عقل بن سلمان المحشور في صندوق امريكي مُحكم!

ماذا يهمنا من سقوط ترامب، وصعود بايدن؟ ماذا سيتغير في امريكا؟ ماذا سيتحول في العالم؟ ماذا سيتغير في الشرق الأوسط؟ أين نحن في مهلكة بن سلمان من هذه التحولات؟

من المؤكد بما لا يمكن الشكّ فيه: أن أمريكا الى انحدار من الناحية الاستراتيجية و أن فايروس كورونا، والانتخابات الأمريكية، أضعفت من جهة أمريكا (والأهم نموذجها الخدمي والسياسي والقيمي)؛ وأيضاً جعلتها لاحقة لـ (الصين) في مجال التقدم الاقتصادي والتكنولوجيي والاستراتيجي، الانحدار الأمريكي كان مشهوداً منذ سنوات، وقد جاءت الدولة العميقة الأمريكية لإيقاف هذا الإنحدار، حتى وإن كان بمخالفة أنظمة وقوانين دولية تمّ فرضها فيما بعد الحرب العالمية الثانية وترامب، في نهاية المطاف، أركسها وسرّع في انحداره، ويمكن القول ان محمد بن سلمان يمثل تجربة مشابهة!

مجيء بايدن الى السلطة لن يغيّر من واقع الفاصلة الاقتصادية والتكنولوجية بين الصين وامريكا (لصالح الصين)؛ ولن يمنع انحدار امريكا استراتيجياً على مستوى العالم. وليس بمقدور بايدن اعتماد ذات السياسة الترامبية (عقوبات/ ومخالفة الاتفاقيات الدولية/ وعنتريات قوة وتهديدات) لتقليص الفاصلة وحتى لو اعتمد بايدن ذات السياسة الترامبية، او بعضها، فذلك لن يغير من واقع الحال، سينشغل بايدن بمداواة الانشقاق الاجتماعي والسياسي الضخم والعميق في امريكا. فحتى بنية الهيكل السياسي الأمريكي تضررت بشكل كبير بسبب ترامب.

المداواة للجراحات قد تستغرق طيلة فترة رئاسته وقد لا ينجح بايدن الا جزئياً في معالجة الانشقاق الاجتماعي والسياسي، اي في توحيد أمريكا مجدداً حول فكرة، او حول شعار، او يعيد الثقة شبه المنعدمة بين الحزبين الحاكمين. قد تستمر المراشقات. قد تُنتج الترامبية حزبا جديداً بشخصية جديدة تواصل معركة المؤسس (ترامب): ابنته مثلاً، أو غيرها! المعركة الأخرى التي على بايدن النجاح فيها، ومن شبه المؤكد أنه لن ينجح فيها الا بشكل محدود، هي المعركة الاقتصادية والخدمية واصلاح البنية التحتية، وايجاد قوانين جديدة لـ (ما بعد كورونا، وما بعد ترامب، وما بعد تفوق الصين). لا المناخ السياسي ملائم جداً، ولا الصين تباطأ تقدّمها السريع ،الفكرة المسيطرة على النخبة الأمريكية هي (مواجهة الصين) بكل الوسائل. فكرة تدمير الآخر او اضعاف تقدمه، بعد ان فشلت تجربة منافسته وفق القوانين الدولية. بايدن سيعمد الى اصلاح العلاقة مع اوروبا، فبدونها لا يمكن ايقاف الزحف الصيني الاقتصادي، وتداعياته. وهذه ستكون أهم خطواته الأولى ،الخطوة التالية، اضافة الى اعتماد بعض السياسات الحمائية التي اعتمدها ترامب، سيكون بايدن اكثر هدوءً وصخباً في مواجهة الصين، سيواصل بايدن محاصرة الصين بتشكيل اعدته الدولة العميقة نفذ بومبيو جزء منه: تشكيل حلف ياباني اندونيسي كوري جنوبي تايواني استرالي.

الأرجح انه يبحث عن حلّ مع ايران، واذا كان غير مستعجل لذلك، فإيران ايضاً ليست في عجلة من امرها، وهي التي تدرك العجز والضعف الأمريكي، وستزيد نفوذها دون خشية كبيرة في النووي وغيره.تُقدّر الفجوة التقنية والاقتصادية بين الصين والغرب .

كل هذا لا يحل مشكلة البديل. فأمريكا عاجزة عن توفير البديل الصيني.بقيت الاتفاقيات الدولية، وأهمها اتفاق منظمة التجارة العالمية. وقد حاول ترامب عدم الاعتناء بها، وفرض ضرائب ثقيلة على بعض المنتوجات الصينية، ردت عليها الصين بالمثل او اقل من المثل.. لكن ذلك لم يؤدّ الى اضعاف الصين، بل اكتشفت امريكا ان كثيرا من المنتجات الصينية لا بديل لها امريكيا!

من وضع القوانين الدولية ـ على مقاسه ـ بعد الحرب العالمية الثانية في شتى المجالات، وجد الآن انها لا تفيده، وأنه يجب التخلص منها. هذا ما فعلته ادارة ترامب، وبنحو اقل اواخر عهد اوباما. لكن التخلي عن هذه المنظومة يدل على ان العالم تغيّر، وبعد غزوة ترامب للكابيتول بعض الدول كالسعودية، تعيش عالمها الخاص بهالا تدري ما يجري حولها، ولا ترى الهاً غير حاكم امريكا

السعودية ترى الصين قوية اقتصاديا، وتسيء تقديرها استراتيجيا. يظنّ الغرّ بن سلمان ، ان الإله الأمريكي لا يضعف ولا يتغير. وأن الكون متوقّف على امريكا، وأن لا أحد يستطيع منافستها او مواجهتها. ومثل بن سلمان خياراته محدودة بسبب هذه الرؤية العمياء المحدودة. التحولات الاستراتيجية لا يمكن مواجهتها بسياسات تكتيكية، بل يجب ان تكون من جنسها. والمتضرّر استراتيجياً، لا تفيد معه (التحاميل) والانتصارات التكتيكية، هذا اذا حدثت اصلاً ومن لديه عمى استراتيجي، كـ بن سلمان ونخبة الحكم المُسعوَد، لا يمكنه ان يحجز مقعداً بين المؤثرين مستقبلاً البتة! لهذا أتوقع ان تكون السعودية في حال ردّ فعل في السنوات القادمة ستتخذ مواقف دفاعية، في كل الجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية. فمن لا رؤية له، لا وسيلة له سوى ردود الافعال، وليس المبادرات!

دور السعودية في سنوات حكم بايدن (او حتى غيره ولو كان ترامب نفسه) الى انحدار و ستحمل الرياض اعباءها على أكتاف البغل وحده، في اليمن و تستنجد بایقاف الحرب، وفي الشؤون الداخلية، وفي الصراع الاقليمي عديم الجدوى، وفي التطبيع. ستقدم تنازلات جمّه، ولن تستطيع مجاراة تركيا او ايران، الذين تشي خطواتهم كلها بقراءة صحيحة للأوضاع الاستراتيجية العالمية. ولا يفيدها حلفاً عديم الجدوى، بل مكلفاً، مع الكيان الصهيوني. المعادلات الاستراتيجية الدولية، تؤثر في القوى الاقليمية، وستجعل من التطبيع ضعيف او عديم القيمة حتى للصهاينة انفسهم السعودية بحاجة الى عقل يفكر خارج الصندوق، وليس الى بغلٍ هو وعقله محشوران في صندوق امريكي مُحكم.

في السنوات الأربع القادمة، سيكتشف بن سلمان انه اخطأ في حرب اليمن. وأخطأ في ديمومة النزاع مع ايران. وأخطأ استراتيجياً في الانحباس في قنوات واشنطن، وسيكتشف ان العالم ذاهب الى مكان آخر غير الذي يقصده هو، وأن السعودية العظمى مجرد شعار ما يأكل عيش، ولا يصنع دول بل ولا يحميها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى