“فنون الغشّ”

من بضع سنوات بعد نصف ساعة من الصمود، واقفاً على يمين الشارع العابس، كنت خلالها؛ وأنا مَطليٌّ برطوبة البحر وعرقه الحزيرانيّ الصباحيّ، أمدُّ يدي كلّ دقيقة إلى جيب قميصي؛ الذي يغطّي قلبي الضَجِر؛ لأتحسّس بأصابعها تمركز هويّتي، وورقة تكليفي في المراقبة كمدرّس رئيس قاعة، والقطعة النقديّة الورقيّة اليتيمة( أمّ الطربوش) الخمسمئة، التي كانت آخر العنقود في راتبي المسلول، الذي يحتضر، وبعد أن يئستُ من وصال حبيبتي؛ مركبة السيرفيس المدلّلة، وتجاوزت الوقت المخصّص للانتظار، رفعتُ الراية البيضاء، معلناً هزيمتي في دفع نصف ما في جيبي الفقير من نقود، وأوقفتُ سيّارةً، حسبتها عموميّةً، برتقاليّة.

وبعد طول انتظار، وبعد أن توجّعت ركبتاي المسكينتان من حمل سفوح جسدي الشامخ، لتقلّني من شارع قرب منزلي إلى مركز لمراقبة امتحان الشهادة الثانويّة في حيّ طرف المدينة، لخوض ساعاتٍ بطوليّةٍ في مراقبة طلّاب يتفنّن أغلبهم في إرهاقنا والاستهانة بنا، ونحن منتصبون أمامهم كشجرالحور، بعد أن سُحِبَت الكراسي المحرّمة قانونيّا من القاعات، فتحتُ باب السيارة متحسّراً، ورميتُ بجسدي متسرّعاً على مقعدها الفخم ،إلى جانب سائقها الأربعينيّ (ابن الحلال)، الذي خجل منّي وعلم بأن لون سيّارته غشّني ،فقد ظننتها عموميّة، لكنّ تهذيبه دفعه ليوصلني إلى المدرسة لوجه الله تعالى، حتّى لا أتأخّر، بعد أن أشفق على حالتي، تبدو عليه الأناقة من حيث لباسه الأوربّيّ، ونظارته التي تظهرُ كمرآتين على محيّاه، ولحيته الفاحمة، التي هندسها بطريقةٍ فنّيّة، وكأنّها روضةٌ سوداءُ مقصوصةٌ ومزخرفةٌ أغصانها، حول فمه الكرزيّ، الذي يلتقطُ لفافة تبغ أجنبيّ، دخانُها العطر حُبِسَ مع الهواء البارد الذي يزفره مكيّف السيّارة، التي تتراقصُ فخامةً، والتي أُغلقت نوافذها المترفة، ليبقى محاصراً في داخلها.

ورحنا نتبادلُ الحديث، بعد شكري له، وبعد أن زال همّ صرف أمّ الطربوش العزيزة، ودفعني فضولي لأسأله عن سيّارته الفخمة، التي قال لي أنّها والملك لله سيّارته، فهو ترك المدرسة دون أن يحصل على الشهادة الإعداديّة، وهو من أسرة متواضعة، يعملُ أفرادها في بيت بلاستيكيّ داخل قطعة أرض صغيرة، وبعد أن أنهى خدمته العلم كمجنّد سائق، عاد إلى قريته ليجد تراكم الخسارة والفشل والديون، فوق ظهر والده وإخوته العاملين في الزراعة، فقرّر السفر إلى لبنان مع زميل له في الجيش.

وبعد معاناة في البحث عن عمل يضمن له دخلاً معقولاً، تمكّن من إيجاده، في شركة طرابلسيّة خاصّة، لتعليب العصائر، عمل فيها لمدّة ثلاث سنوات، ولم ير َفيها علبة عصير واحدة، وقال لي بأنّه هرب منها، وهو نادمٌ على التّورّط في العمل القذر فيها، على الرغم من الدولارات الكثيرة التي كان يحصل عليها في آخر الأسبوع، فالتهريب بقناعته أقلّ خطراً منها، وبعد فضولي في التعرّف على نوع العمل المشين حسب وصفه، قال بأنّه كُلّف مع جماعةٍ من عُمّال عرَبٍ، بتفريغ مغلّفات بلاستيكيّة، أو ما يشبهها، ألمانيّة الصنع والمنشأ، غالية الثمن، وهي عبارة عن مواد كيماويّة زراعيّة لمكافحة أمراض النباتات، من مسحوقٍ أبيض يشبه الطحين، بعد فتحها بطريقةٍ مدروسة بأدوات خاصّة، ثمّ تعبئتها بترابٍ أبيض عاديّ مطحون لهذه الغاية، ثمّ إغلاقها بإحكام.

قال لي: المصيبة أنّ هذه الأدوية الزراعيّة تنسكبُ على صيدلياتنا الزراعيّة، في سوريّة الغالية، وتصل إلى حقول المزارعين الكادحين، ويدفعون ثمنها غالياً لأنّها موثوقة وصادرة من ألمانيا.

تابع قائلا: والله بعد أن علمت الغشّ والتلاعب والاستهزاء، كانت صورة والدي الفقير بيديه المجعّدتين المتعبتين، ووجهه المخطّط بالتعاسة والكرامة والطيبة، لا تغادر مخيّلتي وخاصّة عندما كان يقترض المال ليبتاع الأدوية الزراعيّة التي يحسبها أصليّة.

بواسطة
منتجب علي سلامي
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى