاومة في لبنان، ومن ثم عزل إيران عن عمقها العربي، وتشويه الإسلام بالإرهاب..

بعد سنة من الآن، ستحل ذكرى ‘سايكس وبيكو’، التي يفترض أن تدشن عهدا جديدا لشرق أوسط كبير بخرائط جديدة تقوم على الخرائط القديمة، ودور “السعودية”، بل وبقائها من عدمه سيدة للعرب وزعيمة للمسلمين يتطلب منها تفجير الخرائط القائمة، وتحقيق انتصار حاسم على إيران لإنهاء نفوذها في العالم العربي، وإزالة الخطر الذي تمثله سورية وحزب الله والمقاومة الفلسطينية على “إسرائيل”..

وحيث أن “السعودية” ليست قوة إقليمية عظمى، بل مجرد قبيلة تملك الكثير من المال وتحتل الحرمين الشريفين، فإن المدخل الوحيد الممكن لتحقيق نصر حاسم ضد النفوذ الإيراني “الشيعي”، يمر من بوابة الحرب الدينية “السنية – الشيعية” التي ستضمن لها -وفق ما تتوهم – تجييش الأكثرية السنية ضد الأقلية الشيعية في العالم العربي والإسلامي، حتى لو أدى الأمر إلى حرب إقليمية طاحنة، لكن فشلها في تسويق هذه الأطروحة الغبية من جهة، وفشلها في استئجار جيوش عربية ومسلمة ليكون التفجير من اليمن ثم يمتد لسورية فالعراق ولبنان، أدخلها في أزمة سياسية وأخلاقية وأمنية وعسكرية خطيرة، ستكون تداعياتها عليها كارثية..

هذه الوصفة، هي التي تحدثنا عنها مع انطلاق العدوان على سورية قبل سنوات، وقلنا أننا أمام حرب جديدة بمنطق قديم، عنوانها “إسلام ضد الإسلام” أو ما اصطلح على تسميته في الأدب السياسي البريطاني بـ”الضد النوعي”، وهي ترجمة حرفية لمبدأ ‘مكيافيلي’ في كتاب “الأمير” الذي يقول: “إذا أردت أن تسود، فلا بد أن تفرق”. وبالتالي، فلا سبيل لإفشال مشروع وحدة المسلمين إلا بالاستثمار في خطوط الصدع من مدخل الطائفية البغيضة.

وهذا ما يفسر أن البنتاغون والمخابرات الأمريكية، وعلى ضوء دراسات عديدة، أوصوا إدارة أوباما بضرورة تقديم الدعم الأمريكي لـ”الإرهابيين”، والتركيز على ضرورة تعبئة الروح “الجهادية” لديهم بدل “القومية الوطنية”، على أن يكون هذا الدعم سريا بشكل رئيسي، من خلال مخابرات الدول الحليفة في المنطقة، وأن تتحول “داعش” بعد قيام الخلافة إلى ماركة مسجلة مثيرة وجاذبة لا تقاوم في العالم العربي والإسلامي، تماما كما كان الحال مع “القاعدة” زمن بن لادن في أفغانستان، ما يضمن التحاق أكبر عدد ممكن من “الجهاديين” للمحاربة في صفوفها، وهذا هو السبيل الوحيد لإسقاط مشروع “الأمة الإسلامية” التي تعمل عليه إيران في المنطقة..

من وجهة نظر أمريكا، وبناء على تجارب قديمة مستوحاة من التاريخ المسيحي والإسلامي، أن الحرب الدينية تؤدي دائما إلى استنزاف الخصوم وإضعافهم، وهذه النظرية التي أسست عليها أمريكا استراتيجيتها في منطقتنا، تتطلب منها أن لا تنحاز بالكامل إلى طرف على حساب آخر، وإذا أبدت تعاطفا مع جهة في العلن تحاول أن تسوق للعكس من الجهة الأخرى في السر، لتبقي الخيوط مع كافة الأطراف حتى لا تغمر بمصالحها في حال راهنت على طرف وخرج خاسرا من المواجهة.

وفي ذات الوقت، تعمل على إقامة توازنات دقيقة حتى لا يستفرد أي طرف بالنفوذ من دون منافس، وبهذا المعنى، فهي تعلم اليوم أن “السعودية” حمار خاسر لا يمكن الرهان عليه لتحقيق توازن مع إيران، خصوصا بعد أن رفضت باكستان وتركيا ومصر الانخراط في لعبة الحرب المذهبية التي حاولت أمريكا إشعالها بشكل أكثر حدة انطلاقا من اليمن، بعد أن لم تنجح في ذلك بالإرهاب..

وفي هذا الصدد، أشار الدكتور ‘كريستوفر ديفيدسون’ من جامعة دورهام، مؤلف كتاب “بعد الشيوخ.. الانهيار القادم لممالك الخليج”، وفق ما نقلت عنه “شؤون خليجية”، فإن الولايات المتحدة لعبت دورًا تحريضيًا في أزمة اليمن الحالية، ويمكن أن تكون جزءًا من استراتيجية سرية أوسع لـ”تحفيز تفتيت حلفاء إيران، وإتاحة الفرصة لإسرائيل كي تكون محاطة بدول ضعيفة”. وهذا ما أشرنا إليه في أكثر من مقالة، وأصبح معروفا لجميع المحللين الموضوعيين.

ويقول ‘ديفيدسون’ بالمناسبة، أن سياسة أوباما في هذا الشأن تستند إلى وجود سابقة لمثل هذه المقاربة، تتمثل في “إشارات متكررة خلال عهد ‘ريجان’ لفائدة الصراع الطائفي في المنطقة لمصالح الولايات المتحدة”.

وقد تكررت هذه الرؤية بعد ريجان مراتٍ، أحدها في التقرير الذي نشره معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة في القدس عام 1996 بعنوان “انقطاع نظيف”، وأعدها ‘دوجلاس فيث’ و’ديفيد وورمسر’ و’ريتشارد بيرل’، وثلاثتهم ذهبوا للانضمام إلى إدارة بوش في سياساته العدوانية التي كانت تقول بضرورة تغيير النظام في العراق تمهيدًا لإقامة محور إسرائيلي- أردني- تركي بإمكانه “دحر” سوريا ولبنان وإيران.

هذا السيناريو يشبه لدرجة مدهشة سياسة الولايات المتحدة اليوم في عهد أوباما، لكنه فشل فشلا ذريعا، وبالتالي، لم يعد لـ’أوباما’ ما يكفي من الوقت لتجريب خيارات أو سيناريوهات جديدة، لذلك، فالمرحلة مقبلة على تغيرات كبيرة،وأمريكا ستكتفي برسم خطوط مصالحها الحمراء وتنسحب للترك الميدان للقوى المتصارعة تضع المعادلات الإقليمية الجديدة على الأرض.

عنــوان المرحلـــة المقبلـــة

أما الذين يتساءلون عن الإستراتيجية الإيرانية بالنسبة للمرحلة المقبلة، انطلاقا من بعض المخاوف التي يعبر عنها الجمهور الداعم محور المقاومة، خصوصا بعد الذي حدث في اليمن واستطرادا في سورية، والتحرش الإسرائيلي الأخير بسورية وحزب الله.. فكل ما يمكن قوله في هذا الصدد هو الآتي:

* إيران لم تنكفئ، ولم تتراجع، ولم تغير سياستها ولم تتخلى عن عقيدتها ولم ولن تتنازل عن خطوطها الحمراء بالنسبة لحلفائها، لا هي ولا روسيا بالنسبة لسورية، لذلك ما يحدث اليوم في إدلب وجسر الشغور وغيره من هجوم مفاجئ يعتبر امتدادا لـ”عاصفة الإجرام” اليمنية على الأرض السورية بتحالف سعودي – تركي – قطري، سبق وأن حدث ما هو أخطر منه من قبل، ولم يغير من المعادلات على الأرض شيئا، ومصيره الفشل الأكيد..

* المنطقة تمر اليوم بمرحلة خطيرة وبالغة الحساسية، وعنوانها سبق لسماحة السيد وأن أشار إليه في إطلالته الأخيرة تحت مسمى “الصبر الإستراتيجي”، لأنه ليس في مصلحة أنصار الله في اليمن الرد على العدوان السعودي حتى لا يعطوا مبررا لباكستان ومصر وتركيا للتدخل عسكريا لدعم “السعودية”، وفي نفس الوقت يضعون “آل سعود” في موضع الاتهام والتنديد والاحتقار من حكومات وشعوب العالم، وقد أثبتوا للجميع أنهم ليسوا معتدين كما تدعي المملكة، ما من شأنه أن يسرع بوقف العدوان، وها هو جون كيري يقول اليوم من نيويورك، أن الحل في اليمن سياسي، ويجب أن يكون بين اليمنيين لا من الخارج، خصوصا بعد أن فضح جمال بن عمر في مجلس الأمن “السعودية” واتهمها بأنها هي من أفشلت الحوار وكانت تحضر للعدوان، وأن أنصار الله وبقية المكونات اليمنية كانوا على وشك الوصول لاتفاق سياسي نهائي، وقبلوا بالانسحاب من مؤسسات الدولة بإشراف الأمم المتحدة.

* هناك حديث عن أن إيران وسورية والعراق بعد اجتماع طهران الأخير، يحضرون لاستراتيجية جديدة ستقلب وجه المنطقة، وهناك قوى عسكرية منظمة وشعبية مدربة ومجهزة ستنزل الميدان في سورية والعراق لمواجهة الإرهاب.

* إيران تنتظر التوقيع النهائي على الاتفاق النووي، ويفترض أن لا تصعد في مرحلة الشهرين المقبلين حتى لا تظهر بمظهر الذي يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وبالتالي، فالمرحلة هي مرحلة إدارة الأزمات والصبر الإستراتيجي والصمود ومواجهة التحديات بالحد الأدنى.

* بعد التوقيع على الاتفاق، سيكون أمام إيران وحلفائها سنة قبل ذكرى ‘سايكس وبيكو’ لتغيير المعادلات على الأرض وتفجير الخرائط في الخليج، وهناك قرار حاسم ونهائي اتخذ من قبل محور المقاومة يقضي بتثوير شعوب الخليج وخصوصا السعودية والبحرين، ما سيسمح لـ’أوباما’ بتطبيق إصلاحاته الديموقراطية التي تحدث عنها، وقال أن الخطر بالنسبة لدول الخليج هو داخلي وليس من إيران.

حينها، ستنعم المنطقة بالأمن والسلام، وينتهي زمن الظلم والفساد وعصر الإرهاب، ليبدأ عصر الشعوب ومشاريع التشبيك والعمار والتنمية على مستوى المنطقة..

فصبرا، إن الله مع الصابرين.

أحمد الشرقاوي | بانوراما الشرق الأوسط

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى