*قراءة في أسباب ونتائج التحولات الأمريكيـة إزاء اليمن* الجزء الثالث والاخير

*قراءة في أسباب ونتائج التحولات الأمريكيـة إزاء اليمن* الجزء الثالث والاخير
خالد العراسي

 

هنالك أسباب أخرى لكنها أقل أهمية مما سبق ذكره، ونكتفي بالتطرق لأهم الأسباب، أما عن النتائج فكانت حبك خطة شيطانية بدأها ترامب بخطوتين كمنفذ للسياسة الأمريكية، والغرض من الخطوتين كان التضليل وإيهام المجتمع الدولي أن الموقف الأمريكي السابق من العدوان على اليمن ناتج عن تصرفات شخصية خاطئة ارتكبها ترامب بتهوره واندفاعه، ولا يعبر عن التوجه العام للسياسة الأمريكية، بينما الحقيقة مختلفة تماما، وأي تصرف من أي رئيس أمريكي تتحمل تبعاته أمريكا كدولة، ولا علاقة للشخصنة بالموضوع.

وتتضمن الخطة تراجع بايدن وحكومته عن الإجراءات والسياسة الأمريكية المتخذة إبان نظام ترامب، وبالنسبة للخطوتين فهما:
الخطوة الأولى: عقد صفقات بيع أسلحة للسعودية والإمارات، وفي هذا السياق بمجرد الاطلاع على نوعية تلك الأسلحة التي تضمنتها الصفقة يدرك القارئ والمحلل السياسي أنها لم تكن أكثر من صفقات وهمية، فلا يمكن الموافقة والسماح للسعودية والإمارات بامتلاك أسلحة نوعية متطورة تجعلها في حالة توازن عسكري ولو بشكل نسبي مع الكيان الصهيوني في جانب سلاح الجو، فلا السعودية ستمتلك قاذفات الـ”بي 52″، ولا الإمارات ستمتلك طائرات الـ(إف 35)، وبالتالي كانت الصفقات وهمية، والغرض منها إشعار المجتمع الدولي والعالم أن هناك تراجعاً عن أخطاء وحماقات ترامب.

والخطوة الثانية: هي تصنيف جماعة الأنصار كجماعة إرهابية، وذلك أيضاً يدخل في إطار إيهام العالم بأن السياسة والإدارة الأمريكية الجديدة كسرت الحائط والحاجز الترامبي الذي كان يعوق الحل السلمي في اليمن، والذي كان سيؤدي إلى استمرار الحرب إلى أجل غير مسمى.

وهذا الكسر والتراجع تريد أمريكا أن تقول للعالم من خلاله بأنه يجب أن يكون له مردود إيجابي في مواقف الأنصار، بمعنى لقد تقدمنا نحو السلام وعلى أنصار الله أن يقابلوا هذه الخطوة بخطوات مماثلة، علماً أن قرار التصنيف لم يكن إلا وسيلة ضغط، ويستحيل أن يمر، فلا يمكن تصنيف الأنصار كجماعة إرهابية، وأمريكا نفسها قبل أشهر قليلة من التصنيف وجهت أدواتها بالسماح بإعادة 240 شخصاً من جرحى الأنصار العالقين في مسقط، كما وجهت بإتمام الصفقة الأولى لتبادل الأسرى، فكيف تصنفهم إرهابيين وقد أعادت إليهم جرحاهم وأسراهم؟!

كما أنه لا يمكن لأمريكا تجاهل الموقف العالمي الرافض للتصنيف ولاستمرار العدوان على اليمن، والذي دعا لإيقاف العدوان وإحلال السلام، وذلك تجلى بوضوح في اليوم العالمي للتضامن مع اليمن، إذ وقعت 600 منظمة دولية على بيان يدعو إلى وقف الحرب على اليمن وعدم بيع السلاح لكل من السعودية والإمارات، علماً أن كل تلك المنظمات لم تشعر بصحوة ضمير بشكل مفاجئ، وإنما أدركت أن ضرع البقرة قد جف ولم يعد بإمكانها استثمار معاناة اليمنيين أكثر مما سبق.

وصحيح أن التوجه الحالي يصب في إطار إحلال السلام، لكن ذلك لم يكن بسبب تغيير ترامب، وإنما للأسباب التي أوردناها في الجزأين السابقين من هذا المقال.

أما عن الأهداف فلاتزال كما هي ولم يحدث أي تغيير لها بعد مسرحية الإطاحة بترامب، فقط تغير الأسلوب، فلاتزال أمريكا تضغط للحصول على موطئ قدم في البحر الأحمر للسيطرة والتحكم بخط الملاحة الدولي ولحماية الكيان الصهيوني وضمان عدم تكرار تجربة إغلاق اليمن لمضيق باب المندب كما حدث في حرب أكتوبر، كما أن التواجد في البحر الأحمر سيساعد أمريكا والكيان في التجسس على باكستان من خلال زراعة أجهزة اتصالات لاسلكية عالية الدقة في جزيرة سقطرى، وهذا ما جعل باكستان تعبر بشكل صريح عن مخاوفها من خطوة الإمارات في تمكين الكيان الصهيوني من التواجد في سقطرى.

ما نشهده حاليا عبارة عن تبادل أدوار لا أكثر، ففي الوقت الذي تتحدث فيه أمريكا عن وقف دعمها للسعودية تعلن بريطانيا استمرارها في بيع الأسلحة للسعودية والإمارات. وفي الوقت الذي تعلن فيه أمريكا حمايتها للسعودية يعلن الاتحاد الأوروبي قرار وقف الحرب وانسحاب كافة القوات الأجنبية من اليمن ودعم السلام الشامل من خلال حوار يجمع كل الأطراف اليمنية، وستستمر معركة السياسة والإعلام بين شد وجذب ليصل التحالف الأمريكي- الغربي إلى أقصى ما يمكنهم الوصول إليه، وسنشهد أحداثاً يُراد من خلالها إيهام العالم بأن الحرب باتت من طرف واحد فقط وهو الطرف اليمني، وأننا تحولنا من معتدى عليه إلى معتدٍ، وهذا ما حاولت أمريكا أن تقوله من خلال إدانتها لقصفنا مرابض الطائرات الحربية في مطار أبها، متجاهلين الكارثة التي تسبب بها العدوان باحتجازه سفن الوقود، ومتغاضين عن استمرار غارات العدوان. كما لم نشهد أية خطوات عملية سواء في الجانب العسكري أو بما يؤدي إلى انفراج اقتصادي، ولاتزال القضايا الإنسانية عالقة.

عموماً، المعركة الإعلامية والسياسية حالياً تأخذ حيزاً أكبر من العسكرية، وهذا لا يعني أن نتوقف عن استهداف عمق دول العدوان ومعارك التحرير في الداخل، فهي التي ستجعل العدو يهرول نحو السلام الحقيقي والشامل، وبالتأكيد سيواكب أحرار اليمن المتغيرات سياسيا وإعلاميا بشكل محترف ومكثف، ولن يقبلوا بأقل من تحرير كل شبر في اليمن الموحد وإلغاء وإنهاء التبعية إلى غير رجعة مع ضمان الحقوق والمصالح المشروعة الإقليمية والعالمية.

*بدأت النهاية*

تدرك أمريكا والدول الراعية للعدوان أن مسألة تحرير مأرب والجوف باتت محسومة، والدفع بمجاميع من المرتزقة صوب مأرب وتكثيف الغارات الجوية محاولة للاستنزاف وليس لوقف تحريرهما.

حاليا يتم الترتيب دوليا لخطوات سياسية تحت عنوان “وقف الحرب وإحلال السلام” بدافع إنساني ظاهرياً، والهدف الحقيقي هو وقف تقدم الجيش واللجان الشعبية نحو محافظات جنوبية والاكتفاء بتحرير مأرب والجوف، قلناها مرارا وتكرارا لن يتوقف العدوان بكل أشكاله ويرفع الحصار إلا إذا شعرت الدول الراعية للعدوان بأنها ستخسر باستمرار عدوانها أكثر مما تجنيه، وهذا ما يحدث حاليا مما جعل العدو الأمريكي- البريطاني- الأوروبي في حالة سباق نحو تقمص دور الوسيط للتنصل من مسؤولية وتبعات رعايتهم ودعمهم للعدوان ولضمان نفوذ وموطئ قدم في واقع “ما بعد العدوان”.

تحرير حضرموت أو شبوة مع ضمان المصالح الإقليمية والدولية المشروعة سيفشل مخطط الانفصال أو الأقلمة ويضع حد للحلول الجزئية ويجبر العدو على الهرولة نحو حل وسلام شامل قبل أن يفقد مصالحه وأدواته في العمق السعودي .

المصدر
موقع لا ميديا الإخباري
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى