«صدى القصير» يتردد في حلب: الجيش يستطلع والمسلحون يحشدون

علاء حلبي

لم تكد معركة القصير في ريف حمص، التي بسط الجيش السوري سيطرته عليها بعد معارك «ضارية»، تنتهي، حتى توجهت الأنظار إلى حلب، عاصمة سوريا الاقتصادية التي دمّرتها الحرب، وقطعت أوصالها، وحوّلتها إلى «حلبيْن»، يفصل بينهما نهر قويق المحاط بقناصة، ومعبر واحد في منطقة بستان القصر، يغلق أبوابه مع حلول الظلام.

«صدى القصير» اسم اختاره مسلحو المعارضة لمعاركهم المتوقعة في حلب، في محاولة «للثأر» من الهزيمة التي تلقوها في القصير، بالتزامن مع تواتر الأنباء عن حشد الجيش قوات «نخبة» في محيط حلب، استعداداً لعملية «ستكرر «سيناريو القصير». «سيناريو» لم يطل انتظاره. «المسلحون بدأوا يفرون من أمامنا، تماماً كما حصل في القصير»، يقول مصدر ميداني يقاتل في صفوف الجيش السوري، المدعوم بوحدات من «كتائب البعث»، وهم أعضاء في «حزب البعث» تسلحوا خلال الأحداث وخاضوا معارك عدة في حلب، إضافة إلى «قوات الدفاع الشعبي»، التي تأسست مؤخراً من مقاتلين محليين، هدفهم العمل على حماية مدنهم وقراهم. ويضيف: «لم تبدأ العملية العسكرية بعد، إلا أن ما حصل في القصير كان تأثيره كبيراً على المسلحين على ما يبدو».

وبدأت وحدات الجيش خلال الأيام القليلة الماضية بتنفيذ عمليات عدة، وصفها المصدر بأنها «استطلاعية»، على المحور الغربي – الشمالي لمدينة حلب، حيث تقدمت الوحدات المدعومة بعناصر من «كتائب البعث» و«قوات الدفاع الشعبي» باتجاه قريتي عندان وحريتان الإستراتيجيتين، سالكة طرقاً عدة عبر الليرمون – ضاحية عبد ربو ـ حريتان، والراشدين باتجاه معارة الارتيق – كفر حمرا، والمنصورة كفر داعل – بابيص، وهي خطوة أولى تهدف للوصول إلى قريتي نبل والزهراء المحاصرتين من قبل مسلحي المعارضة، وصولاً إلى مطار «منغ» العسكري.

وتمكن الجيش خلال هذه العمليات من بسط سيطرته على تلال ومراكز مطلة على حريتان وعندان، وهي نقاط وصفها المصدر بأنها «مهمة نظراً للمعارك المقبلة»، حيث تمركزت القوات قرب منطقة «قبر الانكليز»، ويقابلهم على بعد نحو كيلومتر واحد فقط حاجز للمسلحين. كما تقوم وحدات من «قوات الدفاع الشعبي» في قريتي نبل والزهراء بعمليات يومية تستهدف مراكز لمسلحي المعارضة في القرى القريبة، آخرها عملية استهدفت حاجزاً للمسلحين في قرية ماير، تم في نهايتها رفع العلم السوري على أطراف البلدة التي يسيطر عليها المسلحون.

وبالتزامن مع بدء العمليات على المحور الشمالي لمدينة حلب، شهدت قرى عندان – حريتان – كفر حمرا عمليات نزوح كبيرة باتجاه المناطق الريفية شمالاً وصولاً إلى تركيا، وهو ما رأى المصدر أنه «تأكيد على أن صدى القصير بدأ قبل أن تبدأ العملية العسكرية الحقيقية»، مشيراً إلى أن «من بقي من مسلحي عندان وحريتان يتوسطون في الوقت الحالي لإيجاد آلية تجنبهم الحرب، عن طريق إلقاء سلاحهم وتسليم أنفسهم». ويضيف: «ما يعمل عليه الوسطاء في الوقت الحالي هو الحصول على تعهدات منا تجنب هؤلاء المسلحين الموت»، مشدداً على أن رسالة الدولة واضحة: «كل من يلقي سلاحه سيسوى وضعه وفق الأصول القانونية. الدولة لا تنتقم. هذا ما عليهم أن يفهموه».

وفي مقابل حركة نزوح العائلات والمسلحين المحليين، يحشد مسلحون، معظمهم ينتمون إلى جماعات متشددة، قواهم قرب معارة الأرتيق. وتقول المعلومات الواردة من هناك إن مئات المسلحين يستعدون لبدء المعارك، بالتزامن مع وصول سيارات تحمل أسلحة، تقول المصادر إنها قادمة من تركيا، فيما قام مسلحون آخرون بتفخيخ الطريق المؤدية إلى حريتان، قرب مفرق آسيا بعبوات داخل صخور منحوتة، في عملية استباقية تهدف إلى «إعاقة تقدم وحدات الجيش إلى الريف الشمالي»، حسبما أكد مصدر على صلة بالمسلحين.

ويرفض المصدر الميداني الذي يقاتل في صفوف الجيش السوري، الخوض في تفاصيل العملية العسكرية في حلب، إلا أنه يشير إلى أن إستراتيجية الجيش واضحة: أن تحارب مسلحين ظهرهم مفتوح على طرق إمداد دائمة هو أمر لا طائل منه. في دمشق بدأت العمليات في الريف لقطع طرق الإمداد عن المسلحين الموجودين على أطراف المدينة، ما وضعهم بين فكي كماشة، يسهل التعامل معهم في ما بعد، وهو ما حصل في حمص أيضاً.

وتمكن الجيش من تأمين طرق إمداد لقواته بعد تأمين طريق المطار، إضافة إلى طريق يصل بين ريف حماه ومدينة السفيرة، التي تحوي منشآت عسكرية «حساسة»، في الوقت الذي يخوض فيه عناصر حماية مطار «منغ» العسكري معارك عنيفة، بانتظار فتح الطريق المؤدية إليه لتأمين طريق إمداد.

وكان المطار، الذي تحاصره جماعة متشددة يقودها مقاتل شيشاني يدعى أبو عمر، قد شهد معارك عنيفة خلال اليومين السابقين، إثر هجوم شنه مسلحون متشددون من محورين، شرقي من جهة الرحبة، وجنوبي غربي من جهة مساكن الضباط، انتهت بانسحاب المسلحين بعد مقتل قائد الهجوم أبو طلحة العراقي، الذي استهدفته قذيفة طائرة حربية كانت تؤازر عناصر حماية المطار، وقتلت معه نحو 20 مسلحاً من مجموعته. وذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا) انه تم «إحباط عدة محاولات لإرهابيي جبهة النصرة للاعتداء على سجن حلب المركزي ومطار منغ في الريف».

شمالاً وعلى الحدود مع تركيا، فتح مسلحو المعارضة «جبهة» أخرى ضدهم، قد تضعهم بين فكي «كماشة» من دون الحاجة لعملية عسكرية في عمق الريف الشمالي، حيث تقوم جماعات معارضة معظمها «متشددة» بفرض حصار على منطقة عفرين ذات الغالبية الكردية منذ 25 أيار الماضي، إثر اتهامات وجهت للأكراد بإيصال مساعدات غذائية إلى قريتي نبّل والزهراء المحاصرتين من قبل المعارضة، نتج منها معارك جانبية بين مسلحي المعارضة وآخرين أكراد ينتمون إلى «حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي».

وقال ناشط كردي، فضل عدم الكشف عن اسمه، إن حالة حنق شديدة تسود منطقة عفرين، التي تضم أكثر من 350 قرية، ذات غالبية كردية، نتيجة الحصار الذي يفرضه المسلحون على المنطقة، مشيراً إلى أن مسلحي «حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي»، الذين يعلنون وقوفهم على الحياد في هذه الحرب والتزام حماية مناطقهم، لم يتصرفوا حتى الآن بردة فعل ضد مسلحي المعارضة، إلا أن هذه الحالة لن تدوم طويلاً، خصوصاً في ظل النقص الحاد في الغذاء والدواء، واستحالة تأمينه عن طريق تركيا التي لا يوجد أي معبر يصل عفرين بها.

واتهمت «هيئة التنسيق الوطنية» المعارضة، القوات التركية بالمشاركة في هجوم على منطقة عفرين الكردية قرب حلب. وقال المتحدث باسم الهيئة منذر خدام إن «عضو المكتب التنفيذي للهيئة محمد سعيد يوسف من عفرين اتصل به ليعلمه بأن القوات التركية مدعومة بالدبابات شاركت ليل أمس (الأول) في الهجوم على المنطقة»، مشيراً إلى أنها «ووجهت بمقاومة من قبل الأهالي، ما اضطرها للانسحاب».

وعلى الرغم من الاهتمام الواضح للجيش بالتقدم في الريف، إلا أن وحدات عسكرية تتابع عملها داخل المدينة، التي ظلت لفترة طويلة تعيش حالة «ستاتيكو» وسط اقتناع كل طرف بما يسيطر عليه من المدينة المقسمة إلى قسمين، غربي إلى الوسط تحت سلطة الدولة، وشرقي شمالي ممتد إلى الريف خاضع لسيطرة المعارضة المسلحة. ويشرح المصدر الميداني أن «الاهتمام داخل مدينة حلب منصب على المدينة القديمة الأثرية، التي يسيطر المسلحون على الجزء الشرقي منها»، مشيراً إلى أن «العمل جاد لاسترجاعها بأقل أضرار ممكنة، وهو ما يجعل التقدم فيها بطيئا».

وذكر «المرصد السوري لحقوق الانسان»، في بيانات، ان «معارك ضارية اندلعت في حي الصاخور في حلب»، مضيفاً ان «القوات السورية قصفت حي الصاخور، ما أدى الى مقتل شخصين على الاقل».

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى