عملية الدرع الواقي الإسرائيلية 2002 بين دمار نابلس وردود المنظمات الدولية

هي نابلس التي تمتاز بموقعها الجغرافي والواقع ضمن إقليم المرتفعات الجبلية الوسطى، بين جبل عيبال من الناحية الشمالية ومن الناحية الجنوبية جبل جرزيم، بحكم واقعها الجغرافي الطبوغرافي فإن مداخل المدينة محدودة للغاية، من الناحية الشرقية وهو من جهة حوارة باتجاه مدينة نابلس ومن الناحية الغربية أو الشمالية الغربية هناك مدخل بيت ايبا ومن الناحية الغربية هناك المدخل من منطقة قلقيلية.

عملية الدرع الواقي الإسرائيلية 2002 بين دمار نابلس وردود المنظمات الدولية
عملية الدرع الواقي الإسرائيلية 2002 بين دمار نابلس وردود المنظمات الدولية

في عرض لبعض من الأهمية التاريخية لمدينة نابلس، وبعض من جرائم المحتل الإسرائيلي عليها 2002، فهي أكثر المدن الفلسطينية تعرضًا للحصار والضربات العسكرية من قبل الجيش الإسرائيلي خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية ابتداءً من العام 2000. أدى الحصار المستمر للمدينة وصعوبة تبادل البضائع إلى تدهور مكانة المدينة كمركز اقتصادي، وأدى إلى ارتفاع نسب البطالة بشكل كبير، مما أدى إلى هجرة العديد من سكانها إلى الخارج أو إلى مدن أخرى خاصة رام الله.

تصف إسرائيل المدينة بأنها “مصنع للإرهابيين”، وقامت قوات الجيش الإسرائيلي بعدة عمليات عسكرية واسعة النطاق في المدينة أو عمليات شملت عدة مناطق من ضمنها مدينة نابلس من أشهرها عملية الدرع الواقي عام 2002 وذلك نتيجة عدد الاستشهاديين الذين خرجوا منها.

نعم تشكل نابلس عقدة مواصلات والتي تصل مدن شمال الضفة الغربية مع جنوبها مما مكن الجيش الإسرائيلي من تخصيص عدد قليل من نقاط السيطرة على هذه السفوح للسيطرة التامة على المدينة. لذلك كانت نابلس الأكثر تضرراً من بين المحافظات الفلسطينية على صعيد الخسائر الاقتصادية حيث سجلت 2630 منشأة غير عاملة من بين العدد الكلي للمنشآت (17,167) أو ما نسبته 15% من المنشآت فيها وفق نتائج تعداد 2007، وهذه أعلى نسبة سجلت في فلسطين. تعود أهمية الدراسة نحو توضيح ما شكله اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلية لمدينة نابلس من إختراقًا للقوانين الدولية وحقوق الإنسان وكافة الإتفاقيات المُبرمة مع السلطة الوطنية الفلسطينية.

  • عملية الدرع الواقي

هي عملية قامت بها القوات الإسرائيلية بضرب المدن الفلسطينية؛ بدأت إسرائيل العملية في 29 مارس/ آذار من العام 2002 وانتهت في تموز/ يوليو 2002، وحشدت لها 30 ألف جندي. وصلت الأمور لرئيس وزراء الكيان الإسرائيلي آنذاك ارائيل شارون، فهو من اعطى الضوء الأخضر لبدء العملية العسكرية لضرب المدن الفلسطينية. انطلاق العملية في بداية العملية العسكرية قامت القوات الإسرائيلية بالتوغل في المدن الفلسطينينة في الضفة الغربية وخصوصًا مدينة طولكرم والتي أشعلت شرارة الحرب، اضافة لمدن نابلس وجنين ورام الله والبيرة، اثر اقتحام مدينة رام الله فرض الجيش الإسرائيلي حصار على مقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات المعروف بالمقاطعة وبقي الرئيس الفلسطيني محاصر في المقاطعة حتى اخر ايام حياته ولم يسمح له بالخروج الا للسفر لتلقي العلاج.

إثر العملية العسكرية قام الجيش الإسرائيلي باحتلال معظم مدن الضفة الغربية، وكان من اهداف هذه الحملة انهاء العمليات الاستشهادية داخل اسرئيل لكن طوال فترة العملية العسكرية لم تنجح العملية بشكل ملحوظ في خفض عددها، وأيضًا بعد انتهاء العملية العسكرية وانسحاب الجيش الإسرائيلي شرعت الحكومة الإسرائيلية ببناء الجدار العازل. مثلث الرعب والعملية أصعب العمليات العسكرية كانت في مدن مثلث الرعب (طولكرم وجنين ونابلس)؛ فكانت المجازر في المدن الثلاث ومخيماتها.

  • الجرائم الإسرائيلية في نابلس

هدمت قوات الإحتلال الإسرائيلي 91 منزلًا بشكل كامل و64 منزلًا هدمًا جزئيًا في المحافظة، وتم حصر الأضرار كاملة والتي تقدر بـ(أربعة ملايين دولار أمريكي)، وأن الحكومة الفلسطينية لم تدفع قيمة هذه التعويضات حتى اليوم وتدمير مبنى محافظة نابلس والأجهزة الأمنية والمؤسسات الوزارية. وبلغ عدد الشهداء 70 من المقاتلين الفلسطينيين وثمانية مدنيين، بينما قتل ضابط واحد على الأقل من جيش الاحتلال الإسرائيلي بنيران صديقة.

لقد ارتكب جيش الكيان الإسرائيلي الكثير من الإنتهاكات ضد الضحايا والجرحى، بمنع سيارات الإسعاف من الوصول إليهم داخل البلدة القديمة وذلك لنقلهم إلى مستشفى خارجها، مما أدى إلى تحويل جامع البيك كمستشفى ميداني لإحتصانهم. أما الطريقة التي أخرج بها المصابون من البلدة القديمة حتى شارع فلسطين فكان مشيًا على الأقدام أكثر من 3كم فوق الركام لنقلهم إلى سيارات الأسعاف، ولم تسلم طواقم الأسعاف من سيارات ومستشفيات مدنية تم أنشائها في البلدة أثناء الإجتياح من جيش الكيان الإسرائيلي، فقد تم قصف ديوان آل الخياط والذي تحول إلى مستشفى ميداني.

ميزان القوة من ناحية الفلسطينيين كان يوجد في البلدة القديمة 1000 مسلح، مسلحين بـ(بنادق كلاشنكوف وبنادق أم_16) وبعض الالغام العبوات الناسفة محلية الصنع, أما الإسرائيليين حشدوا 5000 جندي و400 دبابة و70 طائرة مقاتلة.

تعرضت الحمامات التركية العامة والتي شُيدت في فترة العهد العثماني إلى عمليات تخريب، وفي مقدمتها حمام الشفاء الذي يقع وسط البلدة القديمة في شارع النصر والذي شيد عام 1722 حيث قصف القسم الشمالي الشرقي من قاعة الاستحمام بصواريخ طائرات الاحتلال، الأمر الذي أحدث فتحات وتصدعات في الأسقف والجدران. وأُلحق الدمار أيضًا بالصبانات والتي يعود تاريخ بنائها إلى أكثر من 250 عامًا والتي بلغ عددها في نهاية القرن التاسع عشر 30 صبانة، وشكلت صادرات الصابون النابلسي 36,2% من صادرات المدينة.

استهدفت القوات الإسرائيلية مئات المحال التجارية والأسواق التاريخية في البلدة القديمة، سواء كان ذلك بقصفها من الصواريخ من الطائرات الحربية أو بالقذائف، أو باستخدام الجرافات أو اللجوء إلى إحراقها أو اختراق جدرانها، للانتقال من مكان لآخر. وقد أسفرت علميات القصف والتجريف والتفجير إلى إلحاق أضرار جسيمة بمنازل البلدة القديمة التاريخية، التي طالت 40% منها فقط في نيسان 2002، حيث كانت أغلب هذه المنازل في حارة الياسمينة والقريون والشيخ مسلم والفقوس والحبلة.

لقد تم تدمير شبكات المياه والكهرباء والأتصالات وتجريف وتخريب الشوارع والأرصفة في جميع أنحاء المدينة. ولم تسلم دور العبادة سواء كانت إسلامية أو مسيحية من عدوان جيش الاحتلال الإسرائيلي أثناء اقتحامه المتكرر والمتواصل للبلدة القديمة في مدينة نابلس فهناك عدد من المساجد والكنائس التاريخية التي تعود نشأتها إلى مئات السنين قد اعتدى عليها فدمرت أو دمر أجزاء منها أو عبث بمحتوياتها أكثر من مرة واحدة حسب ما جاء في تقارير دائرة الآثار في محافظة نابلس وتقارير مديرية أوقاف نابلس.

في 8 أبريل/ نيسان 2002 هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي جدار جامع الخضراء الغربي بالإضافة للمدخل الرئيسي وكذلك جزء من السقف، والذي يُعد أقدم جامع في مدينة نابلس. وحطم جنود الاحتلال عامود رخام في المدخل الشرقي لالجامع الصلاحي الكبير وباب المئذنة والباب الشمالي وتم إتلاف المكتبة الخاصة بالمسجد وكذلك تحطيم زجاج الشبابيك، وكذلك مسجد النصر، المسجد الحنبلي، جامع الأنبياء، جامع الساطون. واستخدمت الطواقم الطبية مسجد البيك كمستشفى ميداني لصعوبة الوصول إلى داخل البلدة القديمة في ظل اجتياحها فسقط بالأيام الأولى للاجتياح 87 شهيدًا و360 جريحًا، وقد أقتحموا جنود الإحتلال الإسرائيلي المسجد بتاريخ 8 أبريل 2002 ومره أخرى 15 حزيران/ يونيو 2004 وأجرت قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجيرات أدت إلى تحطيم أبواب وشبابيك ومصابيح المسجد وأثاث المكتبة وتحطيم بعض لوحات آيات قرآنية فوق المحراب وتم اقتحام الطابق العلوي وتم العبث بالخزائن التي تحتوي كتب ومصاحف، الأمر الذي جعل دائرة الأوقاف تغلق المسجد أمام المصلين.

تم تدمير متحف القصبة التاريخي وبعض من محتواياته وسرقة بعضها المتعلقة بالتاريخ النابلسي، وأكمل جيش الاحتلال الإسرائيلي هدمه أثناء اجتياحه مدينة نابلس خلال عملية الدرع الواقي عام 2002، وعملت بلدية نابلس على إعادة ترميمه داخل البلدة القديمة، استغرقت نحو ثمان سنوات منذ عام 2004 وابتدأت بإزالة الركام ثم إعادة رفع المباني وإظهارها وخاصة الواجهات الكبيرة وتنظيفها. ويضم الآن عشر غرف فندقية، إضافة لصالة عرض والساحة الكبيرة التي تنطلق منها كافة الأنشطة الثقافية والتراثية كونه يشكل معلمًا سياحيًا واقتصاديًا قلّ نظيره جاذبًا السياح أليه وخصوصًا الأجانب.

  • ردود أفعال المنظمات الدولية

لجنة التراث العالمي: لقد أدانت ما تقوم به إسرائيل من عمليات تدمير للتراث العالمي والإنساني في مدينة نابلس في أعقاب اجتياح نيسان 2002 لكنها لم تتخذ أي إجراءات تأديبية بحق إسرائيل. ووفقًا لليونسكو قد تضررت مئات من المباني، 64 تضررت بشدة، 17 منها كانت ذات “أهمية تراثية خاصة”، بما في ذلك قصر عبد الهادي وتم تدمير 4 مباني بشكلً تام.

منظمة الأمم المتحدة: ذكر كوفي عنان في تقريره المعد بناء على قرار الجمعية العامة دإط-10/10 المتخذ في 7 أيار 2002 وطلبت الجمعية منه إعداد هذا التقرير في أعقاب حل فريق تقصي الحقائق التابع للأمم المتحدة الذي شكله الأمين العام تلبية لقرار مجلس الأمن 1405 في 19 أبريل 2002. تضمن البند 33 والبند 77 «نجم عن عملية الدرع الواقي دمارًا واسع النطاق في الممتلكات الفلسطينية والعامة وأصيبت نابلس بأضرار بالغة بصفة خاصة لا سيما البلدة القديمة التي كانت تحوي الكثير من المباني ذات الأهمية الثقافية والدينية والتاريخية، التي ساهمت اليونسكو في ترميمها جُزئيًا».

منظمة العفو الدولية: ذكرت في تقريرها لعام 2003 بأنه لم يكن هناك ضرورات عسكرية لتدمير المباني التاريخية والدينية في نابلس وفي تقريرها لعام 2004 أكدت المنظمة بأن هناك استخدام لكميات هائلة من المتفجرات لهدم المنازل الأمر الذي ألحق أضرارا بالمنازل المجاورة ولم يكن الجيش الإسرائيلي عادة يمنح السكان مهلة من الوقت لجمع أمتعتهم قبل تدمير منازلهم.

البنك الدولي: قدر تكلفة إعادة إعمار مدينة نابلس وحدها في أعقاب اجتياح نيسان 2002 بحوالي 110 مليون دولار أمريكي، وذكرت بأن هذه التكاليف تمثل أكثر من ثلث مجموع تكاليف إعادة إعمار جميع المدن الفلسطينية التي تضررت في عملية الدرع الواقي.

بواسطة
محمد عبدالرحمن عريف
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى