قراءةٌ تحليليةٌ لقصيدةٍ عصماءَ خالدةٍ – 3

أكد الشاعر الفرزدق في قصيدته على حرف الإشارة (هذا) لمرات كرد احتجاجي وآستنكاري على تجاهل الطاغية الأموي ذلك العلم البارز والإمام المعروف سليل الدوحة الهاشمية النبوية علي بن الحسين ع الذي يعرف مشيته وخطاه بيت الله الحرام، وتعرفه بطحاء مكة والعراق والشام والمدينة المنورة. هذه الشخصية النورانية الموقرة التي إستمدت نورها وعلمها من نور جدها المصطفى ص .وتشهد له حواضرها بإنه إبن أفضل خلق الله سيد الرسل محمد بن عبد الله ص. وإنه التقي النقي الطاهر العلم. وكلها صفات مترادفة وضعها الشاعر في نسق وصفي إبداعي جميل يأخذ بالألباب. وهي تدل على قريحة نابعة من عاطفة جياشة صادقة عارفة بفضل هذه الشخصية ونسبها الطاهر بعيدا عن الرغبة في التكسب واللهاث خلف بريق المال مهما كانت حاجة الشاعر إليه.وهذا هو روح الشعر، وواحته الخضراء، ونبعه الصافي المتدفق.

يرتجل الشاعر في مطلع القصيدة كلمات عفوية متألقة بعيدة عن الحشو والتكلف والزيادات الطارئة.فتتدفق في لوحة من كلمات إستنكارية موجهة للطاغية سليل الغدر والضلال والحقد وكأن لسان حاله يقول:

أما تعلم أيها المغرور المتكبر، الناكر للحق إن منزلة علي بن أبي طالب ع منزلة عظيمة في مراتب الإيمان بالله وبكتابه ونبيه ص. أما تعلم إنه صاحب نهج البلاغة والمعارك الفاصلة في الإسلام والذي تربى في بيت الرسول الأكرم ص،وهو الذي نهل من ينابيع تقواه ومودته وحنانه وفقا لما علمه ربه تعالى. وهو المختار من قبل رسوله الكريم ليكون خليفة للمسلمين من بعده بأمر من الله حين قال ص: ( قد اخترت من اختاره الله لي عليكم عليا ع ) شرح نهج البلاغة لآبن أبي الحديد 1/15.

ألم تسمع بقول رسول الله: ( ياعلي أنت مني بمنزلة هارون من موسى ولكن لانبي بعدي.)

وقوله ص: (ياعلي لايحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق.)

إن الإمام الذي تجاهلته هو إبن سيد شهداء أهل الجنة الإمام الحسين ع وحفيد ذلك الإمام العظيم علي بن أبي طالب وجدته بضعة رسول الله فاطمة الزهراء البتول ع التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها.وهو الذي رضع القيم التربوية النبوية السمحاء من معلمه رسول الله ص وهو القائل في خطبته المعروفة بـ (القاصعة) ع:

(وقد علمتم موضعي من رسول الله ص بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة ،وضعني في حجره وأنا ولد، يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسّني جَسده، ويشمّني عَرْفه ، وكان يمضع الشيء ثمّ يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل. ولقد كنت أتّبعه اتباع الفصيل إثر اُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله ص وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نورالوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة.) شرح نهج البلاغة للفيض-الخطبة 234- ص 802.

فهذا الشبل من ذلك الأسد لو علمت أيها المتغطرس الجاهل .ولو نطق الحجر لرحب بقدومه. وخر ساجدا بين قدميه.

إن هذا العَلَم وأبوه وأجداده التقاة الأباة هم حجة الله على خلقه، وهم المشكاة والنور المتلألئ بين الأرض والسماء، وذكرهم لايمحى أبدا مادامت الدنيا مهما حاول الأعداء طمس مآثرهم وسيرهم العطرة. فأين أنت وآباؤك وأجدادك منه ومن أبيه وجده وذريته. بل أين الثرى من الثريا.؟ ثم يستطرد:

ألم تسمع بجعفر الطيار ذو الجناحين شهيد مؤته ؟وبحمزة أسد الله الغالب شهيد أحد ؟ إن الإمام الذي حاولت تجاهله ينتسب إلى هؤلاء الرجال الغر الميامين الذين حاربوا أئمة الكفر،إنهم الكرماء المحسنون الذين لايشق لهم غبار في العفو والإحسان،وتنتهي إليهم مكارم الأخلاق. وقريش كلها تعترف بذلك.

لو يعلم الركن من قد جاء يلثمهُ
لخر يلثم منه ماوطى القدمُ

هذا علي رسول الله والده
أمست بنور هداه تهتدي الأممُ

هذا الذي عمه الطيار جعفر والـ
مقتول حمزة ليث حبهُ قسمُ

هذا ابن سيدة النسوان فاطمةٌ
وابن الوصي الذي في سيفه نقمُ

إذا رأته قريش قال قائلها
إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ.

  • مقالات ذات صلة:

  1. قراءةٌ تحليليةٌ لقصيدةٍ عصماءً خالدةٍ – 1
  2. قراءةٌ تحليليةٌ لقصيدةٍ عصماءً خالدةٍ – 2

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى