في حضرة القضاء العراقي…

فالح حسون الدراجي | موقع جنوب لبنان

الكاتب فالح حسون الدراجي
الكاتب فالح حسون الدراجي

رغم إيماني الكبير بعدالة القضاء العراقي، وثقتي الأكيدة بنصاعة مؤسساته وسلطاته العدلية، ورغم شهادات المعنيين والمتخصصين، والخبراء بالشؤون القضائية سواء أكانوا عراقيين أم غير عراقيين! لاسيما شهادات الخبراء الأجانب الذين نمت أفكارهم وتخصصاتهم في ظل أنظمة عدلية راقية ومعروفة بعراقتها قضائياً، مثل فرنسا، والولايات المتحدة، ومصر، وغيرها من البلدان المتقدمة في هذا المجال، ورغم ما قرأته من كتب عدة في تاريخ (أحفاد حمورابي) المضيء بالعدالة، والمتوهج بالاستقلال والنزاهة والحرية التامة، فإني لم أزل حتى هذه اللحظة أشعر بالخوف والرهبة، كلما دنوت من بناية محكمة، أو اقتربت من مجلس فيه قضاة، ومدع عام، وقفص اتهام، بل إن الخوف يسري في مفاصلي، حتى لو جئت للمحكمة شاهداً، أو جئتها زائراً لصديق يعمل قاضياً فيها.

وقد يكون هذا الخوف بسبب ما يتم تداوله شفاهاً عن السيرة الإجرامية لقضاة البعث أمثال عواد البندر ومسلم الجبوري، وغيرهم من الحكام الذين كانوا يحكمون بثقافة (من أبو عكَال وليغاد اعدام، ومن أبو عكَال وليجاي مؤبد، أما أبو عكَال فحكمه يصير إعدام، ومؤبد سوه..)!!

لذا فإن خوفي ورعبي من ذكر المحاكم لم يأت من فراغ، أو من وهم، إنما جاء نتيجة لواقع عشته، وعاشه معي العراقيون خلال الحقبة البعثية الصدامية المندحرة، وهو تحصيل حاصل لأحكام ظالمة، صدرت من حكام تخرجوا من كليات ومعاهد الأمن القومي الصدامي، أساءوا فيها الى سمعة القضاء العراقي المعروف بعدالته، فكانوا كابوساً مرعباً يطارد منام العراقيين، فمثلاً أعدم عواد البندر شقيقي الشهيد (أبوسلام) بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي.. فتخيلوا؟ لكن هذا الخوف (التاريخي) من المحاكم، وذكر اسم المحاكم، سقط أمس بالضربة الوطنية القاضية، واندحرت تماماً تلك الصورة التي ظلت عالقة في خيالي عن محاكم عواد البندر وعصابته، وما كان ثابتاً في مخيلتي عن القضاء، بدءاً من جريمة إعدام (أبو عكَال)، وانتهاء بجريمة إعدام شقيقي (خيون).. فيوم أمس كان يوماً مهماً في حياتي، بل واستثنائياً، غيّر كل ما كان مؤسساً، ومؤثثاً فيها من أفكار عن القضاء والعدل في العراق.

لقد زرت أمس (قصر القضاء) الذي يضم محاكم بغداد الرصافة بقضها وقضيضها، بما في ذلك (محكمة النشر والإعلام)، ورأيت في هذا القصر العادل، ما جعلني أغيِّر كل ما في قلبي وعقلي عن القضاء في العراق، وأقتنع قناعة تامة بأن زمن عواد البندر قد انتهى، وإن مظالم (أبو عكَال) قد ولت الى الأبد. ففي هذا القصر دخلت الى قاعة محكمة النشر والإعلام (متهماً)، بسبب مقال كتبته في جريدة (الحقيقة) قبل سنة تقريباً، وصرت وجهاً لوجه مع قاضي جنح محكمة النشر والإعلام راضي علي الفرطوسي، وللحق، فقد شعرت لأول مرة، بعد 12 سنة من التغيير، بأن التغيير في العراق قد حصل فعلاً، وأن العراق والعراقيين اليوم أحرار بما لا يقبل الشك، فبالقدر الذي لم يكن فيه هذا القاضي متساهلاً معي، كان مثالياً في احترامه لي، بعد أن منح عراقيتي حيزاً كبيراً من الاحترام، وأعطى لإنسانيتي حقها كما يقولون. لذلك خرجت منه فخوراً، رغم امتعاضي من فكرة الوقوف كمتهم على مقال كتبته في زمن الحرية.. لكن القاضي علي الفرطوسي خفف عني الكثير من الحزن، ورفع من صدري صخرة الخوف المرعبة. أما الشخص الثاني الذي كان له الفضل الأكبر في إزالة صورة البندر السوداء من مخيلتي، فهو رئيس محكمة استئناف بغداد الرصافة الاتحادية القاضي الكبير جعفر محسن الخزرجي، فهذا الرجل الذي يدير شبكة القضاء العراقي في مساحة اكبر من مساحة فرنسا بكاملها، دخلت عليه للتحية والسلام فقط، وليس لأي غرض آخر، فاستقبلني الرجل استقبالاً يليق بصحفي عراقي، ووجدته أكبر مما سمعته عنه، وأروع مما قرأت عنه، وأطيب مما قيل فيه من كلام طيب، فهذا الرجل الشجاع الذي بهرني بشجاعته، وعراقيته، ومهنيته، مفخرة من مفاخر العراق القضائية، والوطنية.. ولا غرابة في ذلك، فالقاضي الخزرجي، والقاضي الفرطوسي، وكل زملائهما من القضاة هم من فريق عمل يقوده القاضي العادل والوطني والغيور والشجاع، مدحت المحمود. ومن كان يعمل بمعية (المحمود) فهو بين الناس مشكور ومحمود الى يوم الدين.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى