“طبيب الفقراء.. وداعاً”

(سنة على الغياب) ((الطبيب محمّد رئيف حمدان ….وداعاً))

أيّها الأطبّاء في سوريّتنا الحبيبة الجريحة، ها هو زميلكم يغادركم، ها هو طبيب الطيبين يغادرهم ويسكن قلوبهم، يغادر جسده النحيل الرشيق المشافي الشعبيّة، ويغادر محيّاه الباسم الطيّب الذي يغرس الراحة في صدور المتألّمين أسرّتهم الحزينة، وتغادر مقلتاه المشبعتان إنسانيّةً مقلَ المرضى التي كانت تتلوّن أملاً بنظراته المواسية والمشجّعة.
أيّها الأطبّاء، فلتجعلوا من هذا الراحل الذي لا يرحل، قدوةً وقد شاهدتم كيف بكته عيون أمواج من محبّيه الذين أراقوا العبرات الصادقة، شاهدتم كيف كانت تتدافع القلوب قبل الأجساد، لتشارك في تشييعه، والله لم أشهد حزناً موحّداً من الصميم كما شهدته بعد نعيه الحزين.
هنيئاً لك أيّها الطبيب المحمّد على محبّة كلّ من عرفك وعاشرك والتقاك.
هنيئاً لروحك المغمّسة بالطهارة أن ترتقي إلى جوار خالقها وهي محمّلة بالفضائل والمكارم والمحامد ومحبّة الطيّبين و المقهورين والبائسين.
لقد تحرّرت تلك الروح المضمّخة بالنقاء والطيبة والمغشّاة بالصفاء والمزيّنة بالتواضع والمروءة من ذلك الجسد النحيل الذي لم يعد قادراً على الصبر على تلك الروح الأبيّة الشريفة التي تمتلك أنهاراً من القيم الإنسانيّة وتحتاج إلى أجسام أكثر قوّة لتنهض بأعبائها وعزائمها، فلتهنأ تلك الروح العظيمة في العالم الآخر، العالم النقي الصافي بعيداً عن الجشع والطمع والمادّة والحقد والأنانيّة والظلم، العالم المثاليّ الذي يليق بهذه الروح المتمرّدة على كلّ هذا العالم المادّي الوضيع الزائل.

"طبيب الفقراء.. وداعاً"
“طبيب الفقراء.. وداعاً”

رحمك الله يا أخي وصديقي وطبيبي وقدوتي، كم أبَيْتَ أن تغادر شيخ بدرك، وفضّلت الهمّ والفقر والشقاء مع مودّة ومحبّة ومساعدة أهلها الذين بكت عليك قلوبهم قبل عيونهم، كم جهدت لتمسح دمعة وجعٍ لمريض هنا وهناك، كم ستبكيك حقيبتك الحاملة شفاء المجروحين المتألّمين، كم ستبكيك العيون السقيمة التي فقدت نظراتك الحاضنة للأمل والمواساة، كم ستبكيك نبتة العطراية التي شجّعت كلّ من زارك أو زرته على زراعتها بجانب البيت لأنّها البديل الطبيعيّ الفعّال للدواء الكيماوي غالي الثمن لمعالجة آلام الصدر.
يا صاحب الصدر الطيّب الذي تعتّقت الإنسانيّة في رحابه، يا صاحب الصدر المكحّل ببراءة الريف ونقائه، يا صاحب العقل المعطّر بالانفتاح على أبواب العلوم والمعارف، والمنفتح على الثقافات في بحرها الواسع.
أعرفك محبّاً متابعاً لكرة القدم، أعرفك محبّاً لكرة الطاولة التي كنت تجيد لعبها ببراعة الرياضيين، أعرفك عاشقاً لطبيعتنا المزركشة بالجبال والوديان والسنديان والزيتون، أعرفك إنساناً مات ولم يمت، أعرفك إنساناً مات جسداً ليحيا في أفئدتنا، ليحيا بذور أمل وخير في قلوب الطيبين.
رحمك الله يا طبيب الشعب…..يا طبيب الفقراء والمقهورين.

بواسطة
منتجب علي سلامي
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى