فلنتوحّد خلف نعوش ضحايانا.

السفير

… وها هو التفجير الثاني، «المتوقع»، وفي الضاحية تحديداً.. بعد التفجير الأول في الأسبوع الماضي والذي أودى بحياة الوزير السابق محمد شطح ومجموعة من الفتية الذين تلتمع عيونهم بحب الحياة.

بعد الانفجار الأول، تتفجّر الاتهامات قوية كما العبوات الناسفة، فإذا ما وقع الانفجار الثاني انتبه الجميع إلى أنهم، على اختلاف انتماءاتهم وتوجّهاتهم، على قائمة الضحايا المحتملين.. لكن لا بدّ من تجاوز هذه الحقيقة حتى يمكن اســتثمار الدم المهدور.

تسير الجموع خلف النعوش، يتقدّمها خطاب الاتهام وتتبعها عيون تلتمع بالغضب: سننتقم من القتلة! والقتلة هم الذين هناك، في المقلب الآخر، هم «الآخرون».

تدوس الرغبة في الانتقام، انطلاقاً من الاتهام المسبق، على الحقيقة فتمزقها وتنثرها نتفاً، بحسب الأغراض، على «الخصوم» المحليين و«حلفائهم الإقليميين»، فتتكاثف الأحقاد مستولدة الرغبة في الانتقام، وتعلو الهتافات باللعنات والشتائم وأوصاف التحقير وإخراج «الطرف الآخر» من وطنيته ومن دينه وحتى من إنسانيته.

تستمرّ اللعبة الجهنمية: تقتل هنا لتستثير الشارع الثاني، هناك، ثم تقتل هناك لتستفزّ الشارع هنا.

وهكذا يزداد منسوب التطرف في هذا الاتجاه وذاك، وتتسع المساحة الفاصلة بين هنا وهناك، لتستوعب المزيد من الجرائم التي تستولد الغضب العارم الذي يعمي العيون ويضلل العقول عن «القاتل الواحد» الذي يضرب هنا ثم يضرب هناك ليقرب موعد الاشتباك التالي.ر

… وتضيع الدولة المشغولون قادتها باستثمار الدم في التمديد أو التجديد لهذا المسؤول أو تلك المؤسسة، أو لتشكيل «حكومة الضد» لمحاسبة «الآخرين» ومعاقبتهم بالإبعاد، بل العزل انتقاماً لدماء «شهدائنا» بهدر دماء «شهدائهم».

الإرهاب واحد مهما كانت مسميات المنفذين ـ الأدوات.. والضحية واحدة، مهما تعددت هويات الضحايا ومناطقهم ومللهم.. والهدف واحد، مهما تعدد «بنك الأهداف»، ألا وهو الفتنة التي لا تبقي ولا تَذَر.

لم ينجز اللبنانيون معايداتهم. كانوا يتمنون سنة جديدة أقل ألماً وسواداً ومرارة ودماً وغضباً.. سرعان ما أردى القاتل فرحهم المتواضع بطلقة انتحارية حاقدة حصدت باقة جديدة من الأبرياء. رواد الشارع العريض. الشارع الذي يحمل اسم أول المقاومين الاستشهاديين أحمد قصير. شارع الناس البسطاء، الناس العائدين من كدح أياديهم وعقولهم الى عائلاتهم.

ضاق «الشارع العريض» ذرعاً بالموت. تحوّل في ثوانٍ الى كومة نار ممزوجة بالأحمر والصراخ والأبواق. أي جهنم تنتظر عابري الطرق كل يوم. أي مواعيد يمكن أن يتخلوا عنها وأي دروب يمكن أن يحذفوها وأي سـيارات تحمل ذلك السم وأيّ حقد يجعل بشرياً يفجر نفسه ببني جلدته؟

فجأة يصير العيد جنازة.. وتصير الجنازة مقدمة لجنازات. عدّاد الموت لا يجد من يوقفه. الإجراءات الأمنية لا تنهي اختبار الدم. القتلة يدورون في طول البلد وعرضه. يشترون سيارات أو يسرقونها أو يقتنونها ليس هذا هو المهم. المهم أنهم لا يجدون سياسة تقف في وجههم، ولا إجراءات أمنية تكبلهم.

لا سياسة ولا سياسيين. هي اللحظة التي تختبر بقسوتها خطاب الجميع. هل نواصل الانتحار بخطاب التخوين أم نتبنى جميعاً خطاب الوحدة الوطنيــة وباكورته دفن مشروع حكومة الأمر الواقع؟

بالأمس كانت بيروت، وقبلها بئر حسن وطرابلس والرويس وبئر العبد وصيدا، واليوم جاء دور الضاحية الجنوبية مجدداً. عملية إرهابية تمثلت بتفجير سيارة جيب «غراند شيروكي» زيتية اللون مفخخة بنحو عشرين كيلوغراماً من المتفجرات في أحد أبوابها في «الشارع العريض» في حارة حريك. الحصيلة شبه النهائية خمسة شهداء و77 جريحاً معظمهم عادوا الى منازلهم.. والى كوابيسهم المفتوحة.

ثمة أشلاء بشرية أبرزها بقايا رأس تدلل على هوية الانتحاري قائد سيارة الموت الجديدة التي بيعت قبل نحو سنة من مالكتها هـ. م. ع. إلى سامي ح. الذي سلم نفسه امس الى مخابرات الجيش. وبحسب معلومات لقناة «المنار»، فإن السيارة بيعت من قبل سامي بموجب وكالة الى (ع. ا. ا.) من بلدة عرسال وسكان مشاريع القاع الذي سلّمها الى صهره ( ر.أ.) الذي على صلة بسامي وإبراهيم أ. اللذين ارتبط اسمهما بالتفجير الإرهابي في الرويس.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى