فلترَة …!

مع تقدم العمر ينضج الإنسان يوما بعد يوم, وينضج فكره وبصيرته وعقله ويقل تفكيره في الدنيا ويزيد تفكيره في الآخرة, ومع تقدم العمر تتراجع الأنانية لصالح اكتساب محبه الآخرين من حوله, ويخسر حاسة البصر لصالح قوة البصيرة وتتراجع نسبة قوته الجسدية لصالح قدراته الفكرية, ويختفي اللون الوردي من وجنتيه لتفوح رائحة الورود من كلماته, إذن مع تقدم العمر نحن لا نخسر بل نستبدل الخسائر بأرباح حقيقة باقية حتى لو أختفي وجودنا فيبقي الأثر باق فواح, دوما ما كنت اتساءل في ترحالي لماذا يحرص ركاب الطائرة الذين تجمعهم الأقدار في رحلة سفر أن يتعاملوا فيما بينهم بود ولطف ورقة وعطف متبادل ومجاملة وحرص على مشاعر الآخرين الذين تعرفوا عليهم في ترحالهم؟ فهل لانهم رفاق سفر ولان رحلتهم لن تطول سوي سويعات وفي نهاية المطاف سوف يذهب كل منهم الى وجهته؟ فاذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يهون رفاق رحلة الحياة على أنفسهم وعلى شركائهم متاعب السفر بنفس هذه الروح وبحسن المعاشرة وبالتعاطف المتبادل ورحلة الحياة مهما طالت!

فلترَة ...!

الكثير من الناس يعاني من فترات يشوبها كم من الضغوط النفسية أو الجسدية ولحظتها يشعر انه محتاج لعلاج نفسي وربما طبطبه وكلام طيب, وكم من الضغوطات التي تعرض لها بحياته ولكن للأسف الثقافة العربية تحيل بينه وبين العلاج فقد يتهم بالجنون فيغلق أبوابه عليه ويعدي بمراحل اكتئاب ويبقي منعزل صامت راضي بفترات النوم الطويلة والمسكنات وربما قد يفكر بالانتحار بدون أي مساندة من الناس الذين يعيشون معه أو حوله, فيقع وينكسر وقد تلف به الدنيا ويقوم بعد معاناه طويلة ومن غير أي أيدي حقيقية ممدودة تسنده وتساعده في محنته ساعتها سيعي أنه يجب عليه أن يتخلص من حزنه لوحدة ويجب أن يفلتر معظم الناس في حياته لكي لا يعود للحزن مره أخري, ويجب أن يعلم بأن مخالطته بالناس أعطته دروس وفوائد لأنه كشف عن ضعفه نقاط قوته في شخصيته وقد يتفاجأ انه تغير وانه لم يعد ذاك الشخص الذي يعرفه الناس قبل سنوات أو حتى أيام فبعض الناس يجعلونك أكثر صلابة والصلابة لا تعني القسوة، وإنما القدرة على النهوض عند الوقوع، فإذا استطعت أن تتعامل بهدوء واتزان مع بعض الناس فأنت تسير على طريق الحكمة ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً .

يقول المتنبي؛ جرح في ظهر الخيل تحت السراج متداري, لا الخيل تشكي و لا الخيال داري .هكذا تصرفات بعض البشر يسيئ إليك ولا يشعر بجرحك, فلا تستغرب من أشباه بعض الناس عندما تراهم في المجالس يتغامزون ويتلمزون ويسخرون ويضحكون على الناس وينشرون ما يدور في اللقاءات والجلسات، ولا تستغرب من مشهد عنف لأب يضرب ابنه الشاب أمام الجميع وعندما ينحرف يسأل لماذا وصل ابني إلى الانحراف، ولا تستغرب من تمييز بعض الآباء والأمهات في المعاملة، ولا تستغرب من أهواء بعض الناس وشخصنة كل مشكلة، ولا تستغرب من بعض الوجوه المصطنعة التي تحاول التسلق على أكتاف الآخرين وشعارهم أنا وبس وما بعدي الطوفان.

الطيور تأكل النمل، وعندما تموت فإن النمل يأكلها ,الظروف قد تتغير, فلا تقلل من شأن أحد, لقد قرأت عبارة تقول صاحبتها “لم أجهل الحقيقة يوماً، لكنني أمارس العمى باحتراف كي أعيش”، التجاهل هنا قد يخفف من صدمة الواقع الحالي وهو فن لا بد منه والإلمام به والتدريب عليه بما يسمي فن إدارة التجاهل ، ولكي نتجنب الألم علينا أن نتجاهل ونفلتر المواقف والأشخاص ونتخيل ونصدق الكذبة لكي نعيش بسلام وبدون توتر أو صراع نفسي داخلي, وعدم التركيز والتفكير في هذه الأمور فالتذمر والشكوى يزيدك ألما وتعبا أما التجاهل لها فيريح أعصابك ويمنحك طاقه لبقية يومك، حاول أن تتجاهل بعض المكدرات والسلبيات مثل سلوك فلان وكلام علان، وماذا كان يقصد بهذا الكلام فسترتاح, فأساس المشاكل وقطع العلاقات وشحن النفوس هي نقل الكلام !فكونوا “صم .. بكم .. عمي ” عن الشر، فهكذا تحسنون فالتجاهل إذا جاء من نفس راقية، ونفس واثقة مطمئنة، وكان مصدره القناعة، فإنه يدعو إلى التقارب بين الناس ويزيل الكثير من الخلافات بينهم وقليل من يتقن هذا الفن.

الثابت في النفس البشرية أنها تولد من «نبتة صالحة»، فرب العالمين لا يخلق الناس أشراراً ولا يخلقهم معدومي الصفات الطيبة أو متجردين من الإنسانية، يخلقهم في «أحسن تصوير»، ومن ثم الإنسان هو سيد قراره في حياته، لربما تؤثر فيه طريقة التربية، ومؤثرات البيئة من حوله لتحوله إما لشخص صالح أو آخر طالح, فقد تصادف في حياتك نوعين من البشر لكن غالبا انت تتعامل مع الصالحين والطالحين, فالصالح يضيف لحياتك مذاق خاص من الإيجابية والتفاؤل ويمكنك التعلم منهم والاقتاد بهم, والطالح كلما ابتعدت عنه كلما كانت حياتك أفضل وأجمل وأبهي , وأعلم انه من يتكلم خلفك قد يكون ضاراً لك في الدنياَ ولكن نافعاً لك في الآخرة فاذا أردت أن تعيش متوازنًا في حياتك تخلّص من الذين إذا احتاجوك وجدوك, وإذا احتجتهم لم تجدهم! واحرص كل الحرص على أن تكون صالحا في أخلاقك وسلوكياتك لا طالحا يدعو عليك الناس فان لم يكن أمامك فالتأكيد من وراء ظهرك, وكن إنسانا صاحب ضمير حي تسلم وتنعم.

تفاءل وابتسم للحياة ولكل ما هو حولك وأسعد نفسك بما تملكه ولا تفكر بما يقلقك فعطايا الله كثيرة وهباته لكل عبادة عظيمة, وعود نفسك على التجاهل فليس كل ما يقال يستحق الرد, وأعلم ان الكلمة الطيبة والأشخاص الطيبون قد يفعلون في الإنسان ما لا تفعله الأدوية القوية فاحرص على قربهم وحبهم وأعلم ان قمة الأناقة ليست بالهندام ولكن أن تكون نظيف القلب لا تؤذي أحد ولا تجرح أحد فشكرا لأصحاب الوجه الواحد والموقف الواحد والقلب الواحد, واعلم انه لا شيء يعادل النية الطيبة فافعل ما تشاء واتركهم يفهمونك كما يشائون , وصاحب من الناس كبار العقول واترك الجهال أهل الفضول.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: