كفانا تصفيقاً

كفانا تصفيقاً

الباحث والمحلّل السّياسيّ: نبيل أحمد صافية

التّصفيق عادة يتمّ للتّعبير عن حالة فرح وسعادة واستحسان وإعجاب وتقبُّل ، وله فوائد نفسيّة وصحّيّة تؤثّر في الإنسان ، وقد يكون فرديّاً أو جماعيّاً ، وتأثيره يتّضح على المستوى الفرديّ أو الجماعيّ ، وسأخصّ حديثيّ للمجتمع العربيّ السّوريّ والتّصفيق الذي يقوم به بعض النّاس للحكومة ، فهل تستحقّ تلك الحكومة التّصفيق والتّبجيل والتّجميل ، فكلّ مواطن عربيّ سوريّ يستمع لتصريحات الحكومة العربيّة السّوريّة بمختلف الوزارات المكوّنة لها ، يعتقد أنّ أمور المعيشة في سورية متميّزة ، ولكنّ الواقع غير ذلك إطلاقاً ، ومع بداية انحسار الأزمة السّوريّة ، كانت تُطلَق عبارات وتصريحات تظهر من خلالها اهتمامها بالمواطن ، وطبعاً لا يعدو هذا الكلام أو التّصريح الذي يصدر من هذا الوزير أو ذاك يلامس الحالة الاجتماعيّة للمواطن ، فيعتقد المواطن أنّ الحالة الاجتماعيّة المتردّية ستبدأ بالانحسار ، ولكنّ الممارسات التي تصدر عن الحكومة نراها تعكس حالة اقتصاديّة أو اجتماعيّة تؤدّي لمزيد من المعاناة للمواطنين ، ولا نرى نتائج لتلك التّصريحات إذا كانت حقيقيّة .. ولعلّ المتتبّع لتصريحات السّادة الوزراء والسّيّد رئيس الحكومة يستبشر الخير والنّماء والازدهار ، ولكن ما إن يبحث عن صدى تلك التّصريحات على أرض الواقع ، فإنّه يصطدم بأمور تخالف ذلك التّصريح الخاص أو العام.

وعندما يرتفع سعر الدّولار تزداد الأسعار صعوداً بنسب اضطراديّة ، وبمجرّد وجود شائعة زيادة سعر الدّولار تزداد الأسعار ، فكيف يكون الواقع مع الزّيادة الحقيقيّة على أرض الواقع ؟ وما دور إرهاب الفساد الدّاخليّ في ذلك ؟!!!.

ولعلّ من الأهمّيّة بمكان الإشارة إلى أنّ الشّعب العربيّ السّوريّ يعيش في حالة اجتماعيّة شكلها ادّعاء الحكومة أنّها تهتمّ به ، وتدرس واقعه ، لكنّها في الحقيقة لا تقدّم تطبيقاً حقيقيّاً لهذا الكلام أو التّصريح فتتحسّس همومه شكلاً وتتغاضى عنها تطبيقاً عمليّاً ، ويأتي ادّعاء السّيّد رئيس الحكومة بأنّ الحكومة تدرس الواقع المعيشيّ للشّعب وتتلمّسه ، وهذا الأمر لم يشعر به أحد بأي تحسّن سوى في التّصريحات الإعلاميّة وجلسات مجلس الوزراء التي لم ترَ أيّة فاعليّة على الأرض ، وادّعت الحكومة أيضاً أنّ التّجار يتلاعبون بالأسعار كي تتّجه الأنظار بعيداً عنها ، وبعض السّادة الوزراء كالسّيّد وزير الماليّة الدّكتور مأمون حمدان أبدى اعتراضه العام قبل الماضي على بعض المصطلحات التي استعملها السّادة النّواب في مجلس الشّعب أثناء مناقشة تقرير لجنة الموازنة والحسابات فردّ باستهزاء : ” الشّعب جائع ” وكتبتُ مقالاً عن ذلك تحت عنوان : ” وزير الماليّة يسخر من الشّعب السّوريّ ” ، بتاريخ 6/12/2017 م ، فيموت الشّعب العربيّ السّوريّ على يد الحكومة بغلاء الأسعار وليس بفعل الإرهاب ، وجاء تصريحه قبل أسبوعين تقريباً بأنّ ” المواطن قادر أن يعيش من راتبه إذا تدبّر أمره بالشّكل الصّحيح ” ، ونفت الوزارة ذلك القول عبر مكتبها الإعلاميّ في محاولة لتلميع صورة السّيّد الوزير ، وهو الذي كثيراً ما كان يدلي بتصريحات يظهر من خلالها استهزاءه وسخريته من الشّعب العربيّ السّوريّ ، ومنها أيضاً بتاريخ 29/1/ 2019 :
” لا توجد أزمات غاز ولا مازوت ولا خبز ولا كهرباء ، والأزمات صنعتها وسائل التّواصل الاجتماعيّ التي تُدار من الخارج ” …
ويأتي السّيّد وزير الكهرباء الذي أكّد ” وجود عنفات تكفي لدول مجاورة ” ، والسّؤال : لماذا يتمّ استفزاز الشّعب العربيّ السّوريّ بقطع الكهرباء عنه ، ربّما كما ادّعت الحكومة السّوريّة بلسان رئيس تلك الحكومة _ أزاحها الله عن كاهل ذلك الشّعب المتألّم من ممارساتها _ أنّ هناك جوانب عديدة يمكن للحكومة أن تقوم بها من أجل تحسين الواقع المعيشيّ للمواطن ، فكان قطع التّيار الكهربائيّ عن الشّعب هو حالة من حالات التّوفير _ حتّى لا يصرف أمواله في إنارة منزله _ فيعيش في ظلام دامس ، وربّما أنّ الحكومة تعاملت مع عدد من التّجار باستعمال أجهزة كهربائيّة بطاقة بديلة فتمّ القطع ، أو باعته للجوار أو معامل أسمدة معيّنة تتعامل معها ، كما حال الغاز وغيرها كثير من أزمات ، وسؤالنا : ما دور الحكومة في الأزمات التي تعصف لإذلال الشّعب العربيّ السّوريّ الذي ساند وطنه ؟.

وجاء غلاء أسعار الدّواء _ وهو يزداد دوما _كل ستّة أشهر تقريباً ، وكانت آخر تلك العمليات في الارتفاع قبل أيّام في ظلّ غياب متعمّد لدور الرّقابة على الصّيدليّات لضبط الأسعار بعد الزّيادة التي تمّت ، وقيام الصّيادلة برفع الأسعار بالنّسبة القصوى لتلك الزّيادة .

وتجاهلت الحكومة أن الرّواتب عموماً لا تكفي لسد رمق أسرة مؤلّفة من شخصين ، لتزيد من هموم الشّعب العربيّ السّوريّ وتدفعه لثورة الجياع في سورية ، فهل استطاعت الحكومة أن تؤدّي دورها بنجاح أو فشلت في تحقيق أهدافها ؟! .
في واقع الحال كانت الحكومة العربيّة السّوريّة ناجحة جدّاً في تحقيق أهدافها ، إذا وضعنا في الحسبان أنّها حقّقت ما عجزت عنه جائحة كورونا في موت الشّعب ، وهي تسعى لموت الشّعب جوعاً وتذّلّه وإثارة الفوضى الاجتماعيّة في سورية عبر الغلاء غير المسبوق والمتصاعد دوما تحت حجج وذرائع تختلقها الحكومة قبل تطبيق قانون سيزر وبعده ، وسؤالنا :
ماذا فعلت الحكومة لمواجهة قانون سيزر والحدّ من تأثيره وتداعياته سوى قهر الشّعب وتطبيق القانون قبل أن تسعى الولايات المتّحدة الأمريكيّة لتطبيقه حقيقة ، ولعلّ من الأهمّيّة بمكان أن أشير إلى كلمة السّيّد الرّئيس أمام السّادة رؤوساء مجالس المدن والبلديّات بتاريخ 17/2/2019م ، وجاء فيه قوله :
إنّ التّقصير الأكبر فيما حصل مؤخّراً ، وخاصةً في موضوع الغاز ، هو عدم شفافية المؤسّسات المعنية مع المواطنين ، لأنّني لو طلبت من المواطن أن يبني حواراً على المعلومات ، ويكون موضوعيّاً في النّقد ، فسيقول : كيف أتحدّث بشكل موضوعيّ وأنا لا توجد لديّ معلومات ؟ كيف أواجه المعلومات الكاذبة لا توجد لديّ المعلومات الصّحيحة ؟ ، هذا كان تقصيراً واضحاً تمّ توجيه الحكومة ، وتمّ الحديث بهذا الموضوع أمام مجلس الشّعب من قبل المعنيين ، وتمّ التّأكيد أن يكون هناك شفافية كاملة مع المواطنين لكي نحدّد أين يكون التّقصير ، وكيف نتعامل مع كلّ مشكلة “.

فهذا القول يجعلنا نتوقّف مليّاً أمام كلّ ما كان يُقال من الحكومة ، وقد ملّت النّاس من الحكومة الوعود وتشكيل الوفود والولوج والوصوف والوسوم ، كما أنّها لم تعد تكترث بالتّلميح والتّصريح والتّأشير والتّصفيق والتّشريف والتّبجيل والتّجميل ، بعيداً عن التّجريح والتّقبيح والتّوصيف والتّدليس والتّرقيع ، لأنّ من يكذب على الشّعب العربيّ السّوريّ فإنّه بالتّالي يكذب على سورية بكلّ من فيها ، والشّعب العربيّ السّوريّ يأمل _ في ضوء ما قاله السّيّد الرّئيس الدّكتور بشّار الأسد ، وهو الذي يشير لأماكن الخلل في عمل الحكومة _ أن تتمّ المُكاشفة والمُواجهة والمُحاكمة والمُحاسبة والمُعاقبة لكلّ المقصّرين المتلاعبين بحياة الشّعب العربيّ السّوريّ ومعيشته التي تزداد سوءاً دون اكتراث بحالته من أحد ، فإلى متى سيبقى الشّعب العربيّ السّوريّ الذي تحمّل ما تحمّله من أزمة سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة خانقة عصفت به ووصلت به الحال إلى درجات فقر غير مسبوقة وارتفاع أسعار حتّى في الوقت الذي كانت الحرب على سورية في أشدّ حالاتها ، وهي الأقسى في تاريخه يعاني من حالات الفقر ؟ وأين النّظام الاشتراكيّ وتلك الأهداف التي كانت سورية تتغنّى بها ؟ ولماذا تسعى الحكومة الحاليّة لمعاقبة الشّعب العربيّ السّوريّ ، ألأنّه وقف مع قائد الوطن وساند الجيش العربيّ السّوريّ ؟! وهل استمرار عمل الحكومة ووجودها حتّى تاريخ انتخابات مجلس الشّعب القادمة يمثّل حالة استقرار سياسيّ ؟! وهل سيستمرّ التّصفيق لتلك الحكومة ؟!.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى