«عاصفة السوخوي» تشتت الجماعات المسلحة.. نحو تركيا

48 ساعة روسية غيّرت معادلة الصراع في سوريا والإقليم، وأسقطت معظم الخطوط الحمراء التركية والأميركية.

المحدلة الجوية الروسية أجبرت الأميركيين والجماعات «الجهادية» المسلحة على الانكفاء أمامها، إذ أعلن «البنتاغون» استمرار العمل لسحب بطاريات صواريخ «باتريوت» في تركيا، وفق إعلان سابق في آب الماضي، من دون أن تغير العملية الروسية شيئاً في مخططاته، للابتعاد عن منطقة التماس مع الغارات الروسية التي توسعت على نحو لم تتوقعه الأجهزة الأميركية، نحو الحدود مع تركيا انطلاقا من المنطقة الوسطى، بضربها مواقع لـ«جيش الفتح»، الذي تدعمه وتموّله تركيا والسعودية وقطر، في قلب جسر الشغور. وكان الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والفرنسي فرانسوا هولاند يشرعان، من باريس، في تصفية حسابات على خيانة باريس وعودها لموسكو حول سوريا، بعد تراجع الرئيس الفرنسي، من على منصة الأمم المتحدة، عن تصريحات ثورية، اعتبرت قبل 10 أيام الرئيس بشار الأسد جزءاً من الحل في سوريا، وشكلت بداية تفاهم روسي ـ فرنسي حول سوريا لم يعمر طويلاً، وأفقد موسكو جزءاً مهماً من الغطاء الأوروبي والدولي لعمليتها السورية.
* الغارات تتركز على وسط سوريا وخصوم موسكو يوحّدون انتقاداتهم.

فخلال 48 ساعة وما يقارب المئتي غارة، تركز معظمها على المنطقة الوسطى السورية، استطاع الروس إجبار أكثر الفصائل «الجهادية»، على بدء عمليات انسحاب واسعة من ريف ادلب، فيما كان الجسر البحري الروسي مع ميناء طرطوس السوري يعزز ما قاله مسؤولون روس عن حملة جوية تدوم أربعة أشهر، إذ أحصى ناشطون أتراك، تابعوا في الأسابيع الأخيرة عبور السفن الروسية من البحر الأسود عبر البوسفور، عبور ما قوامه 15 ألف طن من الأسلحة والذخائر نحو ميناء طرطوس، وهي شحنات تقل بكثير عن شحنات الجسر البحري الروسي إبان حرب تشرين والتي بلغت 60 ألف طن، إلا أنها تفي بحاجات حرب لن تشارك فيها رسميا قوات برية روسية حتى الآن.

وتقول مصادر من المعارضة السورية إن «جبهة النصرة» و «أحرار الشام»، وهي العمود الفقري للتدخل التركي والخليجي في سوريا، باشرت في الساعات الأخيرة عملية إخلاء مقارّها في ريف ادلب، وشوهدت أرتال دبابات وشاحنات كبيرة تابعة لهذه الفصائل، ولـ «الحزب التركستاني الإسلامي» (من الاويغور الصينيين)، وهي تخلي مستودعات للذخيرة والأسلحة في إدلب وأريحا وبلدات جبل الزاوية ومعرة النعمان وأبو الضهور وسراقب.

وتقول معلومات إن أكثر الشاحنات توجهت إلى مناطق قريبة جداً من الحدود مع تركيا، لتجنب القصف الجوي الروسي. وخلال ساعات يكون الروس قد أنهوا المرحلة الأولى من عملية تفكيك قدرة المجموعات المسلحة على شن عمليات مضادة، أو استعادة المبادرة ضد الجيش السوري، بعد إجبارها على الانكفاء، وإطالة خطوط الإمداد من الأسلحة والذخيرة، ما يعقّد أي هجمات يجري الإعداد لها في سهل الغاب ويؤدي على الأقل إلى إبطائها. كما تحققت نسبياً خلال يومين من الغارات الكثيفة الأهداف الأولى للغارات، بوقف استنزاف الجيش السوري في المنطقة، وتأمين بيئته الشعبية الحاضنة في الساحل مع نشر الروس راجمات «سميرتش» الضخمة في القرداحة، الأقرب إلى جبهة سهل الغاب. والهدف قد يتعزز مع تأكد العمل على استعادة مدينة جسر الشغور، أو وضعها ضمن الأهداف المحتملة لهجوم بري سوري وجوي روسي منسق في سهل الغاب وجسر الشغور.

وبدأ الروس بإرسال قوات برية إلى مطار النيرب العسكري في حلب، فيما تقول معلومات إن الجيش السوري والإيرانيين بدأوا بنقل قوات كبيرة إلى الشمال السوري، فيما كانت «الجبهة الشامية» تنسحب من منطقة الشيخ مقصود، لتسيطر عليها «وحدات حماية الشعب» الكردية، وتفتح معبر «الجزيرة» مع المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوري في المدينة.
ولم تتأكد بعد معلومات عن نشرهم قاذفات «توبوليف 22» الإستراتيجية، القادرة على حمل عشرة صواريخ «رادوغا» الموجهة، و25 طناً من القنابل. وتتجاوز القاذفة الروسية حاجة الحرب في سوريا في المدى الذي تعمل فيه، والذي يبلغ أكثر من 6800 كيلومتر، لكنه إذا ما تأكد، فإنه يشير إلى إعداد واضح لضم الميدان العراقي إلى عمليات الروس في سوريا، والتحضير لقصف واسع في مناطق صحراوية تتحصن فيها قوات «داعش»، أو تنتقل فيها أرتالها بين العراق وسوريا.

وجلي أن الروس قد تجاوزوا منذ البداية الخطوط الحمراء التي رسمها الأتراك والخليجيون والأميركيون والفرنسيون لأي حرب في سوريا، فضلاً عن إسقاطهم كل الشروط التي اعتقد هؤلاء أن موسكو ستلتزم بها في حملتها السورية. إذ بات واضحاً أن «داعش» ليس أولوية روسية في سوريا، وان الهدف الأساسي هو كسر العمود الفقري للتدخل التركي والإقليمي في سوريا، بضرب الجماعات التي تعمل تحت إمرتها، لا سيما «جيش الفتح»، وهي الجماعات التي تستنزف الجيش السوري، وتشكل تهديدا اكبر من تهديد «داعش»، الذي لا يسيطر إلا على سوريا الصحراوية، ومواقع قليلة أخطرها مداخل القلمون الشرقي في القريتين، وفي دير الزور التي يحاصرها منذ أكثر من عام.

ويعكس انسحاب الفصائل «الجهادية» نحو الحدود التركية، محاولة للاحتماء بالمظلة التركية التي تمنع المقاتلات الروسية من الاقتراب منها تفاهمات مفترضة مع الرئيس رجب طيب اردوغان، سيجري اختبار مدى صحتها إذا ما تواصلت العملية الروسية بالوتيرة نفسها. أما «داعش» فيشكل هدفاً جزئياً لغارات الـ «سوخوي 24 و25»، وقد بدأ «داعش» بالانكفاء من الرقة، معقله الرئيس في سوريا، بمجرد انطلاق العمليات الجوية الروسية، كما بدأ بإجلاء عائلات المقاتلين الأجانب نحو الموصل، فيما فرغت شوارع المدينة من المقاتلين، وتوقف تنقل الأرتال بين أريافها، مع تحليق مستمر لطائرات الاستطلاع، وهو أمر لم يحدث طيلة عام من الحملة الأميركية الجوية عليها.

ويبدو أن مقولة بوتين، على منصة الأمم المتحدة، هي الخيط القائد للمقاتلات الروسية في سوريا، وهي مقولة حسمت خريطة المعسكر المعادي بنفيها وجود أي معارضة معتدلة في سوريا، رغم ما قاله وزير الخارجية سيرغي لافروف من أنه لا يعد «الجيش الحر» منظمة إرهابية، وهو ليس هدفاً للمقاتلات الروسية، إلا أن أحداً في الإدارة الروسية، لا يعترف بوجود «الجيش الحر»، ولا حتى ببقاياه التي تأسلم معظمها، وتحولت إلى جماعات «جهادية»، باستثناء مجموعات قليلة على الجبهة الجنوبية، وبدعم أردني.

ويبدو الغضب الفرنسي، والأميركي، والتركي مفهوماً على الغارات الروسية التي تتطابق كلياً مع أولويات الجيش السوري: ضرب المجموعات «الجهادية» المسلحة. إذ تضافرت تصريحات الرؤساء فرانسوا هولاند، ورجب طيب اردوغان، ووزير الخارجية الأميركي جون كيري على طلب الاكتفاء بضرب «داعش» وحده، أو «داعش» و «جبهة النصرة» في أفضل الأحوال، وعدم التعرض للمجموعات الأخرى التي تعمل تحت سقفها لقضم مناطق سيطرة الدولة ومواصلة تدمير سوريا. وانتقدت الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وقطر والسعودية وتركيا، في بيان مشترك، الغارات الروسية التي قالت إنها لم تستهدف تنظيم «داعش»، معتبرة أن «هذه الإجراءات العسكرية تشكل تصعيداً إضافياً وستتسبب فقط في إذكاء التطرف».

ويتمتع الروس بقدر من الخبرة لفهم أن ضرب «داعش» وحده من دون غيره، سيلقى حماسة كبيرة من هؤلاء جميعاً. إذ إن إضعاف «داعش» وحده لا يخدم الهدف الروسي بتعزيز الجيش السوري، بل على العكس فإنه سيؤدي إلى المزيد من استنزافه إذا لم توجه الضربات إلى «داعش» والمجموعات المسلحة برمتها في وقت واحد، لمنع هذه المجموعات والدول التي تمولها من الاستفادة من إضعاف «الدولة الإسلامية»، والتقدم نحو مناطق سيطرة الجيش السوري، كما حدث في ادلب وسهل الغاب وفي جيوب شرق حمص.

فعلى مدى أكثر من 3500 غارة شنها التحالف الأميركي على «داعش»، لم يكن المستفيد من هذه العمليات سوى جماعات تنظيم «القاعدة» والفصائل الأخرى، التي استقوت بالغطاء الجوي الأميركي للتوسع على حساب الجيش السوري و «داعش» معاً. والحرب نفسها التي يشنها التحالف على «الدولة الإسلامية»، يمكن شنها على معظم المجموعات «الجهادية» الأخرى، التي لا تختلف في المنهج التكفيري، وفي المنحى الإرهابي، عن «داعش»، من «النصرة القاعدية» فـ «أحرار الشام»، فجيوش «التوحيد والجهاد»، و «المهاجرين والأنصار»، و «فيالق الرحمن» و «أجناد الشام» و «الجبهة الشامية»، وغيرها.

لكن الهجوم على «داعش» الذي يستعجله الأميركيون وغيرهم يعود إلى انفلات هذا الفصيل عن السيطرة، إلى حد واسع عن الأميركيين، ونسبياً عن الأتراك، كما أن الهجوم لا يستهدف أكثر من احتواء «داعش»، لا تصفيته. إذ يبدو التفاوت في نتائج الغارات الروسية والأميركية كبيراً، بل مهولاً في التقديرات الزمنية بينهما. إن حملة 48 ساعة لثلاثين مقاتلة روسية أجبرت «جيوش الجهاديين» على إعادة الانتشار، وسحب أسلحتها ومخازنها نحو الحدود التركية إزاء حملة يقول الروس إنها تحتاج إلى اربعة أشهر لبلوغ أهدافها، وهو أمر قد يحتاج هو أيضا إلى المزيد من التدقيق، ولكن الأميركيين، وهم أعتى وأقوى قوة عسكرية عرفتها البشرية، يصرون على الحاجة إلى حملة تدوم 10 أعوام لاحتواء «داعش».

وفي سياق الاشتباك الروسي – الفرنسي المتبادل، مع توسع الروس في حملتهم من ضرب «داعش»، إلى ضرب أصدقاء باريس في سوريا، التقى الرئيسان فرانسوا هولاند وفلاديمير بوتين.

ويبدو أن شهر عسل روسياً – فرنسياً موعوداً قد انتهى «بخيانة» فرنسية للشريك الروسي، قبل أن يزف تفاهم الثنائي إلى العالم، وعبر سوريا. وكان يكفي مشهد التجهم والعبوس الذي بدا على وجهي الرئيسين على درج الاليزيه، والمصافحات السريعة بينهما لفهم حجم الاستياء المتبادل بينهما.

ويقول مصدر غربي، مقرب من الروس، إن بوتين شعر بالخيانة وهو يستمع لخطاب هولاند من على منصة الأمم المتحدة، ويتراجع فيه عن اتفاق مسبق بينهما عن تفاهم باحترام وجهة النظر الروسية، وتعديل الخطاب الفرنسي تجاه الأسد، والإقرار بدوره في العملية الانتقالية، وكونه جزءاً من الحل في سوريا. وبدا هولاند في أعين الروس، كمن يطعنهم في الظهر، خصوصا أنهم يولون أهمية كبرى لسوريا، وللملف السوري من الآن فصاعداً، والى مبادلة روسيا مرونتها في عدم مقاضاة باريس لإخلالها بتسليم فرقاطتي «ميسترال»، بنكث وعود أعطيت لبوتين، بهدنة في الملف السوري وتخفيف حدة المواقف من دمشق. وكان بوسع الروس طلب مليار يورو من التعويضات من فرنسا لإخلالها بتلك الصفقة، لكنهم لم يفعلوا لتفادي إحراج صديقهم الفرنسي، وأملا بتحسين العلاقات بينهما. ويبدو أن باريس لا تزال تتطلع إلى أوهام الصفقات السعودية خصوصاً، بعد تقارير رفعها السفير الفرنسي إلى الاليزيه عن اعتزام الرياض، كما وعده ولي ولي العهد محمد بن سلمان، استثمار 50 مليار يورو في مشاريع فرنسية، مقابل استمرار دعمها للمواقف السعودية في سوريا واليمن.

ويقول المصدر الغربي إن الخطاب الفرنسي لم يكن الخطاب المنتظر من هولاند، وإن الروس ذهلوا من عنف الموقف الفرنسي من الأسد. ويوضح أن الخطاب الحقيقي الأول، قد جرى تغييره في الطائرة التي حملت هولاند إلى نيويورك. ويعزو التغيير إلى ضغوط وزير الخارجية لوران فابيوس، وفريق الصقور في الكي دورسيه. وكان فابيوس قد أعلن بدء تحقيقات لمقاضاة الأسد بجرائم حرب، وهي تهمة تهدف قبل كل شيء إلى قطع الطريق على المبادرات الأوروبية للتقارب مع روسيا، ومنع تطور المواقف الأوروبية، التي بات الكثير منها يعد الأسد جزءاً من الحل في سوريا، وإرباك الديبلوماسيات في الاتحاد الأوروبي.
***

محمد بلوط – السفير

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى