عودة الدور الأمريكي الى ليبيا

بدأت الإدارة الأمريكية الجديدة تعمل على جميع المحاور لإستعادة هيبتة أمريكا ونفوذها الذي أهدره الرئيس السابق دونالد ترامب . وكان ذلك تحديداً في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، وهو ما سبب تصدعاً كبيراً في البناء السياسي والإستراتيجي الذي تقيمه الإمبراطورية الأمريكية منذ أسقطت الإتحاد السوفييتي .

ورغم الأهمية الشديدة للجغرافيا الليبية إلا أن إدارة ترامب لم تكن تعبأ بالصراع هناك ، وتركت لاعبين من آسيا وأوربا يشغلون الفراغ . وقد أكدت أمريكا عودتها لإدارة الملف الليبي من خلال عدة رسائل ، كان من أهمها موقفها في إجتماع مجلس الأمن حول يوم الخميس 28 يناير 2021 ، حيث كان الموقف الأمريكي هو مطالبة كل الأطراف بالبدء فوراً في سحب القوات المسلحة والمرتزقة من ليبيا . وهي رسالة من الإدارة الأمريكية الجديدة لجميع اللاعبين ، بأن يحترموا السيادة الليبية . وهذا الموقف ليس مجرد موقفاً دبلوماسياً نمطياً ، حيث يتزامن مع تحول أمريكي حاد فيما يخص الأزمة الليبية والشرق الأوسط بعامة ، لإصلاح ما أفسدته إدارة ترامب في المنطقة ، وتركها ليبيا فريسة للطامحين في روسيا وتركيا وأوروبا ، وكانت مواقفها من ليبيا ضبابية وغامضة . حتى وصلت أعداد المرتزقة والعسكريين الأجانب في ليبيا إلى 20000 حسب تقديرات الأمم المتحدة في ديسمبر 2020 . والتي أحصت 10 قواعد عسكرية تأوي قوات أجنبية في البلاد .

والواضح أن الإدارة الأمريكية الحالية تعمل على إعادة الملف الليبي إلى سلم أولوياتها ، وسوف تستند إلى الموقف الأممي من ليبيا واتفاق وقف إطلاق النار في 23 أكتوبر 2020 ، والذي أكد على وحدة الأراضي الليبية وحماية حدودها بحراً وبراً وجواً . وعدم ترك القرار الوطني ومقدرات البلاد في قوى خارجية . وقد ترددت تقارير بأنه يجري الآن إعادة خطوط الإتصال بين القيادات الليبية ودوائر صنع القرار الأمريكي ، حيث توقفت أثناء فترة الرئيس السابق ترامب ، ومن المتوقع أن تتراجع أهمية الجنرال خليفة حفتر .

وربما كان تعليق صفقة الطائرات إف – 35 مع الإمارات ضغطاً عليها بسبب وجودها في ليبيا . أما مصر فهي تحاول الآن التواصل مع حكومة الوفاق الوطني في غرب ليبيا ، وإحتضنت القاهرة جلسات الحوار بين فرقاء الأزمة الليبية وتوشك أن تتخلى عن رجلها في شرق ليبيا الجنرال خليفة حفتر .

  • الأهمية الجيوإستراتيجية لليبيا :

يمتد الساحل الليبي لألفي كيلو متر تشغل معظم الضفة الجنوبية للبحر المتوسط ، وهي نقطة إلتقاء بين أوروبا المتوسط والوطن العربي وإفريقيا . وبإمكان من يسيطر على ليبيا أن يهدد أمن واستقرار كل هذه الدوائر ، هذا عدا الثروة النفطية الليبية الهائلة . ومن هنا فالصراع على ليبيا لن يكون سهلاً ، والمؤكد أن تنسحب مصر والإمارات ، وأن تشاكس روسيا وتركيا .

  • الوجود الروسي في ليبيا :

تسعى القيادة الروسية إلى بناء عالم متعدد الأقطاب ، يكون لها فيه دور مركزي . ويحتاج هذا إلى تحدي النفوذ الأمريكي ، من خلال السيطرة على منطقة أوراسيا ومنطقة الشرق الأوسط وصولاً إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط . وبعد أن إستقر لها الوضع في سوريا تطلعت إلى ليبيا لتحقيق الأهداف الآتية :

  1. من خلال ليبيا تستطيع روسيا تأمين أكثر من مركز قيادة وسيطرة للوحدات البحرية التابعة لها في البحر المتوسط ، كما توفر لها ليبيا محطة لإمداد السفن الروسية في البحر المتوسط ، وهو ما يجعل لها سلطاناً في أوروبا وإفريقيا ، وتشكل الموانئ البحرية الليبية في طبرق ودرنة مركزاً لوجيستياً وجيواستراتيجياً للقوة البحرية الروسية يربطها بطرطوس السورية .
  2. بسيطرة روسيا على ليبيا ستسيطر على طريق اللاجئين لأوروبا ، وبالتالي تمتلك ورقة ضغط على أوروبا .
  3. تأمين مصالحها في سوريا واستخدام ورقة ليبيا للمقايضات السياسية ، خاصة أن القوى العظمى موجودة في الملفين السوري والليبي معاً .

لكل هذه الأسباب تدخلت روسيا ودعمت الإنقلاب على حكومة فايز السراج المعترف بها دولياً ، وهو الدعم الذي ظهر للعالم بعد 2017 ، حيث قدمت خدمات لوجيستية لقوات حفتر ، ثم أرسلت إليه مقاتلين مسلحين بواسطة شركات عسكرية خاصة أشهرها شركة فاجنر .

وقد إستفادت روسيا من موقف مصر والإمارات المعادي لحكومة الوفاق لكونها إمتداداً لثورات الربيع العربي ، واستفادت أيضاً من ضعف الدور الأوروبي وغموض الدور الأمريكي . وقد كشف خبراء أممين في مايو 2020 عن إستجابة الطرف الروسي لطلبات حفتر والمتمثلة في :

  • تقديم التوصيات لتعزيز نفوذه وتزويده بتحليل سياسي للأوضاع إلى جانب دعمه إعلامياً .
  • إجراء مفاوضات سرية بين حفتر وأطراف ليبية أخرى مثل سيف افسلام القذافي .
  • تقديم دعم عسكري وفني لحفتر يتمثل في صيانة 536 مركبة عسكرية .

والخلاصة أن روسيا حافظت في ليبيا على وجود سياسي بشكل مباشر ووجوداً عسكرياً بشكل غير مباشر كونه يفتقد الشرعية . والهدف في النهاية هو مواصلة العمل على إستعادة الدور الدولي على حساب نفوذ أمريكا وريادتها العالمية .

  • الوجود التركي في ليبيا :

كانت حكومة الوفاق وتركيا قد وقعتا في نوفمبر 2019 مذكرة للتفاهم الأمني والعسكري . وفي يناير 2020 صادق البرلمان التركي خلال جلسة طارئة على مشروع قرار يسمح بإرسال قوات إلى ليبيا . وهي الخطوة التي غيرت موازين القوة العسكرية على الأرض لصالح قوات الوفاق في مواجهة جيش حفتر . وبهذا صنعت تركيا لنفسها موطئ قدم في منطقتي شرق المتوسط وشمال إفريقيا . كما أنها كسرت الحصار المضروب عليها من التحالف المصري اليوناني القبرصي ، والذي حرمها من ترسيم الحدود لتفقد مياهها الإقتصادية في المتوسط وهي المتخمة بحقول الغاز . وتوفر ليبيا لتركيا مصالح إقتصادية هائلة ، من خلال السيطرة على آبار النفط والغاز في الشرق ، ومواصلة البحث عن اليورانيوم والذهب في الجنوب . وتستغل تركيا ميزتها الأيديولوجية هناك لتتخذ من ليبيا قاعدة لإعادة الخلافة العثمانية ، من خلال القوى الإسلامية الموالية لها في ليبيا والمغرب العربي وشمال إفريقيا .

  • الموقف الأمريكي :

تدرك جميع الأطراف أن عودة الحضور الأمريكي للساحة الليبية ممكنة في أي وقت وستغير قواعد اللعبة تماما . والإدارة الأمريكية الجديدة لم تضيع الوقت وتستعيد الآن زمام المبادرة للسيطرة على المشهد الليبي ، مستندة إلى الشرعية الدولية كما أسلفنا . ويرجح ألا تسمح أمريكا بزيادة الحضور العسكري الروسي أو التركي في ليبيا ، لأن ذلك يؤدي كما قلنا للسيطرة على طريق الهجرة الدولية لأوروبا ، والتحكم في النفط الليبي والسيطرة على البحر المتوسط ، وزيادة الحضور في شمال إفريقيا . كما أن سيطرة روسيا على النفط الليبي سيزيد من نفوذها في أوروبا كمصدر رئيسي للغاز ، وهذا يلقي معارضة أمريكية شديدة ، وهناك عقوبات مفروضة على الشركات المساهمة في بناء خط أنبوب الغاز الروسي “نورد ستريم 2” . كما أن سيطرة روسيا على الغاز الليبي سوف تخنق أوروبا من الجنوب . وهذا يناقض أساس الهيمنة الإمبريالية الأمريكية على العالم . حيث لابد لأمريكا أن تسيطر على أوراسيا (أوروبا وآسيا) فتلك هي منطقة ظهور الإمبراطوريات على مدى التاريخ . وهي لا تزال تحتفظ بأهميتها ، فيعيش فيها 75 % من سكان العالم ، ويوجد بها ثلاثة أرباع موارد الطاقة الموجودة في العالم وتستحوز على 60 % من إجمالي الدخل السنوي للعالم . وبها أقوى 6 إقتصادات وأكثر 6 دول إنفاقاً على التسليح . وكذلك كل الدول النووية المعلنة في العالم – عدا واحدة – موجودة أيضاً في أوراسيا . وهو ما يجعل قوة أوراسيا تفوق بكثير قوة الولايات المتحدة الأمريكية .

وعليه فإن أوراسيا يجب أن تبقى محور وبؤرة إهتمام أمريكا لمنع ظهور قوة أورواسيوية مسيطرة أو منافسة ، تحد من قدرة أمريكا على ممارسة السيادة العالمية . ولكي تنفرد أمريكا بالسيادة العالمية لابد لها من الإحتفاظ بقاعدتها في أوروبا ، وإذا إنتهى وجود أمريكا في أوروبا فسوف تنتهي أوتوماتيكياً الهيمنة الأمريكية على العالم . ووفق هذه الحقائق فأن أمريكا لا تملك التخلى عن ليبيا لقوى أخرى منافسة سواء أوروبية أو آسيوية . حيث من يتحكم في ليبيا سيمكنه كما تقدم خنق أوروبا والتأثير على تموضع أمريكا العسكري على القارة الأوروبية . وتلك هي نهاية أمريكا كإمبراطورية ، ومن هنا تأتي أهمية الملف الليبي والتي ستدفع جو بايدن للسيطرة على الخلاف بين الفرقاء وإنجاح جهود الأمم المتحدة .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى