صريفا.. توحّد البندقية من موسكو إلى طهران!

عندما بدأت «أم حسين» بشك الدخان مع قريباتها، لم تكن رائحة الموت قد غادرت أنفها. صباحاً، وجرياً على عادتها اليومية، ذهبت لتطلق الدجاجات من القن، إلا أن ذلك اليوم بدا مختلفاً. اخترقت رائحة حرب تموز رئتيها. التفتت حولها مستعيدة رعب اللحظات الأولى. الرائحة لا تغادر أنفها. مزيج من روائح الموت والصواريخ والبيوت المدمرة وشتل الدخان والبارود والتراب ولهيب تموز.

لم تدرك «أم حسين» أن صباحها كان استعادة لثماني سنوات قضتها بلا أخيها الذي استشهد إلى جانب ابن خالها وابن عمها وصهرها و5 من جيرانها في مجزرة واحدة استهدفت ثلاثة منازل في قرية صريفا وأدت إلى استشهاد 21 مقاوماً.

في 19 تموز كان موعد البلدة مع الموت. تضيع الحكاية بين أبنائها. منهم من يعتبر أن الطائرة الحربية الإسرائيلية دمرت الحي بكامله، فكانت الشهادة من نصيب ثلاث مجموعات من المقاومين الذين اتخذوا من بيوت الحي منطلقاً لهم. تلك رواية لا يتبناها كثر. معظمهم يؤكد أن استهداف المقاومين كان نتيجة رصد جوي (طائرة MK) ورصد أرضي (عميل).

النتيجة كانت واحدة: استشهاد 9 مقاومين من «أمل» و7 من «الشيوعي» و5 من «حزب الله» اختلطت دماؤهم لتشكل عنواناً لقرية لا بوصلة لأهلها سوى المقاومة.. مهما باعدتهم العقائد.

لم يفارق الشهداء بعضهم منذ ذلك الحين. عندما تمكن أهالي القرية من انتشال الجثث من بين الأنقاض، في نهاية الحرب، اتفقوا على استحداث مقبرة مشتركة للشهداء تخليداً لذكراهم. اختلطت الأعلام الحزبية بالعلم اللبناني في التشييع، كما اختلطت أجساد المقاومين بتراب البلدة.. التي تواظب على تقديم الشهداء منذ سبعينيات القرن الماضي.

آخر كلمة قالها الشهيد أحمد نجدي لقريبه صبحي نجدي الذي كان مرابضاً في مكان آخر، عبر جهاز اللاسلكي: «شو ما متت بعد»؟ وما أن انتهت الغارة، حتى أيقن صبحي أن قريبه أحمد استشهد إلى جانب أخيه.

حصار اجتماعي ـ خدماتي

منذ ثماني سنوات، لا تزال المجزرة حاضرة في يوميات هذه البلدة الجنوبية. الوضع الاجتماعي الصعب لأهلها الذين يعتاش 70 في المئة منهم من زراعة التبغ، لم يمنع «أم أدهم» من القول: «يا ليتنا استشهدنا حينها»، قبل أن تستدرك، مستدعية عزيمتها مجددا: «سنبقى نشك الدخان ونزرع التبغ ولن يقوى علينا أي محتل».

«أم أدهم» لها نصيبها من الظلم. بعد أن مات شقيقها في المجزرة مع عدد من أقربائها، أصيب ابنها بصاعق كهربائي أثناء سعيه لرفع علم على عامود كهربائي. ابنها مقعد، ولديها جرحان غائران منذ العام 2006، لا تزال ترفض استعادتهما: لحظة استشهاد أخيها ولحظة سقوط ابنها.

غابت مشاهد الدمار عن القرية. البيوت الحديثة مسحت آثار الحرب عن كاهل القرية لا عن كاهل أبنائها. 300 منزلاً دمرت بشكل كامل، 470 تضررت بشكل كبير، فيما نحو ألف تعرضت لأضرار متفرقة. أنجز ملف الإعمار، مع ذلك، ثمة نحو 250 منزلاً من الفئة الأخيرة ما تزال تعويضات اصحابها عالقة. بعضهم وصله شيك بـ100 دولار فقط. شعر كثر بالمهانة من تصرف الدولة، فلم يقبلوا «الحسنة» التي أعطيت لهم، مفضلين تقديم اعتراضات.. لم يبت بها بعد.

للمناسبة، لم يكن «حزب الله» قد رفع سلاحه وذخائره من الأرض، في 14 آب 2006، حتى كانت وفود العائدين تملأ أزقة القرية. اضطر حينها إلى الاستعانة بأهل القرية لمساعدته بنقلها إلى المخازن.

أيام قليلة وبدأت مرحلة إعادة الإعمـار أسوة بـكل قـرى الجنوب. هؤلاء يبنون غير خائفين من أي حرب جديدة. «لا خيار الا أن نبني بيوتنا ليعـيش فيـها أبناؤنا»، يقول «أبو محمد» الستيني، مشـيرا الى أن نحو 90 في المئة، من أهالي البلدة يقيمون فيها بصورة دائمة.

يتوقف «الصريفيون» عند «الظلم» اللاحق بهم. يهمهم التذكير أن بلدتهم ليست فقط بلدة ملكة جمال أميركا ريما فقيه أو البلدة التي تقع على خط الزلازل. يشكون التعامل الرسمي مع قريتهم بوصفها «بلدة درجة ثانية». ينظرون بعين الحسد إلى هذه القرية أو تلك، بسبب ما تحصل عليه من اهتمام رسمي، يعود في الغالب، إلى أنها قرية محظوظة بنائب أو وزير من أبنائها أو أنها محسوبة سياسيا بالكامل على هذا أو ذاك من «الثنائي الشيعي». هذه الميزة تفتح أبواب الجنة بالنسبة لبعض القرى، التي لن تجد صعوبة في الحصول على خدمات ووظائف عامة بعكس القرى غير المحظية.

مسألة الوظائف تؤرق أهل صريفا أيضاَ. بلدة لم تتردد في تقديم الغالي والنفيس فداءً للوطن تشعر بالأسى من غياب أبنائها عن الوظائف العليا، بالرغم من ارتفاع نسبة المتعلمين فيها، ونسبة الموظفين الجيدة من أصحاب الوظائف الدنيا.

هنا «موسكو»

كل ذلك لا يغير قناعة القرية برسالتها. ليس مبالغة القول إن هواء صريفا مقاوم. أهلها يروون عن بطولات سطرت على أرضها منذ السبعينيات، وصولاً إلى إطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» حيث كان «الشيوعي» و«القومي» يتقاسمان النفوذ السياسي والعسكري في القرية، قبل أن ينضم إليهما «حزب الله» و«أمل» في النصف الأول من الثمانينيات.

ونظراً للموقع الاستراتيجي للقرية، مر مقاومون بالمئات عبر وديانها وتلالها وهم في طريقهم الى تنفيذ عمليات في قرى الجنوب المحتلة، خصوصا أن تلك البلدة تجاور قرى الشريط الحدودي.

منذ مطلع التسعينيات، تغيرت أهواء أبناء القرية، صار لـ«أمل» و«حزب الله» النفوذ الأكبر فيـها. غاب القوميون، لكن الشيوعيين ظلوا فاعلين. أشهر أحياء القرية هو «حي موسكو». تسمية ليست اصطلاحاً، بل تسمية رسمية. لاحقا، وبعد صعود نجم «حزب الله»، وُجد «حي طهران» في القرية، لكن تسميته بقيت غير رسمية.

في «موسكو»، حيث أغلبية الأهالي ينتمون إلى «الشيوعي»، لا مكان لشهر رمضان. «الفراكة» الجنوبية حاضرة على الترويقة. المضافات مفتوحة ليل نهار. مشهد لا يستفز الصائمين من «أمل» و«حزب الله». على العكس، الكل مقتنع بأن احترام المعتقدات أولوية.. يلتقون ويتجادلون ويتبادلون «النكايات» و«التزريكات» التي تنتهي دائماً بالضحك. بديهية احترام معتقدات الآخرين تجعل الإيمان متآلفا مع الإلحاد وتجعل السائل عن الأمر مجرد أضحوكة.

في حرب تموز توحدت البندقية. المقاومون الشيوعيون تركوا القيادة لـ«حزب الله»، لكنهم أبدوا الاستعداد للدعم والمؤازرة. كذلك فعلت «أمل». انتشرت مجموعات الأحزاب الثلاثة في القرية، بحسب خطة محكمة أرادوا من خلالها تأمين مداخل القرية وتلالها. كان الهدف منع أي إنزال عسكري للعدو. أمّن المقاتلون الشيوعيون أطراف البلدة الشمالية، فيما تكفل «حزب الله» و«أمل» بتأمين الأطراف الجنوبية والشرقية. فتح الشيوعيون مخازنهم أمام «حزب الله»، وقبل فترة وجيزة عرض عناصر الحزب اعادة ما أخذوه من «الشيوعي» إلا أن «أبو جورج» الذي يشكل صلة الوصل مع «حزب الله»، أبلغهم أن لا فرق بين وجود السلاح في مخازن أي من الحزبين طالما أن المعركة مفتوحة والشراكة مستمرة.

صريفا الهدف

اشتدت المعركة في تموز وآب 2006 على جبهات الجنوب كافة. انكشفت الخطة الإسرائيلية بالنسبة الى «حزب الله». المطلوب إنجاز عسكري يبرر الانسحاب لاحقاً. لا يتحقق ذلك إلا بالوصول إلى شمال ضفة الليطاني. وعليه، فقد صارت صريفا الهدف مع جاراتها القريبة من النهر. القرية الاستراتيجية في موقعها تطل على مجموعة وديان متصلة بالبحر عبر جسر القاسمية غربا وتشكل مدخلا نحو وادي السلوقي ومنه الى عمق الشريط الحدودي جنوباً وباتجاه وادي الحجير حيث قرى القطاع الاوسط، وشمالاً نحو مجرى نهر الليطاني عبر وادي يحمر الشقيف ومن ثم جسر الخردلي.

كانت المجزرة، هي البداية الفعلية للحرب. تكثفت الغارات على كروم الزيتون المنتشرة غرب القرية، وسقط هناك عدد من المقاومين المنتشرين في الوديان. هل هناك من يدل على أماكن تواجدهم، فتقوم الطائرات باستهدافهم، أم أن الأمر حيلة من العدو، إذ يقوم بإطلاق صاروخ مجبراً المقاومين على التحرك من مواقعهم نحو مواقع أكثر أمنا، فتتولى طائرة الاستطلاع رصدهم عبر «تقنية كشف حرارة الجسد»، قبل أن يقصفهم الطيران الحربي؟.. نقاشات لا تزال حاضرة إلى اليوم بين شباب صريفا.

رتل من الدبابات يحاول التقدم من ناحية وادي الحجير نحو قرى المواجهة: فرون، الغندورية، برج قلاويه وصريفا، لكن صواريخ «الكورنيت» كانت بالمرصاد، فاصطادت 23 دبابة. أفلتت دبابتان وأكملتا تقدمهما ناحية الغندورية فتولت تدميرهما عبوتان كبيرتان.

سرعان ما فقد العدو عنصري القيادة والسيطرة، بعكس المقاومة التي ظلت نقطة قوتها تتمثل في ثبات عمليات القيادة والسيطرة طيلة 33 يوماً. برز ذلك جلياً عندما أعلن عن هدنة في اليوم الـ21 للحرب. في اللحظة نفسها، توقفت كل مجموعات الحزب عن إطلاق النار في كل قرى الجنوب، فيما بعض الفرق الإسرائيلية لم تسمع بوقف إطلاق النار. يتحدث أبناء صريفا بفخر عن تعرض فرقة عسكرية إسرائيلية لنيران صديقة حينها.

أعادت المقاومة توزيع المهمات وتعديل الانتشار. كل الجلول والأراضي كان جاهزة للمعركة. المقاومون يدركون أنهم إذا اضطروا إلى ترك سلاحهم هرباً من طائرة الاستطلاع، سيعرفون أين يجدون غيره. شجيرات البلان كانت صديقة وفية للمقاومين أيضاً. كلما لجأوا إليها شكّلت عازلاً طبيعياً للحرارة، وعرقلت عمل طائرات الرصد.

«الليطاني» بعيد المنال

حاول العدو التقدم من ثلاثة محاور أساسية لا يمكن الاستغناء عنها نظرا لصعوبة تضاريس منطقة الجنوب:

  • قوة كبيرة تقدمت من هونين نحو الطيبة ورب ثلاثين في محاولة للوصول الى جسر القعقعية، مروراً بوادي الحجير.
  • هجوم آخر من خط ياطر كفرا نحو صديقين فمحرونة بهدف التقدم نحو وادي جيلو، وبالتالي السيطرة على جسر القاسمية.
  • هجوم عبر طريق البياضة ـ شمع وصولا الى صور.

فشل الهجوم عبر المحورين الأخيرين، فكبر الرهان على المحور الأول. توقف التقدم في الحجير بعد «مجزرة الدبابات»، فاستعاض عنه العدو بإنزال ضخم، يعد الاكبر في تاريخه. أكثر من 800 جندي اسرائيلي حطت بهم طائرات مروحية، وسط قصف شديد وتحليق مكثف للطيران الحربي للتمويه، في مزرعة الطويري الواقعة بين صريفا والغندورية وديركيفا. استخدم المقاومون صواريخ مضادة للطائرات. سقطت طائرة اسرائيلية لنقل الجنود في القطاع الغربي ووقعت مجموعة اسرائيلية أخرى في شرك من العبوات أوقع بها خسائر كبيرة. حصل ذلك بفارق ساعات، فكان قرار وقف الحرب.

23 غارة و45 شهيداً كانت الحصـيلة في صريفا. لكأن الاسرائيلي قد قـرر الانتـقام من قـرية كـونها أذلته، وهل ينسى الإسرائيليون الكمين الذي نفذته المقاومة في «عين الشقفان» في العام 1986 وأسفر عن مقتل 8 إسرائيليين وإصابة 13 آخرين بجروح؟

إيلي الفرزلي – السفير

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى