طرابلس في قبضة الجيش بعد «الخميس المجنون»

لم يحصل أن شهدت طرابلس تسيّباً أمنياً مثل الذي شهدته يوم الخميس الماضي. مسلحون انتشروا في عموم المدينة، هلع وخوف أصاب كل من كان موجوداً فيها يومذاك، ما جعلها تبدو كأنها على فوهة بركان، قبل أن تهدأ الأمور في الظاهر وينتشر الجيش فيها بانتظار حلّ لم يتبلور

عبد الكافي الصمد
«اشتدي أزمة تنفرجي». ربما صحّ هذا القول لوصف الوضع الأمني في طرابلس، الذي لم يُضبط إلا بعد يوم دراماتيكي سادت فيه أجواء الرعب والقلق والفوضى في المدينة من أقصاها إلى أقصاها، في مشهد لم تعرفه المدينة في تاريخها.
فمنذ إعادة الجيش اللبناني انتشاره وتعزيز وجوده في منطقة جبل محسن يوم الثلاثاء الماضي، أرسلت القيادة العسكرية إشارات إلى كلّ من يعنيه الأمر في طرابلس إلى أنها مستمرة في تنفيذ كل بنود خطتها الأمنية، ولن تتراجع عنها مهما كلف الأمر؛ لأن الانفلات الأمني في طرابلس بلغ حدوداً لم يعد معها ممكناً السكوت عنه.
وكشف بيان للجيش لاحقاً الخطوط العريضة لخطته وتشمل «سلسلة تدابير أمنية حاسمة في طرابلس» وغيرها من المناطق، و«عمليات رادعة ومتشددة»، وأن الجيش «مزمع على تنفيذ خطته الأمنية مهما كلف ذلك، ليس على محوري باب التبانة وجبل محسن فقط، بل أيضاً في كل بقعة يراد منها أن تكون محور قتال بين أبناء المدينة»، مؤكداً أن «استعمال السلاح سيقابل بالسلاح».
لم يسبق للجيش أن أصدر بياناً بهذا النوع من الحزم منذ اندلاع أولى جولات الاشتباكات الـ16 في طرابلس التي أعقبت أحداث 7 أيار 2008، ما أعطى إشارة إلى أنه يتجه نحو تطبيق هذه الخطة الأمنية بحذافيرها، التي تقضي بوقف إطلاق النار، ودخوله إلى كل المناطق والأحياء بلا استثناء، ومنع المظاهر المسلحة وتوقيف المطلوبين.
يوم الأربعاء الماضي عزز الجيش اللبناني وجوده في النقاط الثماني الثابتة له في باب التبانة، إلى تنفيذ انتشار جدّي وفعّال هذه المرّة في المنطقة، يقضي بدخوله إلى عمقها وقيامه بدوريات فيها، بعدما كان يُجابه باعتراضات على ذلك في السابق من بعض المسلحين فيها، في إشارة إلى أنه أسقط كل الخطوط الحمراء التي كانت تعترضه.
عملياً، وبعد صلاة فجر أول من أمس الخميس، وإثر خروج المصلين من مسجد محمود بك التاريخي الواقع عند أطراف سوق القمح والحارة البرانية في طرابلس، دهمت قوة من الجيش مركزاً يتبع أحد قادة محاور القتال في المنطقة، زياد علوكي، فصادرت منه كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمعدات، من بينها 120 عبوة ناسفة كانت تستخدم كقنابل صوتية ترمى في أرجاء المدينة لإثارة الرعب والقلاقل، وهذه العبوات كانت تصنع يدوياً في معمل سرّي موجود داخل المركز، وجرت مصادرته أيضاً.
لم تمضِ دقائق على عملية الدهم حتى استنفر مناصرو علوكي في المنطقة أنفسهم، فقطعوا طرقات المنطقة بالإطارات المشتعلة والحجارة، وخصوصاً بوليفار نهر أبو علي، ثم توجّهوا إلى جامع محمود بك المجاور لمركزهم، وبثوا من مكبرات الصوت نداءات الاستغاثة والتحريض على الجيش، زاعمين أنه دهم المسجد وحطمه ودنسه، واعتقل 3 من أبناء المنطقة. واتهموا السياسيين بأنهم «باعونا وغدروا بنا».
بعد ذلك بأقل من ساعتين، كان عشرات المسلحين قد نزلوا إلى شوارع طرابلس وأحيائها، منهم من يتبع علوكي ومنهم من تجاوب معه غرائزياً أو بدافع سياسي ومذهبي، قبل أن يتطور الأمر إلى شنهم حملة تحريض على الجيش عبر بثّ صور عبر «الواتس أب» لمصحف مرمي على الأرض، يدعون أن الجيش رماه أثناء دهمه المسجد وتدنيسه!
لاقت هذه الصور تجاوباً أكبر، فنزل إلى الشّارع أكثر من 400 مسلح مقنع، حسب تقديرات الأمنيين، وأطلقوا الرصاص في الهواء وأرهبوا المواطنين وأجبروهم على غلق محالهم، ما جعل أغلب المؤسسات العامة والخاصة تقفل أبوابها قرابة العاشرة قبل ظهر الخميس وسط أجواء من الرعب والخوف، بعدما جرى تبادل لإطلاق النار بين المسلحين والجيش.
وكالنار في الهشيم امتد تبادل إطلاق النار والظهور المسلح إلى أحياء باب الحديد ومحيط قلعة طرابلس والأسواق القديمة، وصولاً إلى إشارتي شارعي المئتين وعزمي وساحة عبد الحميد كرامي وباب الرمل، في موازاة محاولة قرابة 300 مسلح اقتحام مقر «حركة الناصريين العرب» التابعة لعبد الكريم النشار، في محيط القلعة، حيث جرت اشتباكات عنيفة دامت نحو 3 ساعات سقط خلالها 8 جرحى.
وأحدث هجوم المسلحين على مركز النشار الذي يقع ضمن منطقة ذات كثافة سكانية كبيرة، بلبلة كبيرة في طرابلس، بالتزامن مع توجيه المواطنين نداءات للتدخل وإنهاء الاشتباكات، التي فسرت على أنها محاولة من المسلحين لردّ الاعتبار والتعويض معنوياً بعد اقتحام الجيش مركز علوكي، وخصوصاً أن مركز النشار لا يزال الوحيد القائم بين مراكز قوى 8 آذار في المدينة. وكان الحزب السوري القومي الاجتماعي وحركة التوحيد الإسلامي وآل الموري قد وضعوا مراكزهم تحت سلطة الجيش في وقت سابق، لتحاشي الاحتكاك بينهم وبين مسلحين معارضين لهم، إما مقربين من تيار المستقبل أو ذوي توجه سلفي.
لكن الجيش حاول حسم الموضوع لاحقاً وتسلم مركز آل النشار لينزع بذلك أي ذريعة لنشوب أي توتر قد يندلع مجدداً في المنطقة، لكن الأمور تعثرت، ما جعل الاشتباكات تتجدد بعنف عصر أمس بين الطرفين اللذين استخدما الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية، في طلعة الرفاعية والسويقة وعند أطراف منطقتي باب الحديد وأبي سمراء، موقعة عدداً من الجرحى، عرف منهم عبد الكريم الحرّاش وعمر النشار وامرأة لم تعرف هويّتها. وتزامن ذلك مع عودة الاشتباكات ثانية إلى محوري البقار وريفا.
وكان قد سبق ذلك إجراء الجيش اتصالات مع دار الفتوى في طرابلس، نفى فيها كل ما أشيع عن تعرّضه لمسجد محمود بك، وهو ما أكده بيان دار الفتوى الذي تلاه أمين الفتوى في الشمال الشيخ محمد إمام، بعد اجتماع في الدار حضره رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ووزراء طرابلس ونوابها ومشايخها.
وسط هذه الأجواء استقدم الجيش تعزيزات إضافية إلى طرابلس، في موازاة دعم سياسي تلقاه من وزير الداخلية مروان شربل الذي زار طرابلس لهذه الغاية برفقة المدير العام لقوى الأمن الداخلي بالوكالة العميد جوزف سالم، إضافة إلى إعلان النائب محمد كبّارة دعمه للجيش في تنفيذه خطته، بعد حملته عليه قبل أيام.
هذا الدعم السياسي الذي تلقاه الجيش، وكان يمكن أن يكون أوسع ويشمل قطاعات شعبية لو لم تقم ضده حملات تحريض واسعة، ومع ذلك تعامل الجيش بحكمة مع مظاهر الانفلات الأمني في طرابلس أول من أمس، بإطلاقه النار أغلب الأحيان في الهواء، لا على المسلحين في الشوارع، الذين تراجعوا تدريجاً، بعدما بدت المدينة كأنها ساحة حرب شوارع.
لكن الهدوء الحذر الذي ساد طرابلس أمس، كان برأي مصادر سياسية أنه «كي يستمر أطول فترة ممكنة لا بد من تحقيق 3 أمور: فك الارتباط مع الأحداث الجارية في سوريا، ومعالجة الأمور بهدوء عقلانية، ووقف التحريض على الجيش لدوافع خاصة».
وتوقفت المصادر عند كلام الشيخ نبيل رحيم عن أن طرابلس «كانت أشبه ما تكون بقندهار»، فرأت أنه «إذا قال الشيخ رحيم، المعروف بتوجهاته السلفية، هذا الكلام، فماذا يمكن أن يقول غيره؟».

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى