شمشون الجبــار!

تحت عنوان شمشون الجبــار!، كتب المحامي وهيب ططر في “سفير الشمال”: ..″الفلستيُّون″، هـم شعب عـاش في الساحل الجنوبي من بلاد كنعان، بين غزة من الجنوب ويافا من الشمال في القرن الـ 12 قبل الميلاد، وأطلق اسمهم على هذه المنطقة حيث عرفت باسم ″پلشت″ (بالعبرية) أو ″پالاستو″ (بالأكدية). وشمشون يجمــع بين ″شخصية محل جدل″ وبيـن ″فلسفة حياة″ بالنسبة إلى أناس أكثر عددًا من أولئك الذين يتجادلون حول ماهيته وقصته.

في القـرن الحـادي عشر قبـل الميلاد، عنـدمـا افتعــل حربه الملعونـة ضـد شعـب ″الفلستيُّون″، كـان لـ ″شمشون الجبار″ خطـابـات مفادهـا وعنوانهــا ″لو كنت أعلــم″ لمـا أقـدمت عليهـا، هــذا لعلمـه وإدراكه بأن الحرب سوف تدمـر بلاده عـن بكرة أبيهـا بالنظـر إلى عدم تناسب موازيـن القوى بينه وبين جيش عدوه، وقد عاش مع شعبــه الحـرب كالكابـوس وظـنوا أنهــا ستطــول، إلا أنهــا انتهـت بطرفـة عيـن وانقلـب عنـوان خطـابه فجــأة مـن “لو كنـــت أعلم” إلى”النصـر الالهي” الذي جـاءه من عنـد الله.

شعر “شمشون” الجبــّــار أنه انتصر!!!! و”الفلستيُّون” بدهـائهـم المعـروف رفعوا لديـه منسوب هـذا الشعور عبــر تصريحـاتهم ومواقفهم في تأييـد وتأكيـد قنـاعتــه بالفوز الالهي، فأصيـب القـائـد بــداء النشوة التي تقتـل صـاحبهـا، استدرجه أعداؤه كالفريسـة السائغـة عندمـا تظـاهروا بأنهم أقل دهاء منـه، وجعلــوه يشعــر أنه ليس قــويّا وذكيًا فحسب بل أنه يتفوق عليهـم ذكاءً. فعـاش الحالة، واقتنع بهــا ولم يشــكّ أو يتوقع أبدًا ما دبـّـروه له في الخفاء.

عاش الجميــع منـذ انتهـاء الحرب البائسة، في حالات مـن الهوس حيث التحمت الأنـا الخاصة بقـائـدهـم بالأنا المثالية التي لا تعـرف إلّا الانتصار، فانبـرى الشعب برشّ القـائـد بأجـود أنواع عطـور التبجيل الذي لامس حــدّ العبـادة. فحكم البلاد شخص مكبّل بفـائق من الشعـور بالنشوة النرجسية وفـائـض مـن القوة وجنون العظمة والقدرة الكلية، فكـانت لــه هيبــة كليـّـة لـم يكن أحدا ليصدق يومـا أنهــا ستنهـار وتتدحـرج نزولا….

راح يصنع لنفسـه هوية جديدة تزيده سطوة، وظــنّ أن بإمكانه أن يصنــع لنفســه كيانًا جديدًا بابتكار تلك الهوية التي تجذب إليه إعجاب الناس واهتمامهم، فيتركوا هويتهم وينضموا إلى ما اخترعــه لنفســه. حرص على أن لا يجعل جمهوره يملّ منه، تلاعــب وتحكّم بصورته لدى الآخرين إلى درجـة لم يترك لأحـد أن يحدد لـنفســه تصورا عن نفسه. استخدم الأساليب المسرحية في الحديث، كـل ذلـك لتوطيد سطوته ظنــا منــه أن الناس سيضعونــه في مقــام أقرب للأساطير إلى الأبــد.

استفاد من جهود الآخرين واستخدم حكمتهــم ومعارفهم وسعيهم لتحقيق مأربــه، وسرعان ما أرسـل عسكـره إلى البلدان المجـاورة معلنـاً الحـرب على جمهوريات الكوكب الأرضي متناسيا من ساعدوه، وظــن أنــه سيبقى وحده في الذاكرة، فأخــذ مـن شعبه أسيـرا لـه ولنزواتــه وانتهـج القـاعـدة النرجسية: “لا تفعل بنفسك ما يمكن أن يفعله لك الآخرون”. أمعــن في استدراج الآخرين مــن أبنــاء شعبــه إلى صـوبــه ليفعل ما يريد، وكـانت لـه السيطرة عليهم، كـان فنّـانـا بإيهام خصومه واستمالتهــم إليه أملاً منهــم بالمكاسب، فكانوا مـن حيث لا يدروا أوراق اللعبة في يده فهــو من يفــرض عليهم شروطه.

الا أن القـائـد نسي أو سقط عنـه سهوا أن السمعة هـي عماد السطوة، وأنــه كان عليــه أن يدافع عنها باستماتة، فمنــذ أن أصبــح حـامي حمــى مجمــوعــة من الفاسديــن أطلقــت العنــان لآلــة فســاد تعمــل 24/24، لتحصيــل المكاسب على حســاب جـوع الشعب، هنــاك سقطت سمعتــه، تلك الأداة الوحيـدة التي كـان بإمكانها أن ترهب وتنتصر، وكان سقوطها مـن شأنــه أن يعــرّضــه للهجوم والضربات من كل جانب.

أراد أم رفض، فشعور الفائض بالقوة الذي ترســّـم في أعمـاق نفسه وحماسه الزائد في إثبات نفسه، كانا السبب في فشله، إذ أن “شمشون” سيقبض على العمودين اللذين يقــوم عليهما بنـاء وطنــه، الواحد بيمينه والآخر بيساره، وسيقـول «عليّ وعلى أعدائي»، أي «سأهدم كل شيء، ولتحل المصيبة بي وبشعبي وبأعدائي»، لتمت نفسي مع نفس الشعب الأسيـر، ففي النهــايــة سينحني “شمشون” بقوة فيسقط البيت على كل الشعب، فيكـون عــدد الموتى الذين أماتهم في موته أكثر من الذين أماتهم في حياتـــه.

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى