صراع الأجندات شرق سوريا.. عين عيسى نموذجًا

تتمتع عين عيسى بأهمية استراتيجية بسبب قربها من الطريق الدولي M4، وتربط محافظات الحسكة والرقة ودير الزور شرقاً بمدينة حلب شمالاً

صراع الأجندات شرق سوريا.. عين عيسى نموذجًا
أمجد إسماعيل الآغا

جُملة من السيناريوهات تتقاطع حول مصير شرق الفرات؛ إذ تشي كافة المعطيات بما لها وعليها من أجندات وتحديات، بعدم تراجع ورقة الخيار العسكري لصالح تفاهمات سياسية بين فرقاء النزاع. وعطفاً على ما سبق، فإن مُجريات الوقائع تؤكد بأنَّ جميع الأطراف إنما يعدون العدة استعداداً للسيناريو الأسوأ في منطقة عين عيسى، خاصة أنَّ ترابط الوقائع الجغرافية شرق سوريا، والتحديات السياسية المستجدة والمرتبطة بأبعاد عسكرية، كل ذلك يؤكد أنَّ أطراف الصراع مُتحفزة للبدء بجولة قتال قد تفتح ببدئها عناوين سياسية جديدة، مع انسداد أفق الحلول التي تُرضي دمشق وموسكو وأنقرة، وكذا قوات سورية الديمقراطية، التي لا تزال تقاوم الضغوط وتسبح عكس التيار، مُتجاهلة بذلك توصيات العديد من الساسة الأمريكيين حين نوهوا إلى أنَّ صداقة الولايات المتحدة والمراهنة على استمرار دعمها، يعني الموت المُحقق، وبذات التوقيت فإنَّ قسد لا تزال تتخذ من أبجديات فرض النفوذ منطلقًا لتوجهاها، لتبقى مطالبات دمشق لعودة الكرد إلى سوريتهم دون رد واضح.

حيثيات المشهد في عين عيسى شرق سوريا، يؤكد أنَّ هناك حالة من الكباش التفاوضي والعسكري يطال جُلّ القوى الفاعلة والمؤثرة. هذا الأمر ينطلق من أهمية جغرافية شرق سوريا بالنسبة لجميع اللاعبين المنخرطين في الأزمة السورية؛ فالنفوذ في هذه المنطقة بات يُحسب بالأمتار. وبين روسيا التي تطمح لتحقيق اختراق في منطقة ذات مكانة اقتصادية واستراتيجية مهمة، وتركيا التي تطمع في تعزيز نفوذها وتطبيق رؤيتها التوسعية واقعًا، والولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر مناطق شرق سوريا ذات طبيعة حاكمة ومفصلية في إدارة سياساتها تُجاه الملف السوري؛ تشكّل عين عيسى موقعًا مهمًا في استراتيجيات اللاعبين، لما للسيطرة عليها من مغريات اقتصادية وسياسية.

بهذا المعنى، تتمتع عين عيسى بأهمية استراتيجية بسبب قربها من الطريق الدولي M4، وتربط محافظات الحسكة والرقة ودير الزور شرقاً بمدينة حلب شمالاً، كما تصل عبر شبكة طرق رئيسة شرق الفرات بغربه، وتمنح الطرف الذي يسيطر عليها عسكرياً قدرة على التحكم بطرق المواصلات والإمداد اللوجستي بين مناطق عين العرب ومنبج بريف حلب الشرقي؛ وبمناطق الجزيرة السورية ومدن الرقة ودير الزور.

في جانب موازٍ، فأنَّ سوّق الذرائع من قبل غالبية الأطراف، يُفسر حجم التحديات والتهديدات التي تؤطر مشهد شرق سوريا، إذ تتهم تركيا قوات سوريا الديمقراطية بالانطلاق من عين عيسى لتنفيذ عمليات “إرهابية” بهدف زعزعة الاستقرار في مناطق “نبع السلام”، والسماح لقوات حزب العمال الكردستاني، باستخدام عين عيسى لتهديد الأمن القومي التركي، وتطالب بانسحاب قوات “قسد” من المدينة.

“قسد” في المقابل ترفض الانسحاب من عين عيسى على اعتبار أنّ المنطقة تقع خارج المناطق التي تم التفاهم عليها بين تركيا وروسيا في الاتفاق الموقع بينهما في سوتشي، وتطالب روسيا بالوفاء بالتزاماتها ومنع الأتراك من اجتياح المنطقة، في حين ترفض روسيا مطالب الكرد وتشترط تسليم عين عيسى للدولة السورية، الأمر الذي ترفضه “قسد” حتى اللحظة، وتطالب بتطبيق النموذج الذي طُبق في “منبج” و”تل رفعت”، حيث توجد نقاط للقوات السورية والقوات الروسية على مداخل المدينتين، غير أنَّ روسيا ترفض هذا النموذج، وتطالب “قسد” بتسليم عين عيسى للدولة السورية.

في ذات الإطار، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن التوصل لاتفاق مع “قسد” يقضي بانسحابها من عين عيسى وتسليمها للجيش السوري والقوات الروسية بالاتفاق مع الجانب التركي، وذلك من أجل الحفاظ على استقرار المنطقة، إلا أنّ “قسد” نفت التوصل لمثل هذا الاتفاق، مؤكدة استمرار خريطة السيطرة في عين عيسى وما حولها على ما هي عليه.

بطبيعة الحال، ما يُفهم من التحركات السورية والروسية سياسيًا وعسكريًا تُجاه عين عيسى، يأتي في إطار جُملة من الأهداف، يُمكن إيجازها بالآتي:
أولًا- الهدف الأساسي يرتكز على ردع تركيا وخرق استراتيجيتها الناعمة، خاصة أنَّ تركيا لا تُخفي أجندتها حيال توسيع مناطق نفوذها في شرق سوريا، وضرب أيّ محاولات كردية لجهة إنشاء كيان كردي بالقرب من الحدود التركية، مُستغلة بذلك انشغال الولايات المتحدة بإشكاليات انتقال السلطة.
ثانيًا- تعزيز الوجود السوري بما يؤسس لمشهد سيطال باقي مناطق شرق الفرات، مع بروز جزئية العمل باستراتيجية محكمة بُغية مواجهة محتملة مع القوات الأمريكية، خاصة أنَّ جو بايدن لم يُفصح عن حقيقة سياساته تُجاه سوريا عمومًا وشرقها على وجه الخصوص، ما يُترجم الموقف الأمريكي حيال تطورات عين عيسى، والتي تنظر إليها الإدارة الأمريكية على أنها تطورات مرحلية سيتم التعامل معها، وليست استراتيجية يُمكن أنّ تؤثر في سياق الاستراتيجيات الأمريكية في سوريا.

عزّز هذا الموقف حقيقة عدم وجود قوات أمريكية في عين عيسى ومحيطها، إضافة إلى ذلك فإن زيارة قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط فرانك ماكنزي إلى الحسكة، ولقائه قائد قوات “قسد” مظلوم عبدي”، يُميط اللثام بعض الشيء عن السياسات الأمريكية، إذ أنّ هذه الزيارة تحمل رسالة من واشنطن لـ قسد بإيقاف المحادثات مع روسيا والدولة السورية، لأنها تتعارض مع سياسة واشنطن وطريقة تحركها في الملف السوري.

في المحصلة، قسد التي تواجه وقائع معقدة؛ فالولايات المتحدة منشغلة بعملية انتقال السلطة من إدارة لأُخرى، الأمر الذي وضعها بين فكّي كماشة تركيا وروسيا الساعيتين إلى تغيير الأوضاع في مناطق شرق الفرات، بُغية تعزيز مواقعهما في سورية استباقاً لوصول إدارة جو بايدن، حيث تستشعران احتمالية تشدُّد الموقف الأمريكي تجاههما في الملف السوري، وبالتالي فإن “قسد” لديها خيارات صعبة، تنحصر بين خوض مواجهة غير مضمونة النتائج مع تركيا والفصائل الإرهابية التي تدعمها، أو تسليم عين عيسى لروسيا والدولة السورية، وتأثير ذلك في كلتا الحالتين، على مواقع نفوذها في عين العرب ومنبج. نتيجة لذلك فإن قسد تحاول إطالة أمد المفاوضات مع الجانب الروسي إلى أبعد مدى ممكن، والإبقاء على خطوط النار خارج المدينة إلى حين توصلها إلى صفقة تمنع هجوم الفصائل والجيش التركي.

وعليه، فإن التعقيدات حول عين عيسى، إنما هي جزء من مشهد معقد ومركب يطال شمال شرق سوريا بأكمله، خاصة أنَّ كثرة اللاعبين المنخرطين في الأزمة، يزيد من صعوبة الموقف الذي تواجهه هذه الأطراف في تقرير مستقبل مناطق شرق الفرات، وحتى الآن لم يتمكن أيٌّ من هذه الأطراف المنخرطة في الصراع من تغيير الوضع الراهن في تلك المنطقة لصالح أي منها، ولعل هذا ما يرجح احتمالية بقاء الأوضاع على ما هي عليه إلى حين اتضاح صورة سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة تُجاه المنطقة، دون إلغاء إمكانية القيام بمغامرة عسكرية من قبل روسيا والدولة السورية، خاصة في ظل عدم وجود سياسة أمريكية معلنة وصريحة بخصوص عين عيسى.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى