فيضانات تغرق العاصمة الجزائرية… فأين إدارة الأزمات… !؟

الأزمات الطبيعية نتيجة حتمية للتغيرات المناخية...

إنّ ظرفاً استثنائياً كالفيضانات الطوفانية التي عرفتها العاصمة الجزائرية ليلة الإثنين 07 سبتمبر/أيلول 2020، والتي نتجت عنها سيول جارفة تسببت في غلق الطرقات الرئيسية وعرقلة حركة السير في عدة مناطق بالجزائر العاصمة، وذكرت وكالة الأنباء الجزائرية “واج” أن الأمطار الغزيرة تسببت في ازدحامات بشبكة الطرقات الرئيسية ووقوع حوادث وخسائر مادية لم تعلن السلطات المحلية حصيلتها حتى الآن. كما غمرت المياه أنفاقاً على شبكة الطرقات ومساكن ومحلات تجارية في عدد من الأحياء ووجد العديد من المواطنين أنفسهم عالقين على قارعة الطريق بسياراتهم محاصرين بالمياه وهم يحاولون الوصول إلى مقرات عملهم.

هذه الفواجع الطبيعيّة تستلزم بالضرورة أداء استثنائياً وأشخاصاً استثنائيين، وليس من المبالغة في القول إذا ما قلنا: إن هناك شيئاً فائقاً للعادة قد بدأ يتغير في محيط البيئة الطبيعية الجزائرية، وذلك من خلال استقراء وجرد تلك التغيرات والتحولات الطبيعية غير المسبوقة والسرعة التي أتت بها. فالحالات المناخية الطارئة تصنف من الأحداث الجسيمة أو، على الأقل، الأزمات الطبيعية التي لا دخل للمواطن الجزائري في تشكلها أو في تحديد مسارها، وبالتالي يُقاس النجاح في التعامل معها ليس بمنعها أو التحكم فيها ولكن بالقدرة على التعامل معها وتقليل الخسائر الناتجة عنها قدر الإمكان، واتخاذ كافة الاحتياطات والإجراءات الاستباقية والتوعوية لحماية الأرواح والممتلكات، ثم تقييم هذه الإجراءات بعد انتهاء الحالة، والخروج منها بدروس مستفادة.

وللأسف المأسوف على شبابه، فإنّ قصورنا يظهر واضحاً جلياً في مدى تكرار تعرضنا إلى الأزمات الطبيعية المفاجئة المتتالية والمتعاقبة، واحدة تلو الأخرى، وتكون هذه الأزمات تارة متنوعة وأيضاً وللأسف الشديد تكون هذه الأزمات متكررة، ويكون سبب تكرار هذه الأزمات المتشابهة أو المختلفة بسبب سوء إدارتنا للأزمات الطبيعية، والانتظار إلى التعامل معها وقت حدوثها وليس الاستعداد لها سلفاً والعمل على القضاء عليها وهي في أولى مراحل وجودها، وذلك ظناً منا أن علم إدارة الأزمات يتم تفعيله أو الاهتمام به والاعتماد عليه فقط وقت نشأة الأزمة التي تجعلنا نهرول للبحث عن مخرج أو مهرب من هذه الأزمة. لا ليس هذا هو الدور الأصيل لعلم إدارة الأزمات فإدارة الأزمات علم استباقي يحتاج إلى قراءة كل المتغيرات سلفاً للتعامل مع الأزمات المتوقعة والعمل على الاستعداد بالإجراءات الوقائية والاحترازية لمنعها أو للتعامل معها والقضاء عليها.

ويعرف القاموس الأزمة بأنها ظرف انتقالي يتسم بعدم التوازن ويمثل نقطة تحول تحدد في ضوئها أحداث المستقبل التي تؤدي إلى تغيير كبير. والأزمة تعني الشدة والقحط، في اللغة الصينية كلمة أزمة تنطق ( Ji-Wet) وهي كلمتان: الأولى تدل على (الخطر) والأخرى تدل على (الفرصة) التي يمكن استثمارها، وتكمن البراعة هنا في تصور إمكانية تحويل الأزمة وما تحمله من مخاطر إلى فرصة لإطلاق القدرات الإبداعية! وإدارة الأزمات في أي مجتمع تعني فن إدارة توازنات القوى ورصد حركتها واتجاهاتها، والقدرة على التكيّف مع المتغيرات. وتتصف الأزمة بصفتين أساسيتين:

  • أولا: التهديد: إذ يشعر الأطراف فيها بأنهم لن يستطيعوا الحصول أو المحافظة على القيم والموارد.
  • ثانياً: ضغط الوقت: إدراك الأطراف المشاركة فيها مقدار الوقت المتاح لتقصي الحقائق واتخاذ تصرف قبل بدء حدوث أو تصعيد الخسائر.

ست سمات تميز الأزمة: المفاجأة: وتعني أنها تحدث من دون سابق إنذار، أو قرع للأجراس بل بشكل مفاجئ! نقص المعلومات: وتعني عدم توافر معلومات عن المتسبب في هذه الأزمة، (خصوصاً إذا كانت تحدث أول مرة). حالة الذعر: تسبب الأزمة حالة من الذعر فيعمد صاحب القرار إلى اتهام كل من له علاقة بوقوعها، أو يلجأ إلى التشاجر مع معاونيه. وغياب الحل الجذري السريع: هي لا تعطي مهلة أو فرصة لصاحب القرار حتى يصل إلى حل متأنٍ، بل لا بد من الاختيار بسرعة، بين عدد محدود من الحلول.

إن القرارات التي تتخذ على أي مستوى كان تحكمها عقليتان، إن لم نقل: مدرستان مدرسة تغليب المخاطر على الإيجابيات، أو تغليب الإيجابيات على المخاطر، ولا شك في أن أي قرار يتخذ له إيجابياته وسلبياته، وقد تبدو المخاطر عند من لا يمتلكون الثقة العالية بالنفس والقدرة على تحمل المسؤولية هي الأبرز والأقوى، بينما نجد أن الجوانب الإيجابية والثقة بالقدرة على الدفع بها وتجاوز السلبيات والمعترضات هي السمة التي يتحلى بها أولئك الواثقون من خياراتهم الصحيحة وقناعاتهم الراسخة بإمكانيات مؤسساتهم والعاملين فيها، عبر تحريض طاقاتهم واستنفار وقودهم الوطني والأخلاقي والمهني على إنجاح أي خيار مهما بدا صعباً وقاسياً ويحمل درجة من المجازفة والمخاطرة.‏

لذلك تؤكد كل دراسات الإدارة الحديثة على أهمية وجود إدارة للأزمات في كافة الوزارات والمديريات… مع الاعتراف بأن عالم اليوم هو عالم الأزمات لأسباب تتعلق بالتغيرات المناخية الكثيرة، التي حدثت في مجالات الحياة المتنوعة والتي أثرت على الجميع، وجعلت الأزمة هي العامل المشترك في كافة مناحي الحياة بدءا من الأفراد وحتى على مستوى الدول.

 وبشكل عام يعد نهج إدارة الأزمات خطوة رائدة لأجل فهم التداخل بين العديد من المخاطر التي تواجهها المجالات الجغرافية الجزائرية (جيولوجية، هيدرولوجية، مناخية، سفحية…)، والتي تعمل من خلال تعدد الوزارات المعنية، وفق عملية شفافة ومستمرة مبنية على تنسيق الجهود بهدف تقليص مفعولها. كما أن تحسن التكامل المنهجي للحد من عوامل الخطر، وأخذ ذلك بعين الاعتبار خلال القرارات اليومية والإستراتيجية، سيساعد على استثمار مناسب للموارد النادرة بغرض الحد من المخاطر بشكل أكثر فعالية ونجاعة، وبالطبع فمراقبة التقدم المحصل على عدد من الجبهات يسمح بالتأكيد على ما يلي:

  • الوعي بالمخاطر وتقييمها، والتأهب للأزمات المترتبة عنها.
  • تحديد أكثر وضوحا وتصنيف عقلاني للأولويات التي يواجهها المجال.
  • فهم أفضل للقدرات الذاتية والوسائل اللازمة للحد من المخاطر.
  • تحسين فهم الترابط بين المخاطر من أجل تسهيل اتخاذ قرارات مستنيرة وذات فعالية.
  • ترشيد الموارد المالية مع تعزيز الحكامة.
  • تحسين الأداء مع شمولية التنسيق والتواصل.
  • إعداد لوحة شاملة حول هشاشة الأوساط وقابليتها لظهور الأضرار مع توفير ما أمكن من الخيارات والسيناريوهات.

من خلال هذه المحطات يمكن التطلع لمعالجة مخلفات المخاطر بشكل فعال عبر توفير المعلومات الملائمة التي يحتاجها صناع القرار، وحتما فهو أسلوب ناجع لا يستند إلى نتائج مجزأة من دراسات مستقلة تدرس جانبا منفردا دون غيره. بحيث يؤدي التعميم وشمولية الرؤيا إلى مستوى أكثر إستراتيجية، مما يمكن المبادرات الصغيرة لإدارة المخاطر من تحقيقه. ومن شأن التقيد الجيد بدور الإدارة المتكاملة الانتقال إلى نهج شفاف وعقلاني يؤدي إلى عملية صنع قرار يتسم بالكفاءة والفعالية.

وعليه فإن الإعداد والتخطيط لما يمكن ان تواجهه الجزائر في المستقبل القريب والبعيد لمختلف الظواهر الطبيعية بمختلف أنواعها ”لا قدر الله”، لا بد أن يأخذ في اعتباره الأبعاد التالية لإدارة الأزمات الطبيعية المستقبلية:

  • أولا: ”البعد الاستراتيجي” ثم ”البعد الاستشرافي”.

فالبعد الاستراتيجي هنا يأخذ في اعتباره جميع أبعاد الظاهرة، أي إدارتها قبل أن تقع من خلال ”النظرة الاستباقية للحدث” والتي تعنى بوضع السيناريوهات المتوقع حدوثها قبل أن تحدث ووضع الحلول الممكنة لاحتوائها. ثم ”النظرة الواقعية” وذلك من خلال إدارة الظاهرة الطبيعية أثناء حدوثها وبعد وقوعها، بحيث يمتد التخطيط لما بعد انتهاء الظاهرة الطبيعية، وهنا تأتي المرحلة الثانية، ونقصد: ”الرؤية الاستشرافية” للحدث، بحيث يتم الإعداد التالي ”للظاهرة القادمة” من خلال إعداد السيناريوهات ووضع الاحتمالات والفرضيات ومراجعة الأخطاء والسلبيات وهكذا. ومن هنا نرى بوضوح أن حل الأزمة الطبيعية يحتاج إلى تحليل كل عناصرها وأيضاً تحديد الموارد المتاحة ومواجهة الأزمة بشكل جاد وحازم وتدوين كل مراحل التعامل مع الأزمة وتدوين كل مراحلها للاستفادة من كل الإيجابيات والسلبيات لتفاديها في المرات القادمة ولا ننظر على أن هذه الأزمة لا يمكننا التعامل معها بل نستطيع إذا أحسنا إدارتها ولا نترك للأزمة مجالا إلى أن تديرنا وتتحكم فينا وتعصف بنا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى