عالم ما بعد كورونا غير: ماذا عن لبنان؟

تحت عنوان عالم ما بعد كورونا غير: ماذا عن لبنان؟، كتب عبد الكافي الصمد في “سفير الشمال”: ستطوى صفحة فيروس كورونا يوما، غداً أو بعد أيّام أو اسابيع، أو حتى أشهر؛ فهذا الفيروس اللعين الذي حجر أكثر من نصف سكان العالم في بيوتهم وألزمهم عدم الخروج منها، لن يدوم إلى الأبد، وسينتهي كما انتهت قبله موجات سابقة من الفيروسات والأوبئة التي أبادت آلاف وملايين السكان في مختلف أصقاع الأرض.

غير أنّ ما تجمع عليه مختلف الأوساط ليس الإقتناع بنهاية فيروس كورونا، بل إن هناك شبه إجماع على أنّ ما قبل كورونا لن يكون كما بعده، وأنّ متغيّرات جذرية وهائلة سيشهدها العالم في مرحلة ما بعد كورونا، وأنّ هذه المتغيرات ستشمل كلّ شيء تقريباً، وأن عالماً جديداً سيظهر وقد بدأت بعض ملامحه بالبزوغ.

فقد بات الكلّ متيقناً أنّ المتغيرات ستكون شاملة. في السياسة لن يكون عالم ما بعد كورونا واقعاً تحت هيمنة قطب واحد هو الولايات المتحدة، بل سيظهر عالم متعدد الأقطاب.

إقتصادياً تشير التوقعات إلى أن القطاعات الإنتاجية ستشهد تحولاً، منها ما سوف يتراجع ومنها سيستمر حاضراً وسيتطور، بينما يتوقع أن تظهر وتولد قطاعات إنتاجية جديدة. أما تربوياً وعلمياً فإن التطورات التي شهدها قطاع التعليم، شكلاً ومضموناً، ستجعله بعد كورونا مختلفاً. بينما تشير أغلب التوقعات إجتماعياً الى أنّ المتغيرات الأساسية ستكون في هذا المجال، وأنّ علاقات الناس في ما بينهم ستؤثر في المرحلة المقبلة بعد كورونا، كما علاقة السلطة بالمواطنين، فضلاً عن علاقات الدول في ما بينها، وأن انماطاً جديدة من العلاقات والعيش والأطباع سترسم عوالم السنوات المقبلة.

ما يعنينا من كل ذلك هو ما سيحصل في لبنان، فأسئلة كثيرة تطرح في هذا المجال، وعلامات إستفهام عديدة وكبيرة ترسم محاولة معرفة حجم التغيير الذي يمكن أن يشهده لبنان، سياسياً وإقتصادياً وتربوياً وإجتماعياً، وهل أنّ هذا التغيير سيكون شكلياً أو جذرياً، وهل سيكون شاملاً أم أنه سيقتصر على أن يكون جزئياً وصغيراً، وهل أنه سيكون نحو الأفضل أم العكس؟

لقد أثبت فيروس كورونا أن القطاعين الصحّي والزراعي هما القطاعان الأكثر حاجة للناس وقت الأزمات، من أجل تأمين الإستشفاء والغذاء، وعليهما يمكن لأي مجتمع أو دولة الصمود والبقاء، أو الإنهيار والفناء، وأن القطاعات الأخرى كالصناعة والخدمات والسياحة وغيرها لا يمكن لها تعويض الخسائر الكبيرة التي يمنى بها أي بلد، ولا مساعدتهم في مواجهة الأزمات، وهو أمر أثبتت صحّته تجربة فيروس كورونا الأخيرة.

هذا يجعلنا نصل إلى بيت القصيد، وطرح الأسئلة المشروعة والحرجة، وأبرزها هل أن لبنان ما بعد كورونا ستبقى طبقته السياسية الحاكمة كما هي، أم ستتغير، وهل أنّ نظامه الإقتصادي المليء بالثغرات سيظلّ قائماً، وهل أن قطاعات الزراعة والإستشفاء والتعليم ستبقى تدور في حلقاتها المفرغة، وكذلك قطاعات الصناعة والسياحة والخدمات، بلا أي مراجعة نقدية للمرحلة السابقة، بعدما ثبت أن الأدوات والأساليب والقوانين والتشريعات الحالية، التي أكل الدهر عليها وشرب، لا يمكن لها التعايش ولا العيش مع عالم ما بعد كورونا، لا داخلياً ولا إقليميا ولا على الصعيد العالمي؟

هذه الأسئلة ذاتها تطرح في طرابلس والشمال، إنّما مع بعض الخصوصية، وهي أسئلة مقلقة ومصيرية بسبب تفشي الجوع والفقر والبطالة في الشمال وعاصمته، وفي ضوء الإجابة عنها يمكن تلمّس المرحلة المقبلة وإعطاء تصوّر واضح عنها، وإذا كان من المبكّر الإجابة عنها حالياً، فإنّ هذه الأسئلة باتت تطرق أبواب الجميع وبعنف، وعدم الرد عليها يعني إما أنّ هذه الأبواب قوية ومتينة بحيث من الصعب اقتحامها، وإما أنها هشّة وحان وقت خلعها وكسرها ولو بالقوة.

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى