في ذكرى فاجعة منى تتجدد المخاوف على ضيوف الرحمن.

بسم الله الرحمن الرحيم:

( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ.) 96 آل عمران.

يستذكر العالم الإسلامي الفاجعة الأليمة التي حدثت في مشعر منى يوم 10 ذي الحجة 1436ه الموافق 24 أيلول عام 2015م وأودت بحياة 1200 وجرح أكثر من 2000 إنسان حسب الإحصاءات الدولية. تلك الفاجعة التي هزت وجدان وضمير كل مسلم لابل كل شخص يهمه إحترام حقوق أخيه الإنسان وقللت من فجاعتها وفداحتها سلطات آل سعود .

وهي المأساة الثانية الكبرى في موسم الحج خلال نصف قرن بعد حريق منى في كانون الأول 1975م حين قضى المئات من الحجيج حرقاً أو خنقاً والأسوأ في غضون خمسة وعشرين عاماً من حيث عدد الضحايا بعد حادث نفق المعيصم عام 1990م الذي أودى بحياة أكثر من 1400 حاج معظمهم من الحجاج الآسيويين.

لقد شد أولئك المؤمنون الأبرياء الرحال إلى بيت الله الحرام الذي أمر الله أن يكون بيت أمن وسلام لكل المسلمين والأمل يحدوهم لتأدية رحلة العمر الإيمانية بعد أن ودعوا الأهل والأصدقاء الذين تمنوا لهم من كل قلوبهم العودة سالمين إلى ديارهم وهم ينعمون بتأدية الفريضة الإلهية . ولم يعلموا إن الموت بتلك الطريقة المأساوية كان بانتظارهم نتيجة لإهمال وتقاعس السلطات السعودية التي تمتلك الإمكانات المادية والبشرية الضخمة التي تؤهلها للقيام بواجبها الأخلاقي والإنساني والديني نحو حجاج بيت الله الحرام .

لكن حال وقوع تلك الفاجعة الأليمة حاولت السلطات أن ترمي بالمسؤولية على الحجيج، وتتنصل منها، وجعلت من نفسها الحكم والحاكم الأوحد في القرار النهائي. وادعت بـ (أن الحجيج مسؤولون عن الكارثة لتدافعهم وعدم مراعاتهم للنظام والضوابط اللازمة.) وبمعنى أوضح فأنها لمحت إن الحجيج قتلوا أنفسهم ولا يحق لأحد أن يلوم من قدم لهم خدماته الجليلة. وجاء بيان وزير الصحة خالد الفالح ليكرر ذلك الإدعاء الفج المتهافت ويقدم خدمة مجانية لجلالة ولي الأمر الملكي والعائلة الحاكمة.

ولم تمض ساعات حتى أطل الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز على شاشات الفضائيات السعودية ليعلن عن ماسماه : (فتح تحقيق شامل عن الذي حصل.) ولم ينس أن يذكر عميق حزنه وتأثره لامتصاص النقمة على هذا النظام من قبل عوائل الضحايا الذين غرقوا في بحر متلاطم من الحزن العميق الذي ألم بهم لفقدان أحبتهم. ولم تمض أيام حتى قدم الملك المفدى الشكر الجزيل لولي عهده الأمير المفدى محمد بن نايف الذي كان يترأِس اللجنة المسؤولة عن تنظيم الحج على ماسماه (نجاح موسم الحج.!!!) ولكي تكتمل البراءة من دماء الضحايا أطل واعظهم عبد العزيز آل الشيخ في مشهد مصور وهو يخاطب سيده ولي العهد محمد بن نايف قائلا له:

(أنتم لستم مسؤولين عما حدث لأن هذا قضاء الله وقدره.) وبذلك الشكر البائس الخالي من أي شعور إنساني وأخلاقي وشرعي وبقتوى الواعظ الذي يضع فتواه الجاهزة في خدمة الحكام حين الطلب أغلق حكام آل سعود أعينهم وأصموا آذانهم،وتجاهلوا بغطرستهم الفارغة المعهودة كل إحتجاجات أهالي الضحايا التي انطلقت من 31 دولة، ولم يسمحوا لأية جهة إسلامية محايدة بالكشف عن ملابسات ذلك الحادث المأساوي لتقديم تقرير صادق وشفاف عنه ليطلع عليه العالم الإسلامي، وتم إسدال الستار عن تلك المأساة المروعة، وتجنبت وسائل الإعلام السعودية الحديث عنها وكأن شيثا لم يحدث.!!!

وكل متابع لموسم الحج يسمع التصريحات العنترية الكاذبة من المشرفين على موسم الحج وكيف تطلق فضائياتهم أكاذيبها دون خجل مرددة:(إن المسؤولين في مملكة المجد قد أكملوا إستعداداتهم وتحضيراتهم التامة لاستقبال موسم الحج. وإن مئة ألف من قوات الأمن على أهبة الإستعداد لأي طارئ. وقد أثبتت كوادرنا المدربة إنها تملك خبرات عالية منقطعة النظير للحفاظ على أرواح الحجاج في ظل جلالة الملك المفدى والأمراء الأجلاء الذين هم أشجار باسقة وارفة الظلال تؤتي أكلها كل حين.)

لكن كل هذا الكلام الذي يسمعه المسلمون كل عام لايعدو أن يكون زوبعة في فنجان للدعاية والحقيقة المرة تقول إن أرواح البشرفي (مملكة المجد) لاقيمة لها وإن كوادرهم التي نسجوا حولها هالة من القدرة الفائقة والوعي التام لم تكن بذلك المستوى أبدا رغم الأرباح الهائلة التي يجنونها من الحجيج كل عام وقد لمست ذلك بنفسي على الأرض. ولم تكن تلك الكارثة المروعة هي الأولى في موسم الحج بعد أن فقد أكثر من عشرة آلاف حاج أرواحهم في حوادث مختلفة ناجمة عن الإهمال والفشل اللذين رافقا هذه السلطات على مدى أكثر من ربع قرن وإن تكرار الحوادث المأساوية يكشف عن فشل كبير في تنظيم وإدارة شؤون الحج . وقد تحدث العديد من شهود العيان في الحادثة المأساوية الأخيرة عن غلق احد الطرق المهمة على الحجيج ليمر موكب احد ابناء الملك وتأخر وصول القطارات الى مشعر منى حتى بلغ الازدحام حدا لايطاق مما جعل كتل بشرية متراصة تطلق إستغاثاتها دون جدوى بالرغم من إن المكان كان يعج برجال الأمن لكنهم تجاهلوا تلك الإستغاثات وعاملوا الحجيج بقسوة، ورشّوا عليهم بعض الغاز مما أدى إلى تدافع الحجيج حتى وقعت الواقعة.

ولم يتم إسعاف المصابين إلا بعد ساعات وبقيت جثث الشهداء مطروحة على الأرض يدوسها رجال الأمن باقدامهم الهمجية. وقد تحدث واحد من أهل الدار ليزيح بعض الركام من الأكاذيب الرسمية عن تلك الحادثة المرعبة وهو الداعية سلمان العودة الذي شهد الحادث وقال:

(إن القضاء والقدر لا ينفي مسؤوليتنا خصوصاً في الأخطاء التي تتكرر فعلاً، ولا يمكن تلافي الأخطاء ما دام فينا من يقول مواسم الحج ناجحة بكل المقاييس ويروج لذلك في وسائل الاعلام المختلفة. ولا يمكن لأي طرف اعلامي أو غير إعلامي صغيرأ كان أم كبيرا أن يحمل الضحايا المسؤولية وأن ينجو بنفسه.)

ولا أدري هل كان ذلك التصريح للتخفيف من غضب وامتعاض الدول التي فقدت مواطنيها، أم إن قائله تلقى موافقة من البلاط السعودي ليوهم الناس إن حكام آل سعود يؤمنون بحرية الرأي،أم كان صادرا عن نية صادقة والله أعلم بذلك.

ولكن رد على سلمان العودة من يدعي إنه داعية وهوالمتطرف التكفيري محمد العريفي في مقابلة أجراها مع قناة (المجد ) السعودية، وقال متسائلا:

(أي حال أفضل من أن يموت الإنسان وهو مُحرٍم؟ وأي موضع أشرف من أن يموت في مكة، وبعد يوم عرفة، يعني بعد أن أتم أركان الحج.؟ إن ماحصل هو شرف !!!.)

ثم أخذ يكيل المديح لملكه وحكامه وأوصلهم إلى مصاف الملائكة الذين أختارهم الله في أرضه المقدسة ليقدموا أجل الخدمات للحجيج. وكانت دماء الضحايا لم تجف بعد، والكثير منهم مازالوا مرميين في الثلاجات ولم تستلم عوائلهم جثثهم،والعشرات منهم تم دفنهم في مقابر جماعية في مكة وبطريقة غير شرعية، دون ان تعلم عنهم دولهم شيئا. وبقيت دموع الأبناء والأحبة تنهمر بالدموع الساخنة لفقدان أحبتهم. فهل توجد إستهانة بالكرامة الإنسانية أبشع من إستهانة العريفي وحكامه.؟ ألم يستحق هذا الدمية الدجال المثول أمام محكمة دولية لحقوق الإنسان على هذا التجني والإستخفاف بأرواح البشر.؟ إنه عدوان فاضح حتى على الذات الإلهية التي جعلت من هذه الأرض الطيبة المقدسة مكانا ينعم فيه الحجيج بأعلى حالات الأمن والسلام.؟

لقد كان الملايين من المسلمين يأملون أن تتحرك ماتسمى بـ(منظمة التعاون الإسلامي ) لمعالجة هذا الخلل الكبير لكنها لم تحرك ساكنا وكأن الفاجعة لم يكن لها وجود على الأرض . ولم تتحدث أمريكا والدول الأوربية التي صدعت رؤوس البشر عن حقوق الإنسان إلا أحاديث عابرة عن تلك المأساة الإنسانية لأن الأمراء وودائعهم وشركاتهم أهم بكثير من جمع من الحجيج الضحايا الذي سينساهم العالم بعد حين وتبقى المصالح قائمة تغري كل من جعل دينه دنانيره. وبذلك طغت قوة المال والمصالح الإقتصادية على صوت الضمير الإنساني الذي أعلن عن موته.

إن كل إنسان في هذا العالم بات يعرف إن المال السعودي قد سيطر على الاعلام العربي والإسلامي وحتى العالمي فاستجابت له الضمائر الميتة والنفوس التابعة الذليلة المريضة لهذا النظام الملكي الظلامي الثري الذي يشتري الضمائر بأموال البترول حتى بلغ الأمر ببعض وعاظهم ان يفسر سقوط الرافعة الحديدية على البيت الحرام التي راح ضحيتها العشرات من الحجيج بـ (انها خرّت ساجدة لله.) وحاشى لله أن يقتل ضيوفه. فالويل لكم مما تصفون.

ومن مهازل القدر أن يرمى آل سعود كل أوضارهم وجرائمهم وتجنياتهم في تلك المأساة المروعة على الدولة الإسلامية إيران التي فقدت أكثر من 500 حاج وهاجموها بكلمات نابية وهي في حالة الحداد على أرواح ضحاياها. وإمعانا في صلفهم وأفكارهم البدوية المتطرفة الذي رسمه لهم الفقه الوهابي المتحجر فقد منعوا الحجيج من السلام على قبر الرسول الأعظم ص، وزيارة قبور أئمة أهل البيت ع في البقيع،وكل حاج بات يعلم قسوة وفضاضة وغلظة ماتدعى ( هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) فبمجرد سماع فرد منها شخصا يصلي على النبي وآله ص بعد إنهاء صلاته يرفع صوته عن طريق المايكرفون صارخا وكأنه وحش ( إتركوا البدع أيها الرافضة !!!) وقد حدث ذلك لي شخصيا. واليوم يحرمون الشعب الإيراني والسوري واليمني لهذا العام من ممارسة هذه الشعيرة الإسلامية لأسباب طائفية.و الأخبار تقول إن أربعة حجاج يمنيين أستشهدوا عند أحد المنافذ الحدودية نتيجة للمعاملة القاسية تحت وطأة الحر الشديد . ويتم التحقيق مع الكثير من المتوجهين لبيت الله الحرام لأسباب طائفية وهذا أمر لايقر به الدين الإسلامي لأن الأماكن المقدسة هي ملك لكل المسلمين ولهم الحق في ممارسة شعائرهم فيها وفقا لمذاهبهم، ولا يحق لحكام آل سعود فرض أجندتهم السياسية والمذهبية على الحجيج . ومن يمنع الحج عن شعب من الشعوب الإسلامية فإنه يرتكب جريمة كبرى بحق الإسلام لأنه يتناقض تناقضا صارخا مع سماحته .

إن حكام آل سعود يرتكبون اليوم أبشع الجرائم الإنسانية في اليمن وسوريا ويتمادون يوما بعد يوم في جرائمهم ، ولا يبالون بأية إنتقادات دولية لأنهم يدركون إنها غير جدية في إيقافهم عند حدهم. لكنهم نجحوا في تحقيق هدف واحد ألا وهو محو كل التراث التاريخي للمدينتين المقدستين مكة والمدينة بما ينسجم مع المعتقدات الوهابية. وهم يتحدثون كثيرا عن مايسمونها بـ(الفوضى) التي يخلقها الحجاج الإيرانيون .وقد رأيت الحجاج الإيرانيين بأم عيني وهم في حالة من الإنضباط والنظام واحترام الأنظمة والقوانين مايعجز الإنسان عن وصفه.

وقد أثبتت فاجعة منى والحرم المكي والفواجع التي سبقتهما بما لايقبل الشك أن النظام السعودي غير كفوء مطلقا في إدارة شؤون الحرمين الشريفين، وغير جدير بهذه المهمة المقدسة نظراً لإخفاقاته المتكررة في كل المواسم تقريباً وفشله في تنظيم وإدارة جموع حجاج بيت الله الحرام، وهذا ما أكده أكثر من مسؤول إسلامي.

ان الدول التي فقدت حجيجها وعوائلهم ليس امامهم الا مقاضاة هذه السلطة المستهينة بالأرواح البشرية التي قدسها الله.

والحل الوحيد لتلافي مثل هذه الفاجعة وما سبقها من فواجع متكررة هو ان يصار امر الحجيج إلى لجنة اسلامية عليا من علماء كافة الدول الإسلامية. وإذا لم يتحرك علماء ومفكروا الأمة الإسلامية، وبقيت الدول الإسلامية ساكتة على هذا الظلم الفادح، فملايين المسلمين يعتقدون أن آل سعود سيواصلون إنتهاكاتهم بحق حجاج بيت الله الحرام ، وستظل المخاوف قائمة في هذا الموسم والمواسم القادمة لحدوث كوارث أخرى لاسامح الله.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى