فرع المعلومات يُغضب القاضي صوان.. تجاوزوا صلاحياته!

كتب رضوان مرتضى في “الأخبار”: وقع الخلاف بين المحقق العدلي في جريمة المرفأ، القاضي فادي صوّان، وبين فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي. خلفية الشقاق بين الفريقين تقرير أعدّه الفرع عن انفجار مرفأ بيروت اعتبره القاضي تجاوزاً لحدود صلاحيته. إذ إنّ «المعلومات»، وبعد تلخيص كلّ التحقيقات العدلية في قضية الباخرة روسوس وحمولة نيترات الأمونيوم التي كانت على متنها، وضع استنتاجات تُحدّد مسؤولية كل جهة ومشتبه فيه ومدّعى عليه. لم يكتف فرع المعلومات بذلك، إذ وضع مقترحات مرفقة بتساؤلات بشأن ثغرات لم يُجَب عليها خلال التحقيقات

 

لم تكد تنتهي تحقيقات الضابطة العدلية في جريمة انفجار المرفأ يوم 4 آب 2020، حتى عكف بضعة ضباطٍ من فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي على إعداد ملخّصٍ لجميع التحقيقات التي أُجريت بإشراف القضاء، لدى المباحث الجنائية المركزية والشرطة العسكرية والفرع نفسه، إضافة إلى الاستجوابات التي أجراها المحامي العام التمييزي، القاضي غسان خوري للموقوفين الرئيسيين في الملف. أعدّ ضباط الفرع تقريراً مفصّلاً من ٣٥٩ صفحة، اطّلعت عليه «الأخبار»، لخّصوا فيه التحقيقات، ثم وزّعوا فيه المسؤوليات والمخالفات على كل واحدٍ من المسؤولين والمشتبه فيهم. لم يرُق ذلك المحقق العدلي في الجريمة، القاضي فادي صوّان الذي اعتبر الملخص تدخّلاً في عمله وتجاوزاً لصلاحيات الضابطة العدلية. فالرأي المنقول عن القاضي يفيد بأن مهمة الضابطة العدلية «تنحصر في تنفيذ قرارات القضاء، لا أن يتحول الجهاز الأمني إلى مسيِّر للقاضي، ولا أن ينصّب المحققون العدليون أنفسهم قضاةً فيحمّلوا المسؤوليات لمن يريدون، ويبرّئون من يشاؤون». ما استفزّ القاضي صوان أيضاً ما ورد إليه من فرع المعلومات على شكل «توصيات» بالتوسع بالتحقيق مع مسؤول هنا أو استجواب مسؤول هناك. رأى صوان في ذلك، بحسب ما ينقل عنه زملاء له، «سعياً من فرع المعلومات إلى قلب الأدوار: بدل أن يكون الجهاز الأمني متلقّياً لإشارات القضاء لتحديد وجهة التحقيق، قرر الفرع أن يقوم بدور القاضي، ويعطي التوجيهات للمحقق العدلي».

 

بناءً على ما تقدّم، قرر صوّان مقاطعة فرع المعلومات منذ تلقّيه هذا الملخّص. لم يعد يرسل «استنابات» إلى الفرع، إلا نادراً. وإذا أرسل له محققو «المعلومات» مراسلة بشأن معلومة ما، وأراد استكمال التحقيق بشأنها، فإن صوّان يراسل استخبارات الجيش للتدقيق فيها.

 

هنا ينقسم القضاة بين من يعتبر أن ملخّص التحقيق الذي أرسله «المعلومات» «جُهدٌ مساعد للقاضي الذي يعمل منفرداً، بينما الجهاز الأمني يملك الضباط والعناصر الذين يوحّدون جهودهم ليُقدّموه للقاضي. في المقابل، يعترض قضاة آخرون على هذا النوع من الملخّصات، فهو، إن لم يكن محايداً، قد يؤدي دوراً في حرف التحقيق وتوجيهه.

الأمنيون يبرّئون ساحتهم، ويعتبرون أنهم يقومون بجهد إضافي من أجل تسهيل عمل القاضي، «علماً بأنه يحق له تجاهل ما نرسله له، ونحن نعرف أن له الكلمة الأولى والأخيرة في التحقيقات، لكننا نأخذ بالحسبان أن القاضي يعمل وحيداً، ونحن نسعى لتقديم يد العون له قدر استطاعتنا». ويلفت الأمنيون إلى أن ملخص تحقيق المرفأ «ليس الأول الذي يُعدّه ضباط الفرع. فقد سبق أن أعدّوا ملخّصاً عن التحقيقات في أحداث قبرشمون. كما أعدّوا ملخّصاً مشابهاً في قضية تلفيق تهمة التعامل مع العدو الإسرائيلي للممثّل زياد عيتاني. ولم يُثر ذلك حفيظة قضاة التحقيق آنذاك لكونه جهداً إضافياً بُذل ولا يُلزم القاضي في شيء، بل عملٌ تطوّعي يُعرَض على القاضي كمقترحٍ للاستئناس وله ألا يأخُذ به».

 

ماذا في تقرير المعلومات؟

في التقرير الذي أغضب صوان، انطلق ضباط فرع المعلومات من تضارب المعلومات الأولية بشأن أسباب الانفجار بين قائل بقيام العدوّ الإسرائيلي باستهداف المرفأ بقصفٍ جوي أو حصول عمل إرهابي أو انفجار مخزن للمفرقعات النارية الكبيرة أو انفجار مواد كيماوية، قبل أن يخلصوا إلى أنّ تقاطع المعلومات بيّن أنّه ناتجٌ من حريق أدى إلى انفجار نيترات الأمونيوم التي صودرت عام ٢٠١٤ في مرفأ بيروت. أعاد التقرير الذي اطّلعت عليه «الأخبار» رسم معالم مرفأ بيروت إثر حصول الانفجار، قبل أن يغوص مجدداً بإفادات معظم الموقوفين في الملف. وحدد المحققون سيناريو اليوم المشؤوم لجهة دور كل من المشتبه فيهم، معززين ذلك بصور لكاميرات المراقبة. وحرص المحققون على تحديد النقاط الأساسية في إفادة كل موقوف، مع الإشارة إلى موطن التناقض بين إفادة وأخرى. على سبيل المثال، نفى صاحب شركة شبلي للتعهدات والصيانة، التي تولّت أعمال التلحيم في العنبر الرقم 12، ما ورد في إفادتَي موقوفين آخرين لجهة إعلامه بأنّ العنبر الرقم ١٢ يحتوي على مواد كيميائية متفجّرة شديدة الخطورة وطلبهما منه توخّي الحذر، مؤكداً أنّه لو علِم لكان رفض القيام بالأعمال.

 

خلُص المحققون إلى أن التحقيقات مع العمال الذين أجروا أعمال التلحيم، والعيّنات التي رُفعت من مسرح الجريمة، تؤكد نظرية تطاير شرارة نيران دخلت إلى العنبر وأحدثت الحريق الذي تسبب بالانفجار الذي تلاه. ورأى المحققون أنّ أعمال التلحيم كانت قريبة من حاويات النايلون السميك الحاملة لنيترات الأمونيوم، مشيرين إلى أنّه أثناء عملية التلحيم التي جرت من الخارج، كان الباب مغلقاً بشكل يتعذّر معه تأكد القائم بالتلحيم من تطاير شرارات النار إلى الداخل، علماً بأنّ تلحيم الفتحات كان على ارتفاع ٥٠ سنتم عن مستوى الأرض. وذكر المحققون أنّ الباب يرتفع عن الأرض بين 5 سنتم و10 سنتم، ما لا يسمح للقائم بالتلحيم من إطفاء أي شرارات تتطاير إلى الداخل لتعذّر الرؤية، ليخلصوا إلى أنّ شرارات النار هذه وصلت إلى الأكياس البلاستيكية. حصلت بعدها عملية امتصاص بطيء للأوكسيجين استغرقت وقتاً لتُحدث ناراً ودخاناً، ما أدى إلى نفاد الأوكسيجين من العنبر، إضافة إلى اشتعال المفرقعات النارية. بدأ بعدها زجاج العنبر العلوي بالتحطّم ليدخل الأوكسيجين بكميات أكبر، ما أدى إلى اكتمال عملية الاحتراق. يُضاف إلى ذلك الحرارة العالية ووجود الزيوت والمواد الملتهبة ونيترات الأمونيوم التي انتقلت من الاحتراق إلى التفجّر. وذكر التقرير أنّ فتح عناصر فوج إطفاء بيروت باب العنبر سمح بدخول كمية كبيرة من الأوكسيجين، لتؤدي الى حصول انفجار أحدث الدمار الهائل. وساعد في ذلك وجود أطنان خمسة من الكافيين والشاي الناعم والزيوت.

وتضمن التقرير تحليلاً للانفجار ومراحله.

 

كيف وزّع “المعلومات” المسؤوليات؟

تضمّن تقرير فرع المعلومات عشرات الأسئلة حيال المخالفات المرتكبة من قبل الموظفين والمديرين العامين. عاد المحققون إلى القوانين والمهام الملقاة على عاتق كل موظف من موظفي المرفأ لتحديد مسؤولية كل واحد منهم، معتبرين أنّ المسؤوليات توزّع تباعاً. فرأوا أنّه ثبت من خلال المراسلات والتحقيقات أنّ رئيس «اللجنة المؤقتة لهيئة إدارة واستثمار مرفأ بيروت» وجميع الموظفين العاملين تحت إمرته من الذين لهم علاقة ومسؤولية عن العنابر، وتحديداً العنبر الرقم 12، كانوا على معرفة ودراية كاملة بمدى خطورة هذه المواد منذ فترة تزيد على ست سنوات. كذلك المدير العام لـ«مديرية النقل البري والبحري في وزارة الأشغال العامة» وجميع العاملين في المديرية، لكون اللجنة المؤقتة تتبع لهذه المديرية تسلسلاً وكونها قامت بتوجيه عدة مراسلات إلى هيئة القضايا في وزارة العدل بصورة مباشرة وعبر وزير الأشغال منذ العام 2014 لغاية العام 2018 تطلب فيها بيع المواد بالمزاد العلني أو إعادة تصديرها. وذكر في المراسلات أن هذه المواد شديدة الخطورة وتشكل خطراً كبيراً على المرفأ ومحيطه، من دون متابعة مصير هذه المراسلات.

 

لقراءة المقال كاملا اضغط هنا

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى