عُنفُ الانسانِ لاعنفُ الاديانِ

يثيرُ باحثونَ غربيونَ اهتمُّوا بدراسةِ الاديانِ ، دعوى ، انَّ العُنفَ مُكَوِّنٌ اساس في تركيبةِ الدينِ ، وجزءٌ لايتجزأ من نسيجهِ ، وانَّ العنفَ منذُ فجرِ التأريخِ ، ارتبطَ ارتباطاً وثيقاً بالدين. ومنَ الذينَ تبَنَوا هذا القولَ عالم الاحياء ريتشارد دوكنز (Richard Dawkins) ، الذي رفضَ فكرةَ الاعتدالِ في الدينِ ؛ لانَّ الدينَ المُعتدلَ في نظره وان لم يفعل العنفَ ولكنه يمَهد الطريق له . (1)

وهذه النظرةُ غيرُ المُنصِفةِ للدينِ ، شجبها باحثون غربيون اخرون ، منهم الباحثةُ “كارين ارمسترونج” ، وهي تناقش مقولة انَّ : ( الدين سببُ كلِّ عنفٍ) ، وتقول: ( انني اسمعُ المقولةَ المُتَكررةَ بأنَّ الدينَ كان هو السبب في جميعِ الحروبِ الكُبرى في التأريخِ). وتضيفُ قائلةً : ( لقد سمعتُ هذهِ الجملةَ تُتلى مِراراً كَما تُتلى التَعاويذُ ، جملةٌ تَتَرددُ بواسطة محطات التلفاز والاذاعة الامريكية ، والاطباء النفسيين ، بل يقولها سائقو سيارات الاجرةِ في لندن قبلَ اكاديمييّ أكسفورد .  انَّ هذهِ العبارةَ الرائجةَ تثيرُ الاستغرابَ! اليس من الواضحِ أنَّ الحربين العالَميتين لم تقوما بسببٍ دينيٍّ ؟! ).(2) ، وعزت كارين ارمسترونج العنفَ الموجودَ فينا الى طبيعتنا البشريةِ ، وطبيعةِ الدولةِ ، ورفضت ان يكون الدينُ سبباً لهذا العنف اذ تقول: ( انَّ مشكلةَ العُنف لاتكمنُ في النشاطِ المُتَعَدِدِ الوجوهِ للدينِ، وانما سَبَبُهُ كامنٌ في قلبِ طبيعتِنا البشريّةِ وَطبيعةِ الدولةِ) .(3)

ومن الباحثينَ المتخصصين الذينَ رفضوا مقولةَ انَّ الدينَ سببٌ للعنفِ وتأجيج معظم الصراعات في تأريخ البشر، وليام كافانو ، استاذ اللاهوتِ في جامعةِ دي بول الامريكيّة ؛ اذ يقول في كتابه (اسطورة العنف الديني) : ( تُعتَبرُ الفكرةُ القائلةُ بأنَّ الدينَ يُسببُ العنفَ واحدةً من اكثرِ الاساطيرِ رواجاً في الثقافةِ الغربيّةِِ . فبدايةً من طلابِ الجامعةِ في عامِهم الدراسيِّ الاول ووصولاً الى المتحدثينَ في وسائل الاعلام تنتشرُ وجهةُ النظرِ هذهِ : ان لم يكُن الدينُ يسببُ العنفَ ، فهو -على اقل تقدير- عاملٌ مساهمٌ واساس في تأجيجِ معظمِ الصراعاتِ في التأريخِ البشريِّ) .

واعتبرَ البير كامو انّ جذور العنف تقبعُ في داخلِنا ، يقول البير كامو في هذا المجالِ:(اعتدنا أن نسألَ : اينَ تعيشُ الحربُ؟ ولماذا تنتشرُ الحروبُ بهذا الشكل؟! ولكننا الان ندرك أينَ تَسكُنُ الحربُ؟ ، انها تسكُنُ داخل نفوسنا) . (5)

ويرى عالم النفس النمساوي (سيجموند فرويد) ، انَّ العنفّ لدى الانسان فطرةٌ مزروعةٌ في لاوعي الانسانِ بالطبيعةِ ، واعتقد بانَّ استخدامَ العنف يكاد يكون ضرورياً من اجل تحقيقِ حياة افضل للانسان) . (6)

وكذلك رفض الباحث والاقتصادي الهنديُّ الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1998، (امارتيا صن ) فكرة الربط بين الدين والعنف.

العنف عنف الانسان

العنف وبذوره موجودة في اعماق النفس البشرية ، موجودةٌ كاستعدادات قابلة للنمو والتفجر اذا وجدت ظروفاً ملائمةً ، وهذا ماأشار اليه الباحث الالماني (يان اسمان) ، المهتم بدراسة التأريخِ والاثار بقوله : ( العنفُ وليدُ طُموحاتٍ انسانيّة وليسَ متأصِلاً في الدينِ ، رغم تسجيل ظهور تياراتٍ متطرفةٍ في تأريخِ الاديان السماوية الثلاثة ) .

ويرى البروفسور في اللاهوت المسيحي “جورج عوض” ، ان النصوص لاتقتل ، اي ليست هي المحرضة على القتل ، وانما القراءات هي القاتلة ، وعبارته بالدقة هي : ( الكتُبُ لاتقتُلُ ، القراءُ يفعلون ذلك) . ويرى الدالاي لاما الزعيم الروحي للتبت ، بعد استنكاره لهجمات الرهبان البوذيين على المسلمين في ميانمار اذ يقول: ( ان القتل باسم الدين شيءٌ لايمكنُ قبولُهُ ، وان السبب الاساس للصراع في ميانمار الذي يتخذّ مظهراً طائفياً ، هو سياسيٌّ وليسَ روحياً ) .

وانَّنِي قبل ان أقرأ لهؤلاء المفكرين وجهات نظرهم في أنَّ العنفَ كامنٌ في النفس البشريةِ ، ادركتُ ذلك بالتأملِ في قصة ابني ادم اللذين عاشا في ظلِّ ادم النبيّ ، ولم تكن هناك مؤثرات بيئية ، ولامؤثرات اجتماعية ، تعلم منها قابيل جريمة القتل ، فلم يتشكل بعد مجتمع ، وتوصلت الى : “ان الجريمة يمكنُ ان تقعَ حتى لولم تكن هناك مؤثرات اجتماعيّة ، لان استعداداتها وبذورها موجودة في اعماق النفس ، والمؤثرات الاجتماعية تكون عواملَ مساعدة “.

وهذا مايؤكده قوله تعالى : ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ). سورة الشمس : الايات: 7و8و9

فالعنف هو عنف الانسان ضد اخيه الانسان ، وليس صحيحاً ان نلقي اللائمة على الاديان ونصوصها ، فالاسلام دين رحمة ، والمسيحية ديانة محبة ، وكل الديانات تدعو الى الحب ، فالنص الانجيلي يقول: ( احبوا اعداءكم ) ، في النص دعوة الى الحب ، وليس فيه تحريضٌ على العنف .

ونجد في النص القرآني : ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) . الممتحنة: 8. ، دعوة الى الرحمة والبر بالمختلفين معنا في الدين ، اذا لم يكونوا معتدين . ، والله تعالى يحذرنا من العدوان على الاخرين ، يقول الله تعالى : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ). البقرة : 190

فالانسانُ هو مصدرُ العُنفِ لا النصوص الدينيّة ؛ لان الانسان هو الذي يحرّفُ النص من اجل الاهواء والمصالح ، وهو الذي يفسر النص ويمارس عملية تأويل النصوص ، وهو الذي يقرأ النصوص . المشكلة ليست في النص الديني ، وانما في الانسان الذي يقرأ الدينَ قراءةً مشوهةً ، ويمارس التأويل الفاسد ، ويلوي عنقَ النصوصَ لتنسجمَ مع رغباته ومصالحه.

مصادر البحث

  1. كتاب (وهم الاله) ، ريتشارد دوكنز .
  2. كارين ارمسترونج ، حقول الدم: الدين وتأريخ العنف.
  3. نفس المصدر السابق.
  4. وليام كافانو ، اسطورة العنف الديني : الايدلوجيا العلمانيّة وجذور الصراع.
  5. Greg Cashman,what causes war?
  6. كارين ارمسترونج ، حقول الدم : الدين وتأريخُ العنف.
  7. سورة الشمس :(الايات : 7، 8، 9) .
  8. سورة الممتحنة : الاية : 8 .
  9. البقرة : الاية : 190

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى