عشر سنوات على ثورة اللؤلؤة

أكثر من عشر سنوات مرت على ذكرى بدء الانتفاضة الشعبية والاحتجاجات منذ عام 2011، والمعارضة البحرينية مستمرة في حراكها السلمي والمطالبة بالتحول الديمقراطي والملكية الدستورية، قابلتها سلطات آل خليفة بممارسة أبشع أنواع القمع ضد المحتجين، وللأسف فالإعلام المأجور يعمل على التستر عن الجرائم التي يرتكبها حكام البحرين بحق المتظاهرين العزل والسلميين، وتواجه المنامة انتقادات حقوقية، بسبب تنفيذ أحكام إعدام خارج نطاق القضاء، وانتزاع اعترافات من متهمين تحت وطأة التعذيب، وانتهاك الكرامة الإنسانية للمحتجزين في السجون البحرينية، بحسب منظمات حقوقية. وتشن السلطات البحرينية حملة ضد رجال الدين الشيعة ومؤسسات حقوقية وجمعيات معارضة، منذ أن اندلعت في البلاد احتجاجات شعبية تطالب بإصلاحات في نظام الحكم، وفي هذا السياق، أصدر الملك حمد بن عيسى آل خليفة في يونيو/حزيران 2016، قانونا يمنع أعضاء الجمعيات السياسية من اعتلاء المنبر الديني أو الاشتغال بالوعظ والإرشاد والخطابة ولو بدون أجر، كما صادق في أبريل/نيسان 2017، على تعديل خاص بدستور البلاد يتعلق بالقضاء العسكري، اعتبرته المعارضة البحرينية توسيعا من صلاحيات القضاء العسكري في البلاد.

إنّ الحراك في البحرين يعتبر من أقدم الظواهر السياسية في الخليج، وما يجري في البحرين من حراك شعبي متواصل منذ أكثر من عشر سنوات، يدلل بوضوح على المخزون النضالي الذي يختزنه شعب البحرين، الذي صقلته تجربة نضالية سلمية، تهدف إلى بناء دولة يتساوى فيها جميع مواطنيها في الحقوق والواجبات ويتمتعون بالكرامة، دولة ديمقراطية تقوم على ما تفرزه وتقره صناديق الاقتراع، لكن الحكومة البحرينية تعاملت مع هذا الحراك السلمي بسياسة القبضة الحديدية والعقاب الجماعي، رغم مشروعية مطالب هذا الحراك، واستقدمت في تعاطيها مع هذه المطالب بمنظومة من الأكاذيب والتلفيقات والتبريرات والحجج الواهية التي لا تستند إلى أي مقوم منطقي أو أخلاقي أو عقلاني، متهمة المعارضة بأنها تخدم أجندة خارجية، محوّلة المطالب المحقة إلى مسألة مذهبية، لتقوم بحملة من الاعتقالات العشوائية والمطاردات والملاحقات للناشطين السياسيين.

ثورة البحرين - ثورة 14 فبراير

فبعد تفجر ثورة 14 فبراير / شباط عام 2011 في البحرين، شعر النظام السعودي بخطورتها على أمنه الخاص، وقال يومها نايف بن عبد العزيز (الرجل الأقوى آنذاك): إن أمن البحرين من أمن الرياض… وبهذا حدد طبيعة مستوى التعامل مع مطالب شعب البحرين، التي كانت تصرّ على السلمية والمطالبة بالحقوق بشكل حضاري، لكنّ النظام البحرينيّ أغلق أذنيه، في بلاد تحكم عائلياً، حيث تمتلك العائلة الوطن ملكية خاصة، وتحتكر الممتلكات والثروات وتتقاسمها بين أسرة آل خليفة. ولعل ما يقوم به حمد ليس جديداً، فقد عزز آل خليفة بعد أن استقروا في البحرين مطلع القرن الـ18 سياسة الانقسام واستولوا على الأراضي من أصحابها الأصليين، ولا تزال إلى اليوم مناصب حكومية رفيعة المستوى تُمنح بشكل غير متناسب لأفراد أسرة آل خليفة وغيرهم من الموالين لهم، ولا يزال آل خليفة يحافظون على التقاليد التي تتسم بالتمييز عندما كانت البحرين محمية بريطانية والتي يأتي على رأسها الاعتماد في عمليات التجنيد على الغرباء، حيث يعتمدون في عمليات الدفاع على الأجانب المجنسون، في حين يُحرم البحرينيون من حقهم في الدفاع عن بلادهم.

لقد جاهدت عائلة بني خليفة لفرض فرز مدني على أساس طائفي ومذهبي بين السكان البحرينيين الذي أصبح لب وصلب الحكم الاستبدادي لبني خليفة، وبالرغم من وجود أغلبية سكانية لفئة طائفية معينة والتي استطاعت الحصول على 65 في المائة من مقاعد البرلمان، والفوز بأغلبية الأصوات، إلا أن هؤلاء مازالوا يواجهون اضطهاداً صارخاً وحرماناً كبيراً وواسعاً في الامتيازات العامة والحقوق المشروعة، فمن غير المسموح لهم العمل في قطاعي الشرطة والجيش، ومفاصل الحكم الأساسية، وذلك بسبب عدم انتمائهم لطائفة العائلة الحاكمة نفسها.

في البحرين أعراض تُنتهك ومدن وقرى وأحياء تُستباح وبيوت تُدمر عن بكرة أبيها ورجال ونساء وأطفال يُقتلون بمختلف أنواع الأسلحة المحرمة وجثث يُمثل بها وشبان يُزجون بالمعتقلات ويتعرضون لشتى صنوف التعذيب الوحشي، ذنبهم الوحيد أنهم طالبوا بإصلاحات سياسية وقضائية، ولكن ذنبهم الأكبر أنهم خرجوا بشيبهم وشبابهم بنسائهم وأطفالهم وهتفوا بالحرية والكرامة والعدالة الإنسانية، وكانت جريمتهم التي لا تغتفر أنهم قالوا لا للظلم والديكتاتورية، لا للعنصرية والشوفينية. وفي هذا السياق، قالت منظمة العفو الدولية، إن اشتداد وطأة الظلم الممنهج في البحرين، بعد مرور عشرة أعوام على الانتفاضة الشعبية، والقمع السياسي الذي استهدف المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان ورجال الدين وجمعيات المجتمع المدني المستقلة قد أغلق فعلياً أي مجال أمام الممارسة السلمية للحق في حرية التعبير أو مُباشَرة النضال السلمي.

وقالت لين معلوف، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، “إن التغييرات الهيكلية التي شهدتها البحرين منذ 2011 كانت فقد حُظِرَت الأحزاب المعارِضة، وأغلَقت القوانين الجديدة المزيد من مساحات المُشارَكة السياسية. كما أن قادة احتجاجات 2011 لا يزالون يرزحون تحت أوضاع مزرية بالسجون، ودأبت السلطات على الدوس على حقوق الإنسان، بشكل اعتيادي، بما في ذلك الحق في حرية التعبير. وأضافت لين معلوف قائلة: إن دولة البحرين قد سحقت الآمال والتوقعات التي رفعتها الاحتجاجات الحاشدة في 2011، إذ لجأت إلى القمع الغاشم على مدى العقد اللاحق، نتيجة هذه الاحتجاجات، وسهَّل الصمت المشين لحلفاء البحرين من دول الغرب استمرار هذا الوضع، لا سيما المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.” واختمت لين معلوف قائلة: “إن مصير دوار اللؤلؤة يُمثِّل محاولة الحكومة البحرينية لكبت ذكرى الاحتجاجات بل ومحوها أيضاً، فما كان يوماً ما موقعاً للتجمع السلمي، تملَؤُه آمال وتَّطلُّعات إلى الارتقاء بأوضاع البلاد، صار الآن محض طرق أسفلتية ومنشآت خرسانية”.

للأسف الشديد، إنّ انتفاضة شعب البحرين لا سند لها، ولا دعم، ولا رعاة، ولا تشملها مبادىء حقوق الشعوب في التحرر من الاستبداد، وديمقراطية صناديق الاقتراع، والمساواة بين المواطنين… فقط: لأنها تقع قرب آبار النفط، وقواعد الاحتلال الأمريكي، وتهدد في حال انتصار شعبها هذه المصالح التي لا تقبل التسامح، فلا إنسانية، ولا إجماع دولي! فالمجتمع الدولي يتفرج على الشعب البحريني وحقوقه تنتهك، وهو بذلك يمارس النفاق بأسوأ أشكاله بسكوته عما يجري في البحرين من قتل وتعذيب وسجن واعتقال ومطاردات وانتهاك لحرمة المنازل، طالت حتى الأطفال الأبرياء… ولتأكيد المؤكد، فقد طالبت منظمة “أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين”، الحكومة البحرينية بوقف التعرض للأطفال ولحقوقهم عبر إعطائهم الجنسية وجواز السفر البحرينيين، ووقف التعرض لجميع الناشطين السلميين المعارضين عبر إعلان براءتهم من جميع التهم المفبركة الموجهة إليهم، وتعويضهم عن جميع الانتهاكات التي تعرضوا وعائلاتهم لها.

في البحرين ثورة شعبية سلمية مطلبية محقة، تحاول جهات عدة التغطية على مجرياتها ووقائعها وأحداثها. في البحرين ثورة شعبية سلمية، لم تعد مجدية محاولات قمعها أو التغطية عليها وحرفها عن مسارها ومصيرها، أو التخفيف من وقع تأثيرها المتزايد على محيطها الخليجي، فالشعب البحريني بكل شرائحه، سيثبت أنه أقوى من كل هذه الأساليب، ومن كل محاولاتهم البائسة، وسيتمكن من رسم مستقبله وتحقيق حلمه في الحرية والديمقراطية والعدالة، طال أمد ثورته أم قصر، ومهما اشتد بطش النظام وداعميه. وما يدعو للحسرة، أننا نكاد لا نقع في العديد من وسائل الإعلام والفضائيات، التي أخذت على عاتقها رعاية ما يسمى بالربيع العربي، على خبر أو تحليل أو معلومة مهمة لما يجري في البحرين، وكأنه غير موجود، في حين تسلط الأضواء الكاشفة على ما يحصل في بعض البلدان العربية الأخرى، بل تعقد الندوات وجلسات الحوار، وتدفع الأموال، وتجري المطالبات بالتدخل الدولي والأجنبي.‏ فقط حراك شعب البحرين، أو انتفاضته، لم تحظ بعناية الفضائيات (العربية)، وفضائيات الديمقراطيات الغربية، المعنية بحقوق الإنسان، والحريات، وحق التظاهر، وصناديق الاقتراع!

ثورة البحرين - ثورة 14 فبراير

بكل الأحوال البحرين ليست بحاجة إلى حملة دعائية من قبل الحكومة وأبرز مؤيديها الذين يعلنون ”الوحدة” لأن ذلك ليس أكثر من مجرد ممارسة للعلاقات العامة لتخطي مسألة نظام سياسي غارق في الفوضى وعدم الاستقرار. ومن المؤكد أن مطالب البحرينيين بالإصلاح والديمقراطية ليست هي من دفع البحرين نحو الهاوية، بل حكم آل خليفة المغرق في القمع والتمييز ”الفئوي” وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى كارثة إن استمرت أساليب قمعهم. ونحن بدورنا نقول إن الأصل في انتفاضة وثورة الشعب في البحرين مسألة سياسية، ولا يمكن أن تحل إلا بحل سياسي سلمي، وديمقراطي، وأن المواطنين في البحرين هم في الأصل مواطنون بحرانيون عرب أولا وقبل كل شيء، لا يغير من ذلك انتماؤهم لهذا المذهب أو ذاك.

خلاصة الكلام: كربلاء الحسين (ع) هي الأصل وكربلاء البحرين هي الفرع، والثانية بين طياتها الجارية فضحت الجميع، منها شخصيات فكرية وعلمائية وسياسية وثقافية وإعلامية، وكذلك على مستوى الدول والهيئات الإعلامية والدينية، وغير ذلك من التجمعات الرسمية والأهلية على المستوى الإسلامي والعربي والعالمي، وسوف تستمر قضية الشعب البحريني المظلوم في فضح الكذابين والمدلسين والمزورين من زمرة ما يسمون برجال الدين والمفكرين الإسلاميين… لأنها وبكل بساطة أصبحت مقياس ومعيار قيمي وأخلاقي وإنساني للصراع بين الحق والباطل.

ثورة البحرين - ثورة 14 فبراير

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى