كتب منتجب علي سلامي | (روائيّ لا يموت)

نص لـ منتجب علي سلامي

التقيت بضعة تلاميذ ناجحين في صفّهم التاسع وآخرين في المرحلة الثانويّة، بعد أن توقّف قلب الأديب حنا مينة العملاق الروائيّ ليعلن نهاية رجل شجاع جسداً، وتتلوّن المصابيح بالأزرق والعاصفة تغرق الشراع و الياطر يفقد سفينته ….تغمّده الله برحمته، حنا مينة الذي يُفاخِرُ العالم بنتاجاته الإنسانيّة، بعد أربع وتسعين ربيعاً تفتّحت خلالها زهور إبداعاته لترصّع رياض الفكر والثقافة…وقد بدا تأثّرهم وحزنهم بعد أن أخبَرَتهم شاشاتُ نقّالاتهم بلمساتهم على مصابيحها المارديّة الفيسبوكيّة، بوفاة هذا الكبير…الكبير….فمقالته التي زيّنت فاتحة كتابهم المدرسيّ العربيّ(إلى اللاذقيّة مدينتي.. تحيّة أخرى)، كانوا خلال العام قد استمتعوا بدراستها ،واستوعبوا مضامينها، وتعرّفوا على اسم عظيم لن ينسوه مستقبلاً، خاصّة أنّ الراحل جسداً كان في هذه المقالة الوجدانيّة، يعبّر ويتحدّث في خاتمتها عن الموت لجسده قائلاً :

(عندما ترفّ الروح حمامةً بيضاء تعانق غمامة الموت)

أو عندما تحدّث عن رفاته التي سيضمّها قبرٌ، بين سروتين في مقبرة حيّ الفاروس في أرض معشوقته اللاذقيّة، جارة البحر.

ولولا ذلك لما سمعوا به ،فما أروع ألّا تهمل مناهجنا الأدباء السوريين وخاصّة في مجال النثر المظلوم فيها….وما أروع أن تعدّل تعديلاً فلا تُنسفُ نسفاً جائرا،ً بحجّة التطوير، فتبقى النصوص التي ارتاح المعلّمون تدريسها و وصلت مضامينها الرائعة إلى عقول وأفئدة التلاميذ، وتُحذفُ من كان تأثيرها ضئيلاً، وتُضافُ نصوصٌ جديدة، فمثلاً كتابُ اللغة العربيّة للصفّ التاسع، لاقى استحسانا من المدرّسين والطلاب، فهو ممتع ويقدّم الفائدة، فلمَ تغييره ونسفه واستبداله ودفنه في العام بعد القادم؟؟!!.

رحم الله روح الأديب الساحليّ السوريّ العربيّ الروائيّ حنا مينة، وقد أعجبني ما كتبه أحد أصدقائي ،بأنّ الراحل الكبير كان يسكن في بيت لا يتجاوز الستين متراً في مساكن برزة في أعلى بناء مسبق الصنع في المنطقة والأقرب إلى جبل قاسيون، له إطلالة ترى من خلالها دمشق كالعروس في ليلة الزّفاف، وأنّ هذا الصديق كان يبحث عن بيت يبتاعه في تلك المنطقة، فأخبره الدّلال عن بيت صغير، وقال له:-لو تعرف من جارك في هذا البيت لدفعت المال الكثير في سبيل ذلك….إنّه الجار الذي هو قبل الدار…

إنّه الأديب المتواضع حنّا مينة الذي لن يموت.  

منتجب علي سلامي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى