كتب منتجب علي سلامي | ” الجرائد الحزينة “

نص لـ منتجب علي سلامي

البائعون المتجوّلون الممتشقون جرائدهم ومجلّاتهم في مراكز انطلاق الحافلات وعند إشارة المرور الحمراء وبين مكاتب الدوائر الرسميّة وكأنّهم خلية النحل، غابت أصواتهم الطربيّة من حناجرهم التي لم تكن تتعب من الإعلان المنمّق بكلمات التحفيز المبالغ بمعانيها عن سلعهم الثقافيّة، ومازال الصدى في ذاكرتي لصراخهم التنبيهيّ:

 تشرين…الثورة….البعث…الشبكة….الموعد…..فنون……مجلةالعربيّ….

وأكوام من المجلّات الصينيّة والكتب الروسيّة فخمة التجليد رخيصة الثمن……

ومازال صدى صوت الإعلان عن سعر الصحيفة السوريّة في أذنيّ المقاومتين لسماع غلائها ،وهو خمس ليرات سوريّة…..

مقالات ذات صلة

وخلال تنقّلي منذ عقدين من الزمن بين منطقتي الجبليّة ومدينتي الساحليّة كنت أشْهِر إحدى الجرائد أمّ النصف متر في طريق الإياب، ويشاركني في ذلك بعض الركّاب الفرسان القارئين، الذين كانوا يشهرون جرائدهم الملتمعة بأوراقها الممتدّة الثلاث، وبصوت نغمات تقليب صفحاتها التي تحارب الهواء المنصبّ من نوافذ المركبة الصابرة، وبرائحتها الورقيّة التي يغطّي عبيرها أرجاء السيارة السكرى، التي انتشت من خمرة وعورة الطريق بين تسلّق للهضاب وهبوط للوديان فراحت تتمايل سعادةً وغبطة….

وكنت أتعرّف على العسكريين المسافرين معي، ليس من هندامهم وإنّما من تصفحهم لمجلة جيش الشعب أو مجلة الجنديّ العربيّ……ومن الأطفال من كان يتفاخر وهو في حضن أبيه أو أمّه بحمله لمجلّة للصغار كمجلة أسامة، التي عشقت صفحاتها وألوانها وشذاها وقامتها الجميلة في طفولتي…..وإحدى الجرائد كانت يوم الأربعاء من كلّ أسبوع  معشوقةً أكثر من غيرها لأنّها تحتضن في صفحة من صفحاتها نتائج اليانصيب المعشوق الغادر……وكم كان قلم الرصاص متعالياً في يد من يملأ فراغات الكلمات المتقاطعة…..وعندما ينتهي عمر الصحيفة في ذلك الزمان كان يُحكَمُ عليها أن تكون قصاصاتها في أيدي ربّات البيوت لتلميع الزجاج وحفظه، أو غطاءً لمكاتب الكثير من الموظفين لحمايتها من الزيت الهارب من صحون الفول والمسبّحة والمخلّل أثناء الفطور الوظيفيّ…….

وقد كان لحمل الجريدة في إحدى اليدين نكهة خاصّة في ذلك الزمان الجميل، تشبه حمل رجل الدّين المدّعي الإيمان لسبحته المتراقصة بين أصابعه، أو كحمل الناجح في الشهادة في آيامنا المجنونة لهاتفه النقّال المُهدى له أو كحمل الموظّف اليوم لراتبه الشهريّ الثلجيّ في الدقيقة الأولى من القبض عليه……

لقد ارتاحت أيدي حاملي الصحف في زمننا المراهق من حملها….وارتاحت حناجرهم من الإعلان عنها….

وارتاحت ناقلاتنا الجاهليّة من أصوات أوراقها المتعاركة مع الهواء ومن أشكالها التي أصبحت موضة بالية مهترئة يُسخرُ من حاملها المتأخّر عن ركب حضارة غوغل وإخوته المتمرّدين على الورق والحاقدين على الكتاب والمجلّة والصحيفة …..

ويسخرُ منها من أغلق أذنيه المسكينتين بسمّاعتي نقّاله البهلوانيّ وهو يستمع لهدير وجعجعة أحد المغنّين الذين أدمن على تعاطي أصواتهم المخدّرة.                                                          

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى