في نقد الرواية(2): رواية (في ممر الفئران) د. أحمد خالد توفيق

لعلك حين تسمع اسم د. أحمد خالد توفيق (1962ــ 2018) تذكر أنه كان طبيبًا قبل أن يكون أديبًا، ثم يذكرك نشاطه في فنون السرد بيوسف ادريس، أويذكرك بأشهر الأطباء الأدباء المبدعين في الأدب العربي الحديث مثل إبراهيم ناجي وأحمد زكي أبو شادي ،ظاهرة الأطباء الأدباء التي بدأت منذ قديم الزمن ابتداء بالطبيب الإغريقي كتسياس الذي ظهر في القرن الخامس قبل الميلاد، وصولا إلى كثيرين من الكتاب المعاصرين مثل علاء الأسواني وغيرهم، والأطباء ــ في الحقيقة ــ أكثر الناس إدراكًا لحالة الإنسان الفرد على مستوى خصائصه الجسمية و العقلية،هم من يدركون الصور الإنسانية العامة لمجتمعهم، ولا يتجاهلون في الوقت ذاته سلوكيات الفرد التي قد يختلف بها عن مجتمعه، لقد استطاع كثير من الأطباء فهم الشخصية الإنسانية، ورسم ملامحها الجسمية والسلوكية، وقد برعوا كثيرًا في التعبير عنها في أساليب أدبية بديعة.

لكنَّ أحمد خالد توفيق نشأ أدبيًا في فترة ذاعت فيها شهرة كتاب الرواية المعروفين في العقود السابقة من نهايات القرن العشرين، وتأكدت ريادتهم، وسيطرة نصوصهم على المشهد الأدبي، وقد كان من الصعب في هذه الفترة أن يظهر أديب جديد، تتحول معه اتجاهات القراءة لدى الشباب إلى قبلة أخرى، كما أنه من جهة ثانية نشأ في مدينة طنطا شمال مصر، بعيدا عن أضواء العاصمة، منفردا عن مؤسساتها الثقافية الكبرى، وكلنا يعلم أن مراكز الإدارة هي نفسها في بلادنا مراكز الثقافة.

بدأ أحمد خالد توفيق كاتبا لقصص الرعب، فأصدر سلسلة(ما وراء الطبيعة) وبرزت ضمنها رواية(أسطورة مصاص الدماء) ثم بدأ يترجم روايات عالمية إلى اللغة العربية، وبدأ برواية(نادي القتال) لمؤلفها الكاتب الأمريكي (تشاك بولانيك) ثم استمر في الترجمة فترجم كثيرا من الروايات منها(عداء الطائرة الورقية) للكاتب الأفغاني خالد حسيني، وهي رواية لها كثير من الترجمات العربية، وازداد ولعه بالترجمة، فأصدر سلسلة روايات عالمية للجيب(مترجمة) ثم سلسلة (رجفة الخوف) وهي أيضًا سلسلة روايات رعب مترجمة.

ويبدو أن هذه الترجمات قد تركت أثرًا أدبيًا وإنسانيًا كبيرًا في الكاتب، ليس على مستوى المشاعر والأفكار فحسب، وإنما على مستوى الصياغة والأسلوب، بل على كل عناصر بلاغة الرواية، فبعد هذه الترجمات سرعان ما أصدر أحمد خالد توفيق روايته(يوتوبيا) سنة 2008 عن دار ميريت ،وهي الرواية التي لقيت حظًا كبيرًا من الشهرة فترجمت إلى الإنجليزية، والفرنسية، ثم الألمانية والفنلندية، ثم أعيد نشرها بالعربية عن دار الشروق ومؤسسة قطر للنشر، ثم توالت مؤلفاته الروائية، فأصدر رواية(السنجة) سنة 2012 ثم رواية(مثل إيكاروس) سنة 2015 ثم روايته (في ممر الفئران) سنة 2016 عن دار الكرمة، ثم روايته الأخيرة(شآبيب) رواية التشويق والمغامرة التي صدرت عن دار الشروق سنة 2018 كما أصدر أحمد خالد توفيق أكثر من (25) مجموعة قصصية، أشهرها (عقل بلاجسد) سنة 2008 ومجموعة(الآن نفتح الصندوق) سنة 2009

توفي د. أحمد خالد توفيق سنة 2018م إثر عملية جراحية في القلب بعد أن أخذ بعيون الشباب إلى القراءة، وأخذ بعقولهم إلى التأمل، وألقى إليهم كثيرًا من العبارات الصالحة للاقتباس صاغها لسانه، فجدد مأثورات الكلام لدى قرَّاء الجيل المعاصر.

مقالات ذات صلة

  • رواية في ممر الفئران

نُشرت هذه الرواية كأحد الأنماط السردية الديستوبية، وهي تقع في 380 صفحة، جاء على غلافها صورة قداحة، وهي ليست صورة عابرة بعيدة عن مضمون الرواية، وإنما هي آلة استخدمت كثيرًا من قبل بعض شخصيات الرواية، بل كانت عاملا مؤثرًا في مجرى الأحداث في كثير من الأحوال، فكثيرا ما خلف استخدامها فرحة، وأحيانًا خلَّف استخدامها حسرة، فكانت رمزًا فاعلا في الأحداث كما لو كانت شخصية في مجتمع الرواية.

يبدأ المؤلف د.أحمد خالد توفيق الرواية بمقدمة قال فيها: إنَّ الرواية معالجة جديدة لروايته السابقة(أسطورة الظلام) مع اختلاف في الحبكة والنهاية، والحقية أنه قد أبدع في صياغة العنوان،فجاء مناسبا للمضمون الديستوبي، الممر يوحي بالضيق، والمجال الطويل، أما الفئرانُ فتوحي بالكائنات التي ترضى بالقليل من كل شيء، وتوحي بالعزلة عن المجتمع الحقيقي الذي نعيشه، وأنها بعيدة عنه بالرغم من أنها تعيش في هذا المجتمع وتمثل فيه وجودًا شاسعًا.

تبدأ الرواية بتمهيد طويل دون حاجة حقيقية إلى هذا التطويل، ثم تتناول شخصًا واقعيًا هو(شرقاوي) الذي أصيب بمرض، وازداد ما لديه من قلق وتوتر اجتماعي وتفكير في المستقبل،فلم يجد حلا لهمومه سوى تناول أدوية منومة، يفيق من الغيبوبة، ليعود فيدخل فيها من جديد، لايشعر بمتعة في حاضره، ولايجد تصورًا واضحًا لمستقبله، لكنه يسمع عن تغير كوني كبير ناتج عن اصطدام نيزك بالأرض، مهدت الصحافة طويلا لهذا الخير، وتحدثت عن آثاره طويلا قبل وقوعه، تحول الكون إلى تدريجيًا إلى الإظلام ، وبات النور حلمًا مستحيلا، واستحال جهد الناس إلى التفكير في وسائل مؤقتة للتعامل مع الظلام، استهلكوا الكهرباء ثم الزيت والغازات، ثم الشموع، ثم أدركوا أنهم يعيشون في ظلام لا ينتهي، وعليهم أن يتعايشوا مع هذا الواقع الجديد. لا يجدون وسائل النور التي أصبحت محرمة، ولا يعرفون كيف غطى هذا الظلام الكون، ثم يكتشف شرقاوي في نهاية القصة أن هناك شخصًا يحكم الكون، ويسيطر عليه هو (القومندان) وأن هناك نورًا حقيقيًا في أعلى الجبال، حياة أخرى لا يتصورها إنسان من بين كل هؤلاء الناس.

وفي هذا الخط السردي الطويل ــ حياة شرقاوي من بداية الرواية إلى نهايتها ــ كانت هناك قصص أخرى صغيرة عابرة، كلها عن أفراد أسرة واحدة، رامي الذي يحب زميلته في الجامعة، ويتزوجها في الظلام وينجب في الظلام، وأخوه المراهق، وأخته عزة المعلمة التي فاتها قطار الزواج، ثم تربطها علاقة بعامل في المدرسة، وفي الواقع كلهم تعايشوا مع الظلام، واحتالوا على الهروب منه، وسعى كل منهم إلى أن يسترق لحظة من متعة النور، ولو على ضوء قداحة.

  • البناء السردي

بنى المؤلف روايته سرديًا على عاملين، أولهما الوصف في أكثر الأحوال، ثم الحوار الذي كان فعالا قويًا بالرغم من قصره في جمل، وقلته في صفحات الرواية، تنقل المؤلف في أثناء ذلك بين فصول قصيرة، تحكي مرة عن شرقاوي، و فصول أخرى تحكي عن أسرة رامي وحياتها من عالم النور إلى عالم الظلام، وهو يفعل ذلك مهارة شديدة، حتى تكاد لا تعرف من بطل الرواية ومن شركاؤه ومعاونوه على وجه التحديد إلا عند اقترابك من منتصف الرواية، بعد أن تكون قد قطعت شوطا كبيرًا منها، ثم يجعل المؤلف من خواتيم الرواية لحظات تنوير متعددة، إحداها لحظة لشرقاوي الذي يرى النور ويعرف أنه موجود في الكون حقيقة واقعية لكنها بعيدة عنه، وليست حلمًا يستحيل حدوثه، أما لحظات التنوير لأعضاء أسرة رامي فكانت في أكثرها التقاء بعضهم ببعض، أو تقييم بعضهم لأفكاره في نهاية الرواية، فكانت لحظات تنوير دالة على نهاية مستقلة لكل فرد من أفراد هذه الأسرة، ولكنها في الحقيقة تنسجم معًا فتصنع مشهدًا تنويريًا كبيرًا يشكل وعي القارئ بنهاية القصة، نهاية تنفك معها رموز الرواية.

ثم استطاع المؤلف أن ينسج ببراعة لقاء الشخصيات في الرواية، فلا تشعر معه أن شيئًا متكلفًا تمت صياغته من أجل الحبكة الروائية، فرامي التقى بالشرقاوي للمرة الأولى في صفحة 224 ولعل الذي أسهم في ذلك أن كليهما من حياة واحدة ومجتمع واحد، أما الشخصيات الأخرى في الرواية، فإن مسيرتها وأعمالها ومواقفها لاتبدو واضحة الزمان، وكأنها أمور قدرية لابد لها أن تقع، و لا حاجة للسؤال عنها.

ولم يعتنِ المؤلف برسم صورة الشخصيات من حيث المظهر، ولكنه تركنا نعرفها من الأفكار والمواقف، فشعرنا بها شخصيات مصرية مثل كثير ممن نعرفهم، دون حاجة إلى الإسهاب في رسم ملامح هذه الشخصيات، وإنما كانت أفعالها تدل على أشكالها، ولعل هذا النهج الذي سلكه المؤلف جاء مناسبًا لحياة الظلام التي غطت معظم أحداث الرواية، فلا حاجة لأن يصف المظهر الذي سيختفي بعد قليل عندما يغمر الظلام الكون، وإنما اعتنى المؤلف بوصف الأفكار والمشاعر والمواقف والآراء، وهو ما ظل ثابتًا لم يتغير طوال الرواية.

مكان الرواية، يبدو مكانًا غير محدد على نحو دقيق، نستثنى من ذلك بدايات الرواية التي حددت صراحة في أماكن كثيرة أنه المكان هو مصر، دون تحديد مكان معين في مصر، فالحدث يقبل الوقوع في كل مكان في مصر، ثم بدأ اسم مصر يقل ذكره مع منتصف الرواية، إلى أن اختفى تماما في الربع الرابع من الرواية،حتى كأنك أدركت أنها أحداث معهودة تقع في مصر، وانفعلتَ لها،و أصبحتَ تشارك الشخصيات أحداثها وأفعالها، ومن وقت لآخر يذكرك المؤلف بمصر، فيقول لك: (أصبح متحف محمد محمود خليل بلا لوحات ص 220) أو حين يحدثك عن تفكير الغاضبين في الثورة، فيقول: ( هناك خلايا أخرى في مصر، وفي دول العالم، يومًا ما سنلتحم، ونصنع ثورة واحدة، سوف نقهر الظلام) ص 297 وعندما ينتقل المؤلف إلى الأجزاء الأخيرة، حيث يحتدم الظلم، ويشتد الظلام، وتتضح الرموز السياسية والاجتماعية جلية أمامك، حينها لا تقرأ كلمة مصر مكتوبة أمامك، ولكنك تستحضرها في ذهنك ووجدانك مما سبق أن قرأته، ولعل ذلك هروبٌ لجأ إليه المؤلف ليبتعد عن الانتقاد الصريح للمجتمع المصري، أو ليجعل من الصورة الروائية في النهاية نموذجًا ينطبق على أماكن كثيرة في العالم.

لكن المؤلف لم ينسَ أن يستخدم مفردات المكان في المجتمع المصري ليضمن استحضارك التام لصورة المجتمع المصري من الشوارع الضيقة، والأزقة المتسخة، وأفكار المراهقين، وعادات البنات وغيرها، حتى لتظن أنه يتحدث عن منطقة تعرفها أنت على وجه التأكيد.

أما زمان القصة فلم يذكره الكاتب على وجه الدقة، لم يذكر سنةً أو حتى عقدًا، ولكنك تدرك على الفور بعد قراءة الفصول الأولى أن يتحدث عن المجتمع المصري في الفترة السابقة مباشرة على تاريخ نشر الرواية، التسعينات وما بعدها في المجتمع المصري، وقد صنع المؤلف زمانًا منتهيًا هو الزمان الحقيقي حيث كانت الدنيا تسير بشكل طبيعي محسوب بالأيام والأسابيع والشهور والسنوات، إلى أن دخل الكون في مرحلة الظلام التدريجي، الظلام التام الذي فقد الناس معه الإحساس بالوقت، ثم الإحساس بقيمة الوقت، فلا نهار هناك يعقبه ليل، ولا ضوء ينظرون فيه للساعات، لقد دخلوا زمن المعاناة التي لا تنتهي، زمن الظلام اللامحدود، وفي الحقيقة، نحن هما أمام زمنين، أحدهما الزمن المعروف الذي انتهى، والثاني زمن مستمر دائم، ولكنه ليس الزمن المعروف حدوده ومداه، حيث دخلوا في مرحلة يكتفي الناس فيها بقضاء حاجاتهم الأساسية، أما أمور الرفاهية فكانت متروكة لذكريات من عاشها منهم في النور، لمن رأى منهم الشمس أو مصابيح الكهرباء، وعلى هذا النحو صنع الكاتب زمنين أحدهما الزمن الماضي الذي يمثل الذكريات، والثاني الزمن الحاضر الذي يمثل المعاناة، وبين الزمنين تشتد معاناة بعض الشخصيات ممن شهدوا العصرين، فلا هم قادرون على نسيان الماضي، ولا هم قادرون على التعايش الطبيعي مع الحاضر.

وإذا كانت كلمة (مشكلة) توحي أول ما توحي بالغموض والإشكال، وحلها يوحي أول ما يوحي بالنور، فإن المشكلة في هذه الرواية على وجه الحقيقة كانت هي انتشار الظلام في الكون، وحل المشكلة كان في مجيء النور، كل نور في الرواية كان محاولة للحل، القداحة التي كان يستخدمها شرقاوي، ويختفي بها، أو يخفيها عن أعين الشرطة كانت محاولة للحل، الأنوار التي توجد في المصابيح مما صنعه بعض العلماء، كانت محاولة للحل، ولكن هذه كانت المشكلة الكلية، أما عن المشاكل الأخرى الجزئية في الرواية،فقد كانت لكل شخصية مشكلتها، وهي أيضًا مشكلات لا تعرف أسبابها، ولا تعرف كيف تكونت؟ ولا تعرف ما الذي يحلها؟ سوى أنك تعرف أنها جاءت قدرًا في ظروف المجتمع الغامضة، إذن لايمكن أن يكون النور حلا لكل هذه المشكلات، ولكن تستطيع أن تقول أن هذه المشكلات تفاقمت، وازدادت حدتها مع الظلام الدامس، رامي ــ على سبيل المثال ــ مشكلته أن يرتبط بزميلته في الجامعة، لا يعرف كيف أعجب بها،و لايعرف كيف أحبها ولا يعرف كيف أصر على الارتباط بها بالرغم من أنه شاهد أستاذه الجامعي يقبلها في مكتبه، وكذلك أخته عزة، لا تعرف كيف فاتها قطار الزواج، وكيف ارتبطت بعامل المدرسة وأنجبت منه بعد علاقة بينهما، وكيف ستتصرف بعد إنجابها في مجتمع الظلام.

إنَّ المشكلة الكبرى ــ الظلام ــ لم تصنع المشكلات الصغيرة كلها، لكنها في الحقيقة صنعت بعضها، ثم زادت من قسوة البعض الآخر، حتى اصبحت لحظة النور حلا ممكنًا، وأملا مرجوًا للجميع في هذه الرواية.

أما لغة السرد التي استخدمها المؤلف فكانت لغة عجيبة حقًا، فهي بالرغم من كبر حجم الرواية، إلا أنها قامت على الجمل القصيرة، وأحيانا الجمل القصيرة جدًا، وأحيانا يستخدم الكلمات الأجنبية والأرقام، وهو في ذلك يعتمد على بلاغة الإيجاز، فيستخدم بعض العبارات ليصنع منها حِكَمًا أو جملا ماثورة لتعبر عن كثير مما يريده، فيقول: (سياسة إذا متُّ ظمآنا فلا نزل القطر تلخص كل شيء) ص 368 ليعبر بها عن أسلوب الذين لايرجون الخير لغيرهم إذا لم ينزل بهم خير، وتدهش من هذه الجمل القصيرة السريعة كيف تأخذ بالقارئ من فكرة لأخرى، ومن شخصية لأخرى، ومن حدث لآخر، من ذلك قوله: التعامل مع مشروع شهيد يشتهي الموت لعبة جد خطيرة، يمكنه أن يدمرك في أي لحظة، أو يؤدي لافتضاح أمرك بسهولة, الأبطال يحترقون، و يحرقون من هو معهم !!.. وكذلك قوله في ص 16 (القرص يعبث في كيمياء المخ .. موصلات تتوقف ومواد تفرز ومستقبلا تتغلق..الأبواب تنغلق واحدا تلو الآخر..جفناه يثقلان..إنه ينام) فتشعر كأنك أمام نص أجنبي مترجم، ولا شك في أن ذلك يعود إلى كثرة ما ترجمه الكاتب من روايات سابقة على تأليفه لهذه الرواية.

ومن مظاهر هذه اللغة الروائية أيضًا أنها لا تقتبس حياة الشخصيات فتحكيها فحسب، ولكنها تقتبس من نصوص التراث كل تليد مفيد، فيعرض المؤلف في مطلع فصول كثيرة لأبيات من الشعر، يعرج عليها في حكاية الفصل، ثم هو يوثق ذلك توثيقا، فيبدأ أحد فصول الرواية صـ 231 بقصيدة الأرض الخراب لإيليوت، وأحيانا يبدأ بأبيات لأبي القاسم الشابي في صـ 309 وأحيانا يتمثل داخل النصوص بأبيات للشعراء كما في تمثله بأبيات لزهير صـ 310 وأحيانا يبدأ في ص 190 بأبيات أمل دنقل الشهيرة( المجد للشيطان..معبود الرياح) أو يصنع أحيانًا من إحدى شخصيات الرواية وهي (نجوان) شاعرة يقتبس بعض أبياتها شعرًا يبدأ به بعض فصول الرواية، فتكون اللغة الروائية ذات تناص داخلي، يزيد في الإيهام الروائي، ويكثر من ذلك، حتى لتنسى معه أن نجوان شخصية موجودة في الرواية، وتقرأ شعرها في مطلع بعض الفصول، فتظنها شخصية حقيقية يقتبس المؤلف من أشعارها،و وقد يضع المؤلف لذلك عنوانًا: ( من أغنية نجوان: إنني سوف…) صـ 322

كما أن هذه اللغة الروائية لغة تثقيفية للقارئ، تحرص دائمًا على تزويده بالمعرفة والمعلومات التي قد تكون جديدة عليه كلما سمحت محطات السرد بذلك، يتحدث المؤلف عن رامي في ص 26 فيقول: ( لم يكن متحمسًا للعلم بحال، وإنما هو حماس من يمشي في درب لايعرف من وضعه فيه، ولا متى ينتهي، ولا لماذا يمشي فيه، ذات نظرة إيليا أبو ماضي للحياة هي نظرته للكلية) وهكذا هو في الطريق السردي يعرفك بسيجموند فويد، ويعرفك بجفارا، ويعرفك حتى بشاعر المهجر نسيب عريضة، ويستشهد أحيانًا ببعض أبياته.

أما الراوي الذي يقصُّ عليك بهذه اللغة، فيظهر بوضوح في أوائل الرواية، يقص ويسرد ويعلق، ثم يختفي ولا تشعر به بعد ذلك، حين يتركك في أعماق روايته، وقد اطمأن إلى أنك الآن في البحر الروائي العميق، يقول في أوائل الرواية: ( تفسير الغيبوبة؟ لا أعرف. أعرف فقط أنَّ الشرقاوي انتقل لبعد آخر كما قلت، وأعرف أن رحلته عبر ممر الفئران قد بدأت، ولن تنتهي عما قريب… ربما لن تنتهي أبدًا.. صدقني.) ص 16 وهكذا يستمر وجود الرواي، أثناء القراءة، فأنت تجده يعلن صراحة في ص 47 قائلا: ( بالطبع أنت تعرف أن معجزة حدثت، وأن هذه كانت الأيام السابقة لسقوط النيزك، لكن دعنا لا نستبق الأحداث، سأحكي كل شيء في وقته) على أن هذا الراوي يظل دائما قريبًا من القارئ، يعلق له، ويفسر، ويقتبس له، ويستشهد، ويخاطب القارئ أحيانًا بصراحة.

لقد استخدم د.أحمد خالد توفيق الحوار في كتابة الرواية استخدامًا ناجحًا يدل على فهمه لدور الحوار في العمل السردي، فالحوار الذي جاء قصيرًا في حجمه، قصيرًا في جمله ومفرداته، كان يسير في طريق السرد الذي انتهجه الراوي، فلا تشعر أنك توقفت عن قراءة سردية لتنتقل إلى قراءة حوارية، كما أن الحوار في هذه الرواية جاء في صورتين، أولاهما الحوار بين الشخصيات، وقد كان بدوره كافيًا لفهم أبعاد صورة الشخصيات، وحدود أفكارها وسلوكها، ثم النوع الثاني الذي كان حوارًا ذاتيًا بين الشخصية وذاتها، من خلال التساؤل، أو التردد، أو اللوم والعتاب، وهو حوار داخلي أسهم بدوره أيضًا في فهم أعمق للشخصيات.

  • المضمون السياسي والاجتماعي

كل شيء في هذه الرواية يحمل مضمونًا اجتماعيًا أو سياسيًا، حتى أسلوب الكتابة الذي استلهم كل قديم، ووظف كل عناصر التراث من شعر إلى حكم ثم حكايات و أساطير وأحداث تاريخية قديمة، كل هذا ربطه المؤلف بالحياة المعاصرة لشخصيات الرواية، فكانوا معاصرين يحملون وعيا قديمًا لا ينفكون عنه، مهما اختلفت حياتهم سيفكرون بالطريقة القديمة نفسها، عناصر التراث ستظل حاكمة الموقف، حتى بعد أن أظلمت الدنيا، وسيطر الظلام على الكون ظلت شخصيات الرواية تفكر بالطريقة نفسها، ليس بطريقة التفكير السائدة قبل الإظلام فحسب، ولكنها الطريقة السائدة حتى قبل قرون طويلة، لذلك تظهر الحقيقة جلية في بعض اللمعات السريعة، عبارات تقولها الشخصيات في لحظات تنوير خاطفة في الفكر،مثل: (عندما لا يوجد مستقبل، فلا جدوى من الماضي)

عنوان الرواية ذاته يحمل شيئًا كبيرا من هذا المضمون ــ في ممر الفئران ــ عنوان يوحي بحياة ضيقة، رتيبة، اعتاد ساكنوها على نمط معين من التفكير والسلوك، الدنيا عندهم نهايتها حدود هذا الممر الضيق، حيث لا تتصور الفئران أن هناك عالمًا آخر يعلو ممرهم، منفتح ومضيء ومتسع للجميع، إلا إذا أتيحت لها فرصة الاطلاع على هذا العالم، وبالرغم من أن كلمة العنوان ــ في ممر الفئران ــ ورد ذكرها مرات قليلة جدًا، إلا أننا تأكدنا من أنه يقصد بممر الفئران حياة شخصيات روايته في هذا العالم، يعيشون على الخوف، ويعيشون بالخوف،الخوف من النور الذي يحتاجون إليه، لكنه النور الذي سوف يأتي ليظهر حقيقتهم لأنفسهم ويظهرهم للعالم.

اتخذ المؤلف من الواقعية سبيلا إلى النقد الاجتماعي والسياسي، وكان منهجه في ذلك تصوير الشخصيات من خلال ما يؤمنون به من القيم، ومن خلال ما تحتويه عقولهم من أفكار، وما ينتهجونه من سلوك، فالناس يقتنصون لحظة سعادة في هذا الكون المظلم، تمامًا مثلما كانوا يبحثون عن لحظات سعادة أثناء حياتهم في النور، إنهم يتخذون في عالم الظلام السلوك نفسه الذي كانوا يتخذونه في عالم النور، سوى أنهم في عالم الظلام أصبحوا يبحثون عن السعادة ــ النور ــ بشدة، بل يهربون ممن يطاردهم ــ الشرطة ــ إذا علم أنهم وصلوا بالفعل إلى النور، وإن كان هذا النور متمثلا في ضوء قداحة، والشرطة تتوسل إلى ذلك بأجهزة حديثة للرؤية الليلية، تفتش بها عن توصل إلى النور، وعمن استطاع أن يشعل شمعة.

والرمزية أيضًا طريق سلكه الكاتب في روايته، فهذا الشرقاوي عندما يشعل قداحة في المتحف المصري، فإنه يرمز هنا إلى البحث عن النور، ولو في حضارة مصر القديمة، أن نأخذ من ماضينا ما ينهض به حاضرنا، وكذلك يرمز الكاتب بمرض الكساح الذي يصيب بعض المصريين إلى العجز الكامل عن التفكير والتصرف، فإذا كان الشمس تقوى العظام، فإن النور في الحقيقة يقوي العقول.

ثم يصل المؤلف إلى قمة النقد السياسي بالوصول إلى خواتيم الرواية، حين يظهر شخص اسمه( القومندان) حين يكتشف العالم أن هذا الشخص وحده هو الحاكم للكون، وأنه وحده يعيش في النور أعلى الجبال، وأن رجال الشرطة في كل مكان يأتمرون بأمره، يخاف الناس من الشرطة، لكنهم لايعلمون أن الشرطة أيضًا تخاف من (القومندان)، ولذلك فإن الكاتب ينقل العبارة الشائعة التي يرددها الناس فيما بينهم حين يدركون جزءًا قليلا من الحقيقة، ويظنون أنهم أدركوا الحقية كاملة : ( أبق ِ رأسك منخفضًا، وابتعد عن أي تفكير في النور ، واحرص على ألا تعتقلك الشرطة) ص 185

لم يعطنا المؤلف صورة واضحة للحاكم(القومندان)، ومن الطبيعي ألا تظهر صورة هذا الرجل واضحة، فكيف ستظهر جلية لمن يعيشون في الظلام؟ إنهم حتى لايعرفون مكانهم: ( في ممر الفئران أنت بحاجة إلى وهج نور عابر يجعلك تدرك مكانك) صــ 197 وكل ما هو متاح عن هذا الحاكم أن (سيطرته على العالم سيطرة كونية لا راد لها، إنه القدر، إنه يرى ونحن لا، ينعم بالنور ونحن لا، نعيش كالخافيش، ويعيش هو كالنسور) صـ 201 وحين يتساءل الناس عن الحق الذي لدى القومندان لتكون عنده كل هذه السيطرة على العالم، يرون: (أنه حق القوة، لا أحد يقدر على مواجهة القومندان) صـ 209 وفي شيء من الفسلفة يعرفون ( أنَّ الضوء ليس جريمة أو حرامًا، فيما عدا أنه يضعف من سيطرة ذلك الطاغية) صـ210 لذلك يشعر الناس بالرقابة الدائمة( البصاصون في كل مكان) صـ 214 وانظر إلى استخدام الكاتب للفظ البصاصين، تشعر معه أن هذه الرقابة قديمة منذ أزمان بعيدة، حتى قبل عصر الإظلام.

لذلك فإنه بعد محاولات كثيرة من رامي والشرقاوي لإشعال قداحة، وبعد محاولات كثيرة أيضًا للتخفي بالقداحة من الشرطة، يصلان إلى حل هو العمل في قصور القومندان أعلى الجبال، حيث يقتربون من الشمس، ويعودون للنور،( غدًا سوف نذهب إلى هيئة الموارد البشرية، حيث نقدم طلبًا للعبودية في قصر القومندان، أنا سوف أقبل بسهولة) صــ 312 وعند وصولهم إلى قمة الجبال، كان مشهد رؤية النور مشهدًا أثيرًا لدى كل نفس، هنالك رأوا الناس الذين يعملون عند القومندان، الذين يقتربون منه، الذين يقتربون من الحقيقة، من الشمس والنور: ( الفئة المحظوظة التي تملك الثروة أو القوة يمكنها القدوم هنا لتعيش في قصور القومندان، يمكنها أن تكون فوق آلام العالم، فوق أسراره، فوق مخاوفه، فوق عقائده، وهكذا استطاعت أن تأتي إلى هنا) ص 277 وهناك يشاهد رامي والشرقاوي في ضوء الشمس كل ما كانا يفتقدان رؤيته في العالم المظلم، القصور والوسائد والحلي والنساء والحدائق والمباني المزخرفة، الموسيقى، الرؤية والنور وحدهما متعة هناك لايماثلها متعة، ولكنهما شاهدا فيما شاهدا النساء الغواني، وكانت من بينهن أخت رامي، لم يتكلم رامي ولم يعلق على ذلك اللقاء بعد أن عرف أن كل إنسان يبذل كل ما لديه من أجل الحياة في قصور القومندان.

إنَّ حياة رامي والشرقاوي لم تتغير كثيرا بالمجيء إلى قصور القومندان، أصبحا يعملان بالفعل في خدمة القومندان، ولكنهما رأيا العالم واضحًا أمامهما، فظهرت لهما حقيقة نفسيهما، عرفا عن العالم و عن النفس في النور ما لم يعرفاه عنهما في الظلام، لم يتمتعا مثل القومندان والقريبين منه، و لم يزد النور على أن كشف لهما المزيد من الحقائق.

  • العيوب الفنية في رواية (في ممر الفئران)

يبقى أن من العيوب الفنية في رواية (في ممر الفئران) تكرير لبعض الجمل بشكل واضح لا حاجة له، وقد وضح المعنى والمراد في الصياغة الأولى، ولايمكن القول أن هذا كان سببا في تطول الرواية، أو عاملا في زيادة حجمها، فطول الرواية جاء من طول الوصف، وكثرة الاقتباس الأدبي من القصص والشعر في مطلع كل فصل قصصي، حتى شعرنا أننا أمام عمل أدبي شامل يبدأ بقطعة شعرية، ثم ننتقل بعدها إلى النص القصصي الذي لايخرج مضمونه غالبًا عن مضمون القطعة الشعرية، كأن القطعة الشعرية نص خالد حتمي لابد أن تدور الأحداث القصصية طبقًا له، أما الجمل القصيرة التي اعتمد عليها المؤلف فلا أراها صالحة لكشف ذات الشخصيات الروائية، إلا أن الكاتب ساعد على قوتها وصلاحيتها باستخدام الحوار الذاتي المتمثل في حديث النفس بين الشخصية وذاتها.

أما من حيث المضمون فيؤخذ على الكاتب كونه بعد كل هذا السرد الطويل لسلبيات حياة الفقراء في المجتمع المصري سواء في فترة النور، أو في فترة الظلام، لم يقدم لنا حلا لكل هذه السلبيات، و لا كيف يتم التخلص منها، لقد تحدث عن الظلم، ولم يذكر كيف يتم التخلص منه، وتحدث عن العدل، ولم يذكر كيف يتحقق، الحل الذي استعد له بعض الشخصيات، وسعت إليه، هو رؤية النور عن طريق العمل في قصور القومندان، ليكتشفوا هنالك أن بعض الشخصيات الأخرى فكرت في هذا الحل ــ الحياة بالقرب من القومندان ــ وسعت إليه قبلهم، فهل كان هذا الحل صحيحًا لتخليص المجتمع مما هو فيه؟ أم هو حل جزئي مؤقت، بينما هو في الحقيقة يزيد من السلبيات التي يعانيها المجتمع؟ أم هو تراوح بين حدود الممر الضيق ممر الفئران؟

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى