فساد المال العام: رهينة نيابة عامة، بدولة الغيبوبة التامّة- أمين أبوراشد

محضر ضبط  بلدي “وقوف ممنوع”، وجدته إبنتي على سيارتها في إحدى بلدات المتن، وسألتني بعد ثلاثة أيام من ارتكاب المخالفة أين يتوجّب دفع هذا الضبط، لأننا والحمدلله لسنا من أصحاب السوابق والمخالفات.

إتصلنا بشرطة البلدية المعنية، ومن الشاويش الى قائد الشواويش، علمنا أن الضبط البلدي يُحال الى بعبدا في حال لم يُسدد خلال يوم أو يومين، واستوعبت ممن كان يشرح لي، بضع كلمات مؤداها، أن المسألة ترتبط بنيابة عامة وقاضٍ وجلسة ومحكمة و…، بما أني أشعر بإشمئزاز من كل دائرة حكومية، أوكلت الى معقّب معاملات أن يتولّى الموضوع كي لا تنتهي أبنتي أو أنا في رومية…

عيون اللبنانيين وعيون الكاميرات الإعلامية شاخصة هذه الأيام صوب البوابة الرئيسية لدارة المصيطبة، تراقب الداخلين والخارجين إضافة الى حركة الرئيس المكلّف وصعوده الى بعبدا ونزوله منها، بانتظار ملامح دخان أبيض يبشّر بولادة الحكومة، ليُستدعى الوزراء الى القصر لأخذ الصورة التذكارية بالبذلات البيضاء، ربما رمزاً للأمل أو التجدد أو الوعد الآتي على جناحي حمامة، علماً بأن الأبيض لون شفّاف لا يخفي بعض سوادٍ من ضمائر بعض المستوزرين من أصحاب السوابق النائمة قضاياهم في أدراج النيابة العامة المالية.

بعد الصورة التذكارية، تكليف لجنة مصغّرة لإعداد البيان الوزاري، ولا بأس من تصوير نسخ عن البيانات السابقة للإسترشاد بها واستكمال تنفيذ ما لم يتم تنفيذه من بنود، فيأتي البيان مطابقاً لما سبقه لأن الإنجازات كانت متواضعة وبارك الله بوزراء أنجزوا فعلاً أكثر من المتوقّع، ولا بارك بآخرين ممن نهبوا أكثر من المتوقع.

تسلّمٌ وتسليم بين السلف والخلف، السلف يعدّد الإنجازات المحقّقة والخلف يتعهّد و يعاهد باستكمال ما لم يتحقق مع وعود إضافية بتحقيق المزيد.
لم يسبق أن رأينا مدير عام وزارة أعدّ ما يُسمى “قطع حساب” أو ما يُعرف بالميزانية، لإطلاع الشعب الغفور بالأرقام على وضع كل وزارة، لأن مسألة الأرقام تثير حساسية الراحل والآتي في بعض الوزارات، ويبقى مدير عام الوزارة هو الوزير الفعلي و”بيروح وزير وبيجي وزير” والمدير العام حاكم بأمره وعلى إمارته أمير.

عسانا ننتهي من تشكيل الوزارة، لننتقل مع الكاميرات الإعلامية الى اجتماعات اللجنة المكلّفة بمناقشة قانون الإنتخاب الذي انتظره اللبنانيون خلال السنوات الأربع الماضية، ولم يتفرّغ النواب له سوى في اللحظات الأخيرة، لأن لا المؤتمن على الدستور مارس صلاحياته بالضغط لإنجازه، ولا أصحاب الشأن مضغوطون، ولا الشعب يُحسن ممارسة فعل أي شيء سوى تناول حبوب الضغط.

القاسم المشترك بين من يعملون على إعداد الطبخة الوزارية، أو إستيلاد قانون الإنتخابات النيابية، ملفات تضمّ إخبارات للنيابة العامة ليس بارتكاب مخالفة “وقوف ممنوع” بل مخالفة “عدم توقّف” عن السرقة والنهب والتزوير منذ تولوا الشأن العام وحتى اليوم، وسط نيابة عامة فاقدة للأهلية في دولة فاقدة لكل المعايير الأخلاقية.

الوزراء يتبادلون الحقائب وأرقام السيارات المخصّصة لأصحاب المعالي، والنواب من يُغادر منهم ساحة النجمة وكرسي النعمة يًسلم رقم سيارته المخصّص لأصحاب السعادة لمن يخلفه، وعفا الله عمّا مضى، فلا الشعب يُحاسب ولا الدولة تراقب ولا نيابة عامة سوى على “الوقوف الممنوع”.

يا دولة راحلة بوزرائها ونوابها، ويا دولة قادمة بوزرائها ونوابها، مشكلتنا نحن اللبنانيين أننا ندرك ماذا يحصل، ونميّز بين الأوادم والزعران، وبين من يحقّق إنجازات ومن “يحقّق” ارتكابات، لكن علّتنا أننا شعب مُسيّس، وغالبيتنا يقودها السائس بـ “الرَسَن”، نفحّ على بعضنا ونبخّ السموم، وهم على أجسادنا وأحلامنا ومستقبل أولادنا يستلمون وزارة ويسلمون وزارة، ويتبادلون كراسي النيابة بكل هالتها والنيابة العامة غير قادرة سوى على خالتها…

يا إبنتي، سامح الله والدي لأنه ربّاني وزاد العيار، وسامحني أنا لأني ربّيتكم وزِدتُ العيار، وإياك يا ابنتي الوقوف في مكان ممنوع، في بلدٍ العيش فيه لأمثالنا ممنوع…

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى