قِراءةٌ تحليليةٌ لقصيدةٍ عصماء خالدة .- 4

يستمر الشاعر في إنشاده البلاغي فيشبه غرة الإمام بالشمس التي تزيل الظلمة حين تشرق . و(غرة الرجل: جبينه). فيقول:

ينجاب نور الدجى من نور غرته
كالشمس ينجاب من إشراقها الظلمُ

كيف لا وهو إبن الرسالة المحمدية التي أشرقت على الدنيا فأزالت عنها الظُلَمُ، وآرتوت من نمير سلسبيلها النفوس العطشى للكرامة والحق والعدل؟

ويوجه كلامه للطاغية المتعجرف قائلا: لو تجاهلته ياهذا فليس بإمكانك ولا بإمكان أمثالك التقليل من شأنه لأنه إبن خاتم الأنبياء.وإبن سيدة نساء العالمين ع.

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهلهُ
بجده أنبياءُ الله قد ختموا

ثم يعرج على ذكر الكثير من الأماكن التأريخية والمعارك الفاصلة في الإسلام التي خاضها جده علي بن أبي طالب ع. وكان فيها قطب الرحى ضد عتاة الكفر. وتشهد على بطولته وتفانيه في سبيل العقيدة الإسلامية كل أصقاع الجزيرة العربية التي عاشت في لجج الظلام طويلا فتنفست الصعداء بعد معارك بدر وحنين والأحزاب. تلك المعارك التي كسرت شوكة الكفر والضلال :

بدر له شاهدٌ والشٍعبُ من أحدٍ
والخندقان ويوم الفتح قد علموا

وخيبرٌ وحُنينٌ يشهدان لهُ
وفي قريضةَ يومٌ صيلمٌ قَتمُ

و(اليوم الصيلم) هو اليوم الثقيل الوطأة،الشديد العسرة على يهود بني قريظة الذين خانوا عهودهم،وأضمروا العداوة والبغضاء لرسول الله محمد ص ،وظلوا يتحينون الفرص للغدر به ص، وبالتالي لإطفاء شعلة الإسلام المقدسة. فنالوا جزاء غدرهم على يدي فارس الإسلام علي بن أبي طالب ع ولقنهم بذي الفقار درسا بليغا بإزالة حصنهم وقتل زعيمهم مرحب.

وصدق رسول الله ص حين قال على رؤوس الأشهاد: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ماأن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا .)

قال ذلك لأنهم أئمة التقى الذين كانوا رسل خير ومحبة وإيثار لكل المظلومين المضطهدين . ولأنهم أفضل أهل الأرض بعد جدهم المصطفى ص. وأنت تحاول أن تتجاهل كل ذلك إمعانا في العناد والحقد والضلال:

إن عُدً أهل التقى كانوا أئمتهمْ
أو قيل من خير أهل الأرض قيل همُ

لقد نطق الشاعر الفرزدق بالحق المبين في تلك القصيدة الخالدة العصماء أمام طاغية حاول هو ومن بعده من سلالة أمية أن يطمسوا فضائلهم وينسبوها لغيرهم لكنهم لم يستطيعوا حجب نورالشمس وكما يفعل السائرون على نهجهم اليوم من دعاة الفتن، وعشاق سفك الدماء. وسيخيب ظنهم، ولابد للحق أن ينتصرعلى الباطل مهما حشد رؤوس الباطل من أموال وأتباع ووسائل دعاية لحجب نور الشمس.

شهادة الإمام ع: إستشهد الإمام علي بن الحسين ع: في الخامس والعشرين من محرم الحرام عام 95 للهجرة في المدينة المنورة وقيل عام 96 هـ على يد هشام بن عبد الملك بعد أن دس له السم عن طريق عامله على يثرب.

وقام إبنه الإمام محمد الباقر ع بدفن جثمانه الطاهر في بقيع الفرقد، بجوار قبر عمّه الزكيّ الإمام الحسن المجتبى ع.

شهد الإمام زين العابدين ع واقعة كربلاء، وشاهد مصارع أبيه وإخوته وأعمامه، وقد أقعده المرض في تلك الاَيام عن القتال ليبقيه الله تعالى مناراً للإسلام بعد أبيه ويكمل مسيرة جده وأبيه ع، حتى لا تخلو الأرض من حجة .

وكان دور الإمام ع إكمال عملية التغيير التي سعى لها أبيه الحسين ع فلم يترك مناسبة دون أن يذكّر بالمصائب التي حلّت بأهل البيت ع، حملة شعلة الاِسلام ممّا أدّى إلى تحفيز وإلهاب الشعور بالاِثم الذي أحسّه المسلمون عقب مقتل الإمام الحسين ع لتقاعسهم عن نصرته، وموقفهم المتخاذل منه. فتوالت الثورات حتى زعزعت أركان الحكم الاَموي، وأسقطته في نهاية المطاف.

  • كلمة أخيرة:

إن أهل بيت النبوة ع لم يكونوا ملكا لطائفة دون غيرها ومن واجب جميع المسلمين المنصفين الباحثين عن الحق والحقيقة ذكر فضائلهم وجهادهم وتفانيهم والإقتداء بسيرهم العطرة من أجل أن تكون الكلمة العليا لرسالة جدهم رسول الله ص وكما قال الشاعر المسيحي بولص سلامه :

لاتقولوا شيعة هواة على
إن في كل منصف شيعيا

ولا شك بأن هذه القصيدة التي ضمت 44 بيتا ونطق بها الشاعر الفرزدق هو إلهام رباني وضعه الله في لسان الشاعر الفرزدق في تلك الساعة . والذي دفعني لتناولها بكلماتي الفقيرة هو دافع الولاء لآل البيت ع أولا،ولشدة تأثري بها ثانيا.

وأعتقد إنها بالنسبة للكثير من الأدباء المتابعين لوحة بلاغية رائعة مزجت بين قوة السبك والبلاغة الشعرية من أجل قول كلمة حق أمام أحد أصنام الباطل والضلال ولو نطق بها وحدها لعد من شعراء الواحدة. فما أجمل الشعر حين يوظف للحق والفضيلة وكما قال رسول الله ص (وإن من الشعر لحكمه ).

فسلام على روحك النقية ياسيدي ياعلي بن الحسين ع.. أيها الإمام التقي الزكي، ياسيد العابدين. سلام على أرض البقيع الطاهرة التي تضم كوكبة من نجوم العترة الطاهرة ع واعذرني لأنني المقصر بكلماتي البسيطة الفقيرة التي عجزت عن موافاة مقامك العظيم السامي .

  • الشاعر الفرزدق في سطور:

  1. هو أبو فراس همام بن غالب بن صعصعة من دارم من تميم.
  2. ولد عام 25 ه في البصره ولقب بالفرزدق لجهومة وجهه وأثر الجدري فيه .
  3. أوصى الإمام علي ع أباه أن يعلمه القرآن . بعد أن عرف أنه شاعر
  4. عرف بالهجاء وخاصة نقائضه مع الشاعر جرير.
  5. شعره نموذج كامل للغة عصره . حتى قيل عنه: (لولا الفرزدق لذهب ثلث اللغه.) وقال عنه أبو عمر بن العلاء ( لم أر بدويا أقام في الحضر إلا وفسد لسانه . غير رؤية والفرزدق .)
    توفي عام 114 ه بعد تطواف في العراق والشام والجزيره .
  • مصادر البحث :

  1. الآيات الأخيرة من سورة الشعراء.
  2. ديوان الفرزدق. –
  3. قصائد خالدة أنشدت في حق أهل البيت ( إعداد المعاونية الثقافية للمجمع العالمي لأهل البيت ع)
  4. قصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير.
  5. قصيدة نهج البرده للبوصيري.
  6. قصيدة نهج البردة المعارضة لأحمد شوقي
  7. نهج البلاغه.- شرح إبن أبي الحديد المعتزلي.

  • مقالات ذات صلة:

  1. قراءةٌ تحليليةٌ لقصيدةٍ عصماءً خالدةٍ – 1
  2. قراءةٌ تحليليةٌ لقصيدةٍ عصماءً خالدةٍ – 2
  3. قراءةٌ تحليليةٌ لقصيدةٍ عصماءً خالدةٍ – 3

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى