فن الكاريكاتير الراقي في حنظلة.. وانقلاب الصورة

رغم أن الكاريكاتير يستخدم الخطوط البسيطة في نقل المعنى والمضمون، فإن له الدور الأبرز في الدفاع عن قضايا مهمة منها حقوق الإنسان، وإظهار عيوب المجتمع في صورة ساخرة ممتعة تدعونا إلى إحداث التغيير في ثوابت راسخة متجذرة في الواقع غالباً ما تتطلب التجديد، وتلامس الصورة الكاريكاتيرية رسالة من الفنان إلى المتلقي من خلال سياق مشترك قائم على بنية الواقع الذي يعيشونه معًا، ومن هذا المنطلق فإن الفكرة الكاريكاتيرية قٌسمت إلى أنواع منها الكاريكاتير الاجتماعي، والكاريكاتير السياسي، والكاريكاتير الرياضي.

كاريكاتير مسيئ للشعب الفلسطيني نشرته صحيفة الجمهورية
كاريكاتير مسيئ للشعب الفلسطيني نشرته صحيفة الجمهورية

ولأن الصحافة لا تزال هي الحضن الرئيس لهذا الفن، الا أن التمرد على الفن السامي، ظهر في صحيفة الجمهورية اللبنانية، عبر كاريكاتير مُسيء جملة وتفصيلا للقضية المركزية فلسطين، فقد احتوى الكاريكاتير على صورة شخص فلسطيني يرتدي الكوفية الوطنية الفلسطينية التراثية، والتي هي رمز لفلسطين والقضية والمقاومة، ورُسم إلى جانبها فايروس كورونا.

صحيفة الجمهورية في ثنايا صفحاتها، أساءت للعلاقات اللبنانية الفلسطينية، فكلنا يعلم أن مسألة اللاجئين الفلسطينيين، هي قضية شعب بأكمله لا زال يُعاني من ويلات الاحتلال وصمت بعض الأنظمة العربية، فالمستفيد الاول من هذا الشقاق هو العدو الصهيوني، وهنا لابد من السؤال الذي يتمحور عن فحوى هذا الكاريكاتير؟.

في ذات السياق قالت سيلفيا عمون من لبنان “اسكن في منطقة قريبة من عاصمة الشتات مخيم عين الحلوة“، وأضافت “مُذ كنا صغاراً ربينا مع بعضنا وكبرنا مع بعض وقضيتنا واحدة وهمومنا مشتركة منذ سنة 1948 ونحن مع بعض في كل شيء وهنا اتحدث عن “الشعب الفلسطيني” الذي استنفر كل قواه ولم ينتظر اجازة عمل حتى يساعد في اطفاء الحرائق في لبنان“، وأكدت عمون “أنا كمواطنة لبنانية ولا أتحدث باسم الاحزاب ولا الجمعيات أرفض الكاريكاتير العنصري وأرفض نكأ الجراح وأرفض إثارة الفتن، وبإسمي أرفع دعوة على صحيفة الجمهورية اللبنانية وأرفض هذا الفكر الداعشي الانعزالي“.

رفض جماهيري كبير لما قامت به هذه الصحيفة، من قبل جميع المنظمات والمنصات الإعلامية الفلسطينية والعربية، وعلى رأسهم رئيس أساقفة سبسطية للروم الأورثوذكس المطران عطا الله حنا، حيث عبّر عن أسفه من قيام صحيفة “الجمهوريّة” اللبنانية بنشر كاريكاتير يسيء إلى الفلسطينيين، وأعتبر أن نشر هذا الكاريكاتير يتناقض مع كافة القيم الإنسانية والأخلاقية، ومطالباً الصحيفة اللبنانية بالاعتذار، ومتمنياً عدم تكرار هذه الأخطاء. وقال المطران عطا الله : “أن يتمّ مقارنة الفلسطيني مع وباء كورونا، هو جريمة بحق القيم الإنسانية والأخلاقية والحضارية النبيلة“.

الدكتور عابد الزريعي مدير مركز دراسات أرض فلسطين للتنمية والانتماء في تونس قال” أسجل إدانتي ورفضي للكاريكاتير العنصري الذي نشرته جريدة الجمهورية اللبنانية، والذي يُسئ للشعب الفلسطيني لتشويه نضال الشعب الفلسطيني العادل والمكفول بالقانون الدولي في وباء الكورونا الذي يهدد العالم أجمع“، وأضاف الدكتور الزريعي “إن مثل هذه الخطوة بقدر ما تُشكل تحريضاً مجانياً ضد أبناء الشعب الفلسطيني، فأنها تُشرع جرائم الاحتلال وتمنحها المشروعية، ومن ناحية أخرى تحاول أن تخلق تناقضاً ما بين الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني الشقيق المؤمن بالقضية الفلسطينية وبالقيم العربية والمبدئية“.

في الجهة المقابلة من مشهد الكاريكاتير، أظهر الرسم فايروس كورونا الذي اجتاح العالم؛ حيث ربط الفنان بينه وبين المقاتل الفلسطيني، في رسالة تحمل معنى أن الكوفية الفلسطينية التي تعتبر رمزاً للقضية الفلسطينية ونضالها، هي في نظر الصحيفة رمز للوباء، ويوحي بأن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يشكلون الخطورة الوجودية نفسها التي يحملها وباء كورونا، إذ يهدد حياة اللبنانيين وملايين البشر ويفتك بعشرات الآلاف منهم.

بدورها قالت ليليان حمزة عضو المجلس السياسي في الحزب الديمقراطي اللبناني “بما أنني صحفية وأدرك تماماً أن للإعلام رسالة وهذه الرسالة يجب أن تنطلق من أسس وطنية عابرة للطوائف وحريصة على عدم اثارة النعرات الطائفية“، وأضافت أن “الكاريكاتير المسيء للشعب الفلسطيني الذي نشرته صحيفة الجمهورية بذكرى 13 نيسان، يُسيء للصحيفة بالدرجة الأولى ويطرح علامات استفهام حول دوافع اثارة هذا الموضوع بالوقت الراهن، علماً أن الشعب الفلسطيني واللبناني تربطهما علاقات أخوية وتاريخية وتعاون مشترك، والأهم قضية مشتركة وهي العداء للكيان الصهيوني الغاصب والاحتلال الظالم“، وانطلاقاً من صفتها كـ منسقة العلاقات الفلسطينية بالحزب الديمقراطي اللبناني أكدت “ان الشعب الفلسطيني متمسك بحق العودة الى فلسطين ويرفض رفضاً قاطعاً مشروع التوطين في لبنان، لذلك أتوجه الى وزيرة الاعلام في لبنان الدكتورة منال عبد الصمد بوضع معايير اخلاقية ووطنية لوسائل الإعلام لاعتمادها وعدم تخطي الخطوط الحمراء“.

في المحصلة، فإن هذا الكاريكاتير ينفث حقداً وعنصرية، فقد تعمد الفنان أن تكون المقارنة بين شرّين يُشكلان خطراً على العالم، في صورة ترهيبية للفكر المقاوم، ولعل هذا الفنان لم يكتفي بما تعاني منه القضية الفلسطينية، ليأتي بدبوس ينكأ الجراح من لبنان المقاوم، وهو أبعد من أن يُمثل لبنان المقاوم ضد الكيان الاسرائيلي، لذا لابد من تعديل هذا المشهد الذي استفز كافة المقاومين على امتداد ساحات المقاومة.

في التاسع والعشرين من آب عام 1987، لفظ رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي أنفاسه الأخيرة، بعد غيبوبة استمرت سبعة وعشرين يوما، متأثرا بالطلق الناري الذي أصيب به تحت عينه اليسرى، وقد كان ناجي العلي يرسم إسرائيل في شكل جندي تعلو خوذته نجمة داود، والأنظمة العربية في صورة رجل بدين أو قنينة كحول تزينها الحروف الأولى للولايات المتحدة الأمريكية. ولَم يكن يوظف إلا في القليل النادر رسومات كاريكاتيرية لإسحاق شامير، أو رونالد ريغان، أو الرئيس المصري المغتال أنور السادات، وهو في قبره وعلى الشاهدة: مات دفاعا عن إسرائيل، فيما عدد من الزعماء العرب يتطلعون إليه وهم يرددون: هم السابقون ونحن اللاحقون. لو أننا في زمن ناجي العلي لما كانت تجرأت يد أحد من رسامي الكاريكاتير على طعن القضية الفلسطينية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى