ظاهرة التنمّر .. انعكاسات سلوكية عند الأطفال في المدارس

مرت سورية بأزمة لم يسلم منها بشر ولا حجر، ومن نجا من الموت خلّفت لديه آثاراً جسدية ( عاهات، فقدان أطراف) أو نفسية(اكتئاب، اضطراب في الشخصية وغيره) ربما أفضت في بعض الحالات إلى الانتحار، الأطفال عماد الوطن والآثار النفسية التي خلفتها الحرب سترافقتهم طوال حياتهم وربما أعاقت تطورهم أو أودت بهم إلى الانحراف إن لم تتعاون كافة الجهات تربوياً واجتماعياً وإعلامياً وثقافياً لمعالجتها ومن هذه الآثار ما يُعرف بظاهرة “التنمر

يُعرّف المختصون النفسيون هذه الظاهرة بأنها شكل من أشكال العنف والإساءة والإيذاء الذي يكون موجهاً من فرد أو مجموعة أفراد إلى فرد آخر أو مجموعة أفراد بشكل متعدّد و متكرّر، وتبدو هذه الظاهرة حينما يكون الفرد المُهاجم أقوى من الباقين باستعمال لسانه بالتحرش والاستفزاز وحينما يرى الضحية تلبس ثوب الضعف والجبن عندها يستعمل يديه ورجليه ويمكن أن يظهر هذا التنمّر أو العنف لفظياً ( كالتنابذ بالألقاب أو الإساءة اللفظية الجارحة والإقصاء المتعمّد من بعض الأنشطة والمناسبات الاجتماعية) أو حتى إلكترونياً أو ربما كان جنسياً ( ألفاظ أو ملامسات غير لائقة)، ويهدف المعتدي إلى الإضرار بالآخر جسدياً او نفسياً متعمداً بهدف اكتساب السلطة عليه.

ينتقي المتنمّر أو المعتدي ضحيته من ذوي الشخصيات الضعيفة وثقتهم بأنفسهم مهزوزة فيكيل الاعتداء المتكرر ليُصيب ضحيته بأعراض يُمكن أن تؤدي إلى الاكتئاب والانعزال عن الأقران، و الغياب عن المدرسة أو التظاهر بالمرض خوفاً من لقاء الغريم ، وبالتالي إلى انخفاض تحصيله الدراسي، وقد سُجلت بعض حالات الانتحار في البلاد الغربية كان سببها التنمّر.

تقول والدة الطفل م.م : تعرّض ابني للضرب من قبل زميله في المدرسة ويكبره بعامين وتسبب له بأذية جسدية، ثم دفعه أحدهم على الدرج أثناء الانصراف الأخير في المرة الثانية وتسبب له بأذى في ظهره، وتغيّب عن المدرسة لمدة عشرة أيام، راجعتُ الإدارة وكانوا متعاونين، لكن عندما تحسّنت صحته أصبح يرفض الذهاب إلى المدرسة، فراجعت الإدارة مرة ثانية.

حالات أخرى رصدها الإعلام التربوي في مناطق مختلفة كمجموعة الطلبة الذين خططوا لقتل زميلهم في المدرسة وأَخفوا جُثته مدعين أنه كان نذير شؤم لهم، وحالة أخرى كتلك التي آذت زميلتها في الصف أثناء الخروج من المدرسة مستخدمةً سكين مبراة قلم الرصاص عندما تشاجرتا معاً!

ماهي مظاهر التنمر وأسبابه:

يمكن أن تظهر لدى الطفل الضحية مظاهر تَدل على تَعرضه للإيذاء من قبل زملائه، كالهروب من واقعه الذي يعيش فيه وانسحابه المتكرّر من الأنشطة المدرسية والابتعاد عن زملائه وعدم كتابة واجباته المدرسية والتأخّر عن دوامه أو رفضه الذهاب للمدرسة أو الهروب المتكرر منها، ويمكن أن يرى الأهل لديه قلة في النوم، صداع، آلام في البطن أو غيره ويمكن أن يخفي بعض الأدوات الجارحة نتيجة حالة الخوف التي يُعاني منها.

بعض الأسباب سيكولوجية نفسية تتعلق بالمورثات الجينية والانحدار الطبقي الموبوء ببعض الاضطرابات النفسية، ويؤدي الجو الأسري المشحون بالمشاجرات والعنف بين الأبوين إلى اكتساب الطفل للعنف فيميل إلى ممارسته على زملائه الأضعف في الصف، كما أن تَعمّد بعض الأسر الحماية الزائدة لطفلها فيقل نُضجه ويفقد ثقته بنفسه وتظهر لديه فوبيا ومخاوف ويُصبح عُرضة للاعتداء والتنمر من قبل زملائه وتؤدي كثرة متابعة الطفل دون رقابة الأهل لبعض البرامج والأفلام التلفزيونية والألعاب الإلكترونية التي تُشجع على استعمال القوة وسحق الخصم، تجعل الطفل يُنفّس عن مشاعره المكبوتة بالتنمّر على زملائه.

وسائل العلاج التي يجب اتباعها والعمل عليها:

يؤكد الإرشاد النفسي أن دور الأسرة والمدرسة محوران هامان في علاج هذه الظاهرة لدى كلٍ من الطرفين الضحية والمعتدي وتعمل الهيئات التربوية على وضع خطة جادة وفعّالة لمعالجة مثل هذه الحالات وسن قوانين تُلزم المدرسة بمنع إيذاء الطلاب لبعضهم البعض بدنياً أو حتى نفسياً من خلال مراقبة الطلاب في غرفة الصف وفي باحة المدرسة، وتنمية ثقافة الصداقة بين الطلاب وتقويم الوازع الأخلاقي لديهم.

كما أن تفعيل دور المرشد النفسي في المدارس وزيادة عدد المرشدين النفسيين لتُغطي كل مدارس الريف والمدينة، وإعادة النظر بقواعد ضبط السلوك المدرسي وعدم التهاون مع هذه الظاهرة وأن تكون جاهزة للتطبيق الفوري.

ويجب على الأسرة أن تتعاون مع المدرسة في معالجة الشكاوى التي تصلهم عن طفلهم وعدم الدفاع عنه دون تفهم المشكلة ومحاولة إتاحة الفرصة له بالحديث عن نفسه ومعرفة الأسباب التي دفعته للاعتداء على أقرانه.

خبراء التربية وعلماء النفس ينصحون الآباء لتنمية شعور الثقة بالنفس لدى صغيرهم ” من شأن بعض الحديث عن مملكة الحيوانات وكيف تُدافع عن نفسها حتى لو كان المعتدي أكبر حجماً، كما أن وضْعيات الوقوف والنَّظر في عيني المعتدي تُصِبه بالصدمة والتفكيّر بعدم الهجوم لأن الآخر قوي وقادر على الدفاع عن نفسه.

يُوصف المعتدي بأنه شخص لا يشعر بالأمان لذلك يُعامل الآخرين بطريقة سيئة لكي يُرضي غروره لذلك يجب معالجة حالة هذا الطفل بجعله يُعبّر عن نفسه بطريقه مغايرة وتفريغ الطاقة لديه في هواية مفيدة كالرياضة أو الرسم أو ما يحبه.

كما يَكمنُ العلاج عند الطفل الضحية في تعزيز الثقة لدى الأطفال من قبل الأهل والمدرسة لينظروا إلى أنفسهم بطريقة إيجابية لتقوية شخصيتهم والوعي بذاتهم والتعبير عنها، وإبلاغ الطفل لأبويه بشجاعة في حال تَعرضه للاعتداء ومراقبة وضبط والتحكّم بما يشاهده أطفالهم على شاشة التلفاز من برامج عنف أو جريمة، وإشراكهم بالأنشطة التي تهتم بتنمية الثقة بالنفس واحترام الذات، وتركيز المناهج على غرس معاني الحب والتعاون بين التلاميذ وتوعيتهم بلائحة العقوبات وقواعد النظام والانضباط.

إحصائيات عن ظاهرة التنمّر لدى الطلاب في المدارس:

دراسات عالمية رصدت هذه الظاهرة في نيوزيلندا بيّنت أن حوالي 63% من الطلاب تعرضوا للتنمر من قبل أقرانهم في المدرسة، وفي أمريكا بيّنت دراسة أخرى أن أكثر من 50% من الطلاب قد تعرضوا أيضاً للتنمر.

عربياً وفي دراسات مسحية في العراق أظهرت أن 61% من الفتيان و43% من الفتيات يُعانون من التنمّر في المدارس.

محلياً لا توجد إحصائيات في سورية أو دراسات لمعرفة مدى انتشار هذه الظاهرة ربما يكون سببها أحياناً عدم التعاون المطلق بين المدرسة ومديريات التربية أو بين المديريات والوزارة ووجود حالات سُجلت خارج المدرسة في جهات أمنية بعيدة عن المدرسة.

دور المرشد النفسي في المدرسة:

المُرشدون النفسيون موجودون في أغلب المدارس يقومون باستيعاب هذه الحالات من خلال الإرشاد النفسي والجَمْعي أو من خلال الإرشاد الفردي للطرفين( المعتدي والمعتدى عليه) كذلك من خلال النشرات الإرشادية والتوعوية التي توزّعها الدوائر المتخصصة في التربية.

وتقوم دائرة الإرشاد النفسي والاجتماعي في وزارة التربية بتعميم نشرات إرشادية فيما يخص ظاهرة التنمر بشكل عام ففي عام 2017-2018 تمّ تدريب المرشدين النفسيين وبعض مدراء المدارس على دليل الصحة العقلية لطلاب المدارس حوالي 650 متدرّب بالإضافة إلى 1380 مرشد نفسي فيما يخص الدعم النفسي والاجتماعي وقد أوردنا فيها ما يخصّ هذه الظاهرة.

إن تَكاتف كل الجهات الرسمية في القطر بما فيها التربية والتعاون فيما بينها كفيل بإحصاء هذه الحالات ومعالجتها وإيجاد حلّ مناسب لكل حالة كما أن الإعلام الرسمي المرئي والمسموع والمقروء بالتعاون مع الجهات المتخصصة في التربية مُطالب بإعداد برامج ثقافية توعوية عن هذه الظاهرة

تلفت نظر الأهل حول أسبابها ومتابعتها لدى أبنائهم إن وجدت والتعاون مع المدرسة البيت الثاني للطفل لإيجاد الحلول المناسبة لأن الأطفال هم عماد المستقبل.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى