عندما تختلط الحقيقة التشريعية بالخلفية السياسية.. تسقط العجلة

في الجلسة النيابية التي عقدت في الاونيسكو بظروف استثنائية برزت مؤشرات سياسية ودلالات جديرة بالتوقف عندها. فسجلت أوساط نيابية بداية ملاحظة تصفها بالجوهرية على المسار الذي حكم هذه الجلسة، إذ أنها ضمت جدول أعمال من 66 بنداً توزعت على موضوعات كثيرة، شتتت القدرة على التركيز وفرضت إيقاعاً متسارعا في النقاشات بلغ أحيانا حد الفوضى، وأحيانا أخرى اضطرابا عبر العديد من النواب عن تذمرهم حياله.

ويقول هؤلاء إنه كان من الأجدر التركيز في الجلسة على اقتراحات ومشاريع القوانين التي تتسم بالأولوية والضرورة وتحديداً ما يتصل بوباء كورونا ومعالجة الأوضاع المالية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد وما يتصل بقضايا الفساد. ولم يكن ضرورياً أبداً أن ينشغل البرلمان في هذه اللحظة الراهنة في أية موضوعات أخرى حتى لو كانت ناضجة تشريعيا ومنجزة على مستوى اللجان.

لم يكن مفهوماً، بحسب الأوساط نفسها، أن يترك مشروع القانون الذي تقدم به الرئيس حسان دياب من خارج جدول الأعمال بطلب 1200 مليار لمؤازرة القطاعات المنتجة وصغار المزارعين، إلى اللحظة الأخيرة مع فقدان النصاب، وتشير الاوساط بدهشة الى أن نواب الحزب التقدمي الاشتراكي وتيار “المستقبل” بادروا إلى تطيير النصاب وعلت أصواتهم منبهة رئيس الجلسة نبيه بري بأن النصاب مفقود. فكان المشهد جلياً من الناحية السياسية، بمعنى أن القوى المعارضة للحكومة لا تريد أن تمنحها فرصة ثمينة في التقدم بخطوة لمواجهة الأزمة، من دون أن يكترث هذا الفريق بتعقيدات الواقع المالي والمعيشي وما يفرضه من ضرورات لتجاوز الحساسيات الداخلية، علماً أن نوابا من الاشتراكي و”المستقبل” يدحضون ما سبق ذكره، لجهة أنهم ليسوا من طير النصاب بدليل أنهم كانوا داخل القاعة العامة في الاونيسكو، وجل ما قاموا به أنهم لفتوا نظر الرئيس بري إلى ان لا نصاب يتيح التشريع والتصويت،عندها رفعت الجلسة من قبل رئيس المجلس الذي لا احد يفرض عليه شيئاً .

لقد بدا أن “الاشتراكي” و”القوات” والنواب الذين يصنفون أنفسهم بالداعمين للحراك، في حالة انسجام موضوعي، فقد قاربوا موضوعات إشكالية وشديدة الحساسية برؤية مشتركة، وهذا ما حصل عند التصويت على الاقتراح الذي تقدم به النائب سامي الجميل بتقصير ولاية المجلس النيابي، وعند مناقشة الاقتراح الذي تقدمت به النائب بولا يعقوبيان ويتصل بايقاف الاعمال في سد بسري، وفي هذا السياق لم يكن مفهوما، بحسب الاوساط، تصويت النائبين الياس بوصعب من تكتل “لبنان القوي” وعدنان طرابلس من اللقاء التشاوري إلى جانب المطالبة بتقصير ولاية المجلس.

لم تكن مواقف كتلة “الوفاء للمقاومة” و”التيار الوطني الحر” في حالة الانسجام المعهودة، اذ أن كتلة “لبنان القوي” لم تصوت إلى جانب كتلة “الوفاء” حول صفة العجلة لاقتراح القانون الذي يقضي بمحاكمة الوزراء امام القضاء العدلي المقدم من النائبين حسن فضل الله وهاني قبيسي، كما ان نواب “حزب الله” لم يكونوا منسجمين مع موقف النواب البرتقاليين لجهة الطلب باعتماد إضافي للمستشفيات؛ وفي مطلق الاحوال، اصيبت امس محاولات إحداث نقلة نوعية في ملف مكافحة الفساد بنكسة حقيقية، إذ أن عدم تصويت الأكثرية على صفة العجلة على اقتراح فضل الله وقبيسي، لا ينحصر بالاعتراض على صفة العجلة إنما يطال الموضوع برمته؛ فكتلتا “المستقبل” و”لبنان القوي” لديهما اعتراض مبدئي على الموضوع ويعتبران أن الاقتراح يحتاج إلى تعديل دستوري ولا يوافقان على المخرج الذي يقضي بممارسة البرلمان لدوره في تفسير الدستور أو في معالجة الامر في إطار قانون.

ولا يخفي تيار “المستقبل” اعتراضه السياسي على الاقتراح كما ورد في مداخلة النائب محمد الحجار خشية أن تستعاد تجربة التسعينيات مع الرئيس فؤاد السنيورة عندما جرت إحالته إلى المحاكمة في موضوع محرقة برج حمود، والذي جرى انقاذه عندما احيل الملف إلى محكمة التمييز التي قضت بعدم صلاحية القضاء العدلي للنظر في محاكمة الوزراء؛ لذلك ربط نواب كتلة التيار الازرق هذا الأمر اولا وقبل اي شيء آخر بضرورة أن يتوفر قضاء مستقل، علماً أنه من المتعارف عليه أن “المستقبل” هو الاكثر نفوذاً في الوسط القضائي.

إن القسم الاكبر من الاقتراحات المعجلة المكررة التي تقدم بها النواب جرت اعادتها إلى اللجان المختصة بهدف دراستها، بما فيها اقتراحات تتضمن أموراً حساسة مثل الاثراء غير المشروع ورفع السرية المصرفية ورفع الحصانات عن الرؤساء والوزراء وكلها امور ملحة، لكن لا يمكن نقاشها تشريعيا واقرارها بصورة عاجلة بمادة وحيدة، علما أن الحقيقة التشريعية تختلط بالخلفية السياسية لتكشف في واقع الامر مدى التعقيدات الحادة التي تحكم علاقات المكونات السياسية ببعضها البعض رغم حراجة الظروف غير المسبوقة التي يعيشها.

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى