في استراتيجية الحروب المتنقلة .. ابحث عن واشنطن.

من يظن بأن واشنطن ستكف عن مشاريعها التقسيمية في الشرق الأوسط فهو واهم، واشنطن التي تسعى دائما الى البحث عن ذرائع تُمكنها من تهيئة الظروف و الوقائع لضمان استمرار تواجدها أو تدخلها في المنطقة، من هنا يمكننا القول بأن واشنطن تحاول تطوير استراتيجيتها بناء على المستجدات الأخيرة في سوريا و العراق و اليمن، و بالتالي فإن واشنطن لم تكن فقط السبب بعدم استقرار المنطقة، بل هي السبب الرئيس للتوترات و الأزمات التي عصفت في المنطقة خلال السنوات الماضية، و عليه من الصعب الإمساك بشكل موضوعي بمسارات و توجهات السياسية الأمريكية، و التي تعتمد اساسا على المراوغة، و من الأهمية بمكان، التفريق بين السياسة الثانوية للإدارة الأمريكية، و بين السياسة التكتيكية الاستراتيجية طويلة الأمد، خاصة بأن واشنطن تسعى لتوظيف خساراتها في سوريا بملفات ذات أهمية في الشرق الأوسط، و على وجه التحديد فيما يخص ايران و القضية الفلسطينية.

” من سوريا إلى إيران .. واشنطن و تدوير الزوايا “
بناء على معطيات و نتائج الميدان السوري، فقد أعلنت واشنطن في وقت سابق نيتها سحب قواتها من سوريا بناء على اعتبارين:
الأول : خسارة واشنطن في الميدان السوري و كسر خططها و تجاوز خطوطها الحمراء، و بالتالي و كنتيجة طبيعية لانتصارات الجيش السوري لم يبق لدى واشنطن أوراق ضغط ميدانية تُمكنها من توظيفها في أي مكاسب سياسية.
الثاني : الضغط الروسي و الدولي على الإدارة الأمريكية، حيث أن تواجد واشنطن في سوريا غير شرعي و جاء دون التنسيق مع الحكومة السورية، لكن واشنطن تضع الذرائع منهجاً لسياستها، فهي و بحسب ادعاءاتها أن بقاءها في سوريا ضروريا، و ذلك من أجل محاربة الإرهاب و التصدي للتواجد الإيراني و كبح تمدده في سوريا.

لكن و ضمن الاعتبار الثاني، تحاول واشنطن تدوير الزوايا عبر دعم ما تبقى من إرهابيي داعش، و من الواضح أن واشنطن تشكل الحاضن الرئيسي لهؤلاء الارهابيين، حيث تم نقل قيادات داعش من الصف الأول إلى مناطق متفرقة بُغية إعادة توظيفها في سياسة الحروب المتنقلة، و استثمار هذه الحروب في إطالة أمد تواجدها في الجغرافية السورية أطول فترة ممكنة.

أما فيما يخص الجمهورية الاسلامية في ايران، فقد اتخذت واشنطن إجراءات “عقابية “ضد طهران، فـ العقوبات الاقتصادية جاءت نتيجة سياسة ايران في الوقوف ضد الأطماع الامريكية في المنطقة، إضافة إلى الدعم المطلق من قبل الجمهورية الاسلامية للقضية الفلسطينية، و ما بين العقوبات الامريكية و تهديد ترامب بشن حرب ضد طهران، و كنوع من إعادة تدوير الزوايا، اعلن ترامب نيته الحوار مع القادة الايرانيين و دون شورط مسبقة، “نعم دون شروط مسبقة”، و أكثر من ذلك، فقد لمح ترامب إلى إمكانية توقيع اتفاقية جديدة في المضمون و التفاصيل مُختلفة عن الاتفاقية السابقة “الملف النووي”، لكن ما أعلنه ترامب لم يُعره القادة الإيرانيين أي اهتمام، و من باب أولى أن تحترم واشنطن الاتفاقات و المعاهدات الدولية، فالقادة الايرانيون يدركون بأن واشنطن تعتمد المراوغة و هو حوار صعب ومتشابك ، نظرا للسياسة الأمريكية التي تعتمد الهيمنة و التعدي على سيادة الدول منهجا في أي حوار او تفاوض، و هذا لا يتفق مع السياسة الايرانية المبدئية و الواضحة تجاه قضايا المنطقة و خاصة فلسطين، و عليه فالعقوبات الامريكية التي فُرضت على إيران لا تعتمد التضيق على الموارد الإيرانية فحسب، بل تسعى و عبر الاستراتيجية الأمريكية طويلة الأمد إلى خلق شرخ بين الشعب الإيراني و قيادته، بُغية تفجير الأوضاع داخل إيران، و الزج بخلايا إرهابية بدعم خليجي و تخطيط أمريكي في الداخل الإيراني.

” الحروب المتنقلة .. استراتيجية واشنطن الصامتة “
التصعيد العسكري الذي يشهده الشرق الأوسط، هو تصعيد مدروس و مخطط له بدقة، و يتناول أبعادا واسعه تتولاه منظمات مدربة أمريكيا، هذه المنظمات تنتشر في بلدان الشرق الاوسط، و يكون مُخططا لها بأن تظهر و تختفي فجأة، بناء على معطيات أمريكية حيال التطورات في المنطقة و ما تقضيه المصلحة الأمريكية، و هذه هي استراتيجية الحروب المتنقلة التي اعتمدتها واشنطن إبان احتلال العراق، جاء ذلك نتيجة الخسائر الكبيرة التي منيت بها القوات الأمريكية، فكان لا بد من تطوير الاستراتيجيات لضرب الاستقرار في الدول التي تعارض السياسية الأمريكية في المنطقة، و دون خسارة جندي أمريكي واحد، فالخصوصية في هذه الحروب المتنقلة تعتمد على نخبة سرية مؤثرة و بدعم مباشر من الاستخبارات الأمريكية، و تكون هذه المنظمات مستعدة للانتقال و بدعم أمريكي إلى أي جهة تختارها الـ CIA ، و ما انتقال قيادات داعش و بمروحيات أمريكية من سوريا إلى العراق و أفغانستان و بالعكس، إلا دليلا و تجسيدا واضحا لسياسة الحروب المتنقلة التي تعتمدها واشنطن.

” في المحصلة .. بين نجاح السياسة الأمريكية و فشلها “
النوايا الأمريكية واضحة لجهة ضرب استقرار الدول التي لا تسير في ركب السياسية الأمريكية، حيث أن تحويل القوة الأمريكية إلى قوة صامتة يتم استثمارها عبر تنظيمات ارهابية، يدلل على عدم الوثوق في اي تحرك تتبناه السياسة الامريكية، و اي اتفاق مع ادارة ترامب هو اتفاق ملغوم و يعتمد المقامرة منهجا، و بالتالي فإن حالة عدم الاستقرار في المنطقة رغبة أمريكية واضحة، و لا بد من مواجهتها بالعمل المسلح المضاد، و ضرب الخلايا الأمريكية أينما وجدت.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى