قَبْلِيّاتُ العِلْمِ وَبَعْدِيّاتُهُ

هَلْ هناكَ قَبلِيّاتٌ لِلمَعرفةِ الانسانيّةِ ، أم انها تَبدأ من الصفر وتنمو وتتوالدُ بلا قبلِيّاتٍ وبلا بداياتٍ ؟ انقسمت المذاهبُ الفلسفيةُ الى مذهبينِ ، مذهبٍ عقليٍّ يرى ان هناكَ قبلياتٍ قبلَ تَشَكُّلِ المعرفةِ الانسانيّة ، تُمَثِّلُ الاساسَ لها ، وهي سابقةٌ على التَّجْرِبَةِ . وهناك مَذهَبٌ تجريبيٌّ لايعترف بوجود مبادئ عقلية ضرورية وقبليّة تشكل اساساً للمعرفةِ الانسانيّةِ وتطورها .ويرى هذا المّذهبُ ان المعرفة تشكلها تجارِبُنا وخبراتُنا الحسيّة دون الحاجة الى مبادئ قبليّة ضرورية سابقة على التجربة ، كمبدأ الهُوِيَّةِ ، ومبدأ عدم التناقض ، ومبدأ الثالث المرفوع ، ومبدأ العِلِيّةِ .وَقَد يُختَلَفُ في عدد هذه المبادئ القبليّة ، فالسيد الشهيد محمد باقر الصدر في كتابه ( الاسسُ المنطقيّةُ للاستقراء) ، حصرها في مبدأ عدم التناقض واصول نظرية الاحتمال.

ديكارت من انصار المذهب الاول فهو يقول بوجود مبادئ فطريّةٍ اوليّة ، وجون لوك وديفيد هيوم من انصار المذهب الثاني يرفضان وجود قبليات ومبادئ قبلية ضرورية سابقة على التجربة ، وهما يُصِّرانِ على ان معارفنا تتشكل من خلال التجربة والخبرة الحسيّة .

موضوعُ المقال يتناول العلم ، هل لهُ قبليّاتٌ سابقةٌ عليه ؟ وهل لهُ بعدياتٌ ، وبعبارةٍ أُخرى ، هل بامكاننا التمييز بين العلم وبين ماقبلهُ ومابعدهُ؟

هذا التقسيمُ يختلفُ عن تقسيم اوغست كونت (1798-1857) ، مؤسس الفلسفة الوضعية والذي اعطى لعلم الاجتماع اسمه الذي يُعرفُ به اليوم . قسم كونت مراحل الفكر البشري الى : المرحلة اللاهوتية ، المرحلة الميتافيزيقيّة ، والمرحلة العلميّة . ويمكن التعبير عن المراحل بمرحلة الاسطورة ، الدين والعلم ؛ فجعل العلم مرحلة اخيرة في تأريخ الفكر البشريِّ . التقسيم المُقترح في المقال يكون : مرحلة ماقبل العلم ، ومرحلةِ العلم ومرحلةِ مابعدَ العلم ، استوحيتُ الفكرةَ من تَأمليّ في الاية الثامنة والسبعين في سورة النحل في قوله تعالى : { وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ؛ النحل: الاية: 78.

الايةُ الكريمةُ تتحدثُ عن مرحلةِ العلمِ ( وجعلَ لكم السمعَ والابصارَ والافئدةَ) وزود الانسانُ في هذهِ المرحلةِ بالادوات وطرق المعرفة (مرحلة العلمِ) . والاية لاتنفي وجود معارف قبليّة للانسان كما يبدو من ظاهرها ( لاتعلمونَ شيئاً ) ؛ لانَّ الايةَ هنا تتحدثُ عن العلمِ الفعلي لاعن العلم بالقوة .

  • هل للعلمِ قبلِيّاتٌ وبعدِيّاتٌ؟

هل العلم يبدأُ كعلمٍ خالصٍ دونَ بداياتِ وقبليّاتٍ ، وبتعبير اخر ، هل الباحث في العلم يدخل العلم من دون قبليات وبعديات؟

البحثُ العلمي هو التفكير المُنّظَّمُ ، والباحث يدخل البحث بمراحل تسبقُ العلمَ . الباحثُ يدخلُ بحثَهُ بفروضٍ علميّةٍ ، الفروضُ العلميّة ليست علماً ، ولكنّها شرطٌ ضروريٌّ لدخول وولوج باب العلم ، وهي قابلَةٌ للتغييرِ والتبديلِ والرفضِ. الفروضُ يمكن تصنيفُها ضمن الحقل الفلسفي ، الفروضُ تمثلُّ مرحلةَ ماقبلَ العلم .والتعميمُ شرطٌ ضروريٌّ في العلوم ولكنّهُ لاينتمي الى العلم ، التعميم يمثِّلُ مرحلة مابعدَ العلمِ .بعد ان نصل الى النتيجة العلمية ، نقول : ان هذه الظاهرة اذا توفرت لها نفسُ شروطِ التجربةِ الحالِيّةِ ستتكررُ مستقبَلاً .وهناك التنبؤ بتكررِ حدوثِ الظاهرةِ مُستَقبَلاً .

الفرض : هو هو محاولةٌ لتفسيرِ ظاهرةٍ معينّةٍ تستدعي اختباراً للتثبتِ من صدقها. واذا لم نتثبت من صدق الفرضية تظلُّ فرضيةً . اكثرُ الفرضيات العلمية التي لم نتحقق من صدقها من خلال التجارب والقرائن والادلة ، هي اقربُ الى الخيالِ العلميِّ .

نظرية التطور على سبيل المثال فرضية لم تؤيدها الاكتشافات العلمية الجديدة ، ولم تدعمها القرائنُ والادلةُ العلميةُ لتكون حقيقةً علميّةً. وكذلك الامر في فرضية ( الانفجار العظيم ) (Big Bang) .لعدم وجود شواهد عليها واننا لم نشاهد هذه البدايات ، كما يقول القران الكريم : { ۞ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا } ؛  الكهف: الاية: 51.

  • حُجِّيّةُ العِلْمِ في القرانِ الكريمِ

القران يتحدث عن حُجِّيَةِ العلم ، ويفرق بين ماقبل العلم والعلم : { يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا } ؛ مريم: الاية:43.

ابراهيم (ع) وهو يحاور أَباه غير البيولوجي ، بأَنَّ عليه اتباعه والعمل وفق العلم الذي جاءه ، وهذا مايعبر عنه الاصوليون : (بلزوم موافقة القطع والعلم ) . لو كان الامر فرضاً او ملاحظةً وكل شيءٍ قبلَ مرحلة العلم لايجب عليه المتابعة ، اما في مرحلة العلم وانكشاف الواقع فتجب المتابعة.

{ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } ؛ ال عمران: الاية: 19.

اهلُ الكتاب مدانون ببغيهم لان العلمَ قد جاءهم ولزمتهم الحجة ، اما قبل العلم فكانوا معذورين لعدم وصول العلم وانكشاف الواقع .

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } ؛ المائدة: الاية: 104.

لايجب عليهم اتباع ابائهم لانه لايعلمون ، الحجية ولزوم الاتباع للعلم ، لا لماقبل العلم من ظُنُونٍ وتَخَرُّصاتٍ.

وخلاصةُ المقال هي : وجوبُ التمييز بين قبليّاتِ العلمِ وبعديات العلم ، ولزوم متابعة العلم ، وتقويم النظريات والفرضيات العلمية على هذا الاساس ، ماقبل العلم ومابعدَ العلم .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى