كيف تآكلت قوة الدولة الوطنيّة العربيّة…؟

بعد مرور عشرين عاما على بداية الألفية الثالثة، نراقب حال أمتنا فنجد أنها في العمق مازالت قبائل وعشائر وأن مفهوم الدولة ومفهوم الوطن لم يأخذ أبعاده المستحقة في وجدان وضمائر الجميع. للأسف الشديد، فالدولة الوطنية في عالم اليوم، وتحديداً في العالم العربي تواجه تحديات كبرى، وأكبر من المستقر في المعجم السياسي الحديث والمعاصر حول مفاهيم عديدة، الوطن، المواطنة، حقوق الإنسان والحريات، المعارضة… تحديات أكبر من التصنيف الذي كان مستقراً في الأدبيات السياسية والدستورية والحزبية والقانونية في القرن الماضي، ما يجعل هذه الدولة في وضع أحوج ما تكون فيه إلى الاستقرار والسيادة والوحدة الوطنية والمجتمعية.

ما حَدث للاقتصادات الوطنية العربيّة مُرَوّع، فَبعْد أن كان للدولة سلطة اتّخاذ القرار من حماية نقديّة واقتصاديّة أضحت اليوم، ومنذ عقديْن ونيْف بلا سُلطة، تقريباً، وفي جُلّ البلدان العربية، عَدَا تصريف الشؤون الاجتماعيّة والسياسيّة. مَا عاد للدولة الوطنية العربيّة ذلك النفوذ الكبير الذي يشمل مختلف أوجه الحياة المجتمعيّة، وكان تعليل ذلك في السابق القريب بالانخراط في العولمة والرضوخ القسريّ لأحكام اقتصاد السوق العالمية في زمن الليبيراليّة الجديدة الناشئ، ليتحوّل مركز الاقتصاد الكونيّ من الدُول إلى الشركات الكبرى التي تعود ملكيّتها إلى كبار أصحاب الرساميل في العالم.

فحتى سنوات قليلة ماضية كانت حماية الأوطان مسؤولية وزارة الدفاع في البلدان كافّة، وكان خطّ المواجهة الأوحد هو خطّ النار على الجبهة الأرضية، ولكن وبعد الحرب على يوغسلافيا ثمّ العراق، وبعد أن وضعت مراكز الأبحاث الغربية بالتعاون مع المحتلّ الإسرائيلي إستراتيجيات جديدة للسيطرة على المكان من الداخل فقد اختلف كلّ شيء. فاليوم تستخدم الدول الاستعمارية عناصر مثل الدين والطائفة والعرق لتحشيد مئات الألوف من الإرهابيين المحليين الذين يقومون بدور المحتلّ الأجنبيّ في تدمير المؤسسات الوطنية وتخريب البنى التحتية ونشر الخراب والدمار وسفك الدماء. ورغم الأهمية التي لا تزال موجودة وستبقى للجيوش والقوات المسلّحة، فقد حوّلت هذه الإستراتيجية الجديدة أنواعاً من البشر والمؤسسات إلى أهداف عسكرية لم يكنْ لأحد أن يظنّها أبداً ضمن قائمة الأهداف التي يستهدفها العدوّ. والحقيقة أن هذا الاستهداف قديم حديث، ولكن كان مصحوباً بحروب عبر الحدود، ولذلك ربما لم يتمّ الانتباه إليه على أنه الركيزة الأساسية لحرب جديدة بأسلوب جديد.

إنّ الأحداث الأخيرة الّتي شهدتْها المنطقة العربيّة، بدأت تُميط اللثام عن وجه آخر أكثر فظاعة للتآمر على ما تبقى من سيادة الدولة الوطنيّة العربيّة، و ذلك باستهداف آخر ما تبقّى من سلطتها الفعليّة، و تحديدا كلمتها السياسيّة في تسيير شؤون المجتمع رغم انتقال جُلّ مراجع القرار الاقتصاديّ من دائرتها إلى دوائر أخرى من خواصّ وأطراف أجنبيّة، وكأنّ هذا الذي تبقى لها يُمثل حجر عثرة ينبغي إزاحته بالرجوع إلى الاستعمار القديم من غيْر احتلال مباشر للبلدان بعد أن أحْدثت الرأسماليّة بالتدخّل في كُلّ شيء، ومراقبة كُلّ صغيرة وكبيرة ومعاقبة من يقف في طريق تعميم هيمنتها ببراغماتيّة عجيبة لا تُفارق بين الخصوم و الأنصار، وتُفاجئ الجميع بالانتصار لمصلحتها على أيّ عميل، غير عابئة “بالأصدقاء” والأنصار…

لقد برهنت الأحداث بما لا يقبل الشك أن الولاء للأوطان هو ضرورة جوهرية لعزّة هذه الأوطان وأن التعاون والتنسيق بين الدول العربية على أسس التاريخ والجغرافية والثقافة الواحدة هو المخرج الوحيد لجميع هذه الدول من حالة الضعف والانحسار الذي تشهده وأن أي دولة عربية لن تستطيع أن تبني مجداً أو تحتل مكانة إقليمية أو تحقق مشروعها الإصلاحي أو الازدهار دون التعاون مع الدول العربية الأخرى بصيغة أو بأخرى. أما هؤلاء الذين ما زالوا يراهنون على الأعداء فليتمعّنوا في تجارب الدول العربية التي عقدت سلاماً مع العدوّ، واتفاقيات على أمل أنّ هذه العلاقة سوف تحقق لها النموّ والمكانة الإقليمية والعالمية، فهل حقّقت ذلك بالفعل، أم أنها ازدادت وهناً وقيداً وعجزاً عن اتخاذ القرار داخل البلاد وعلى المستويات الإقليمية والدولية؟

إن الأحداث من اليمن إلى الخليج برمته إلى العراق إلى ليبيا إلى سورية إلى السودان تستدعي مراجعة صادقة جريئة وشاملة لأساليب العمل التي اتبعتها هذه البلدان في القرن الماضي، وتستدعي اجتراح أساليب جديدة وأدوات جديدة كي نتمكن من بناء ما فات، وكي نستدرك مكانتنا بين الأمم في عالم ما بعد كورونا، حيث نشهد اليوم صراع الإرادات، والأعين شاخصة إلى شكل المستقبل وهويته وقادته الأساسيين. من أجل إنجاح أيّ خطة أو رؤية أو خارطة طريق مستقبلية لا بدّ أولاً من تحديد أماكن الخلل، والتي قادت بلداننا من وهن إلى وهن في وجه عدوّ لا يقاربنا عدداً أو عديداً أو أحقية في أيّ مشروع إقليمي، بل انتعش على نقاط ضعفنا وثغراتنا، وكرّس جهوده لتفكيك صفوفنا دون أن نضع استراتيجية بديلة تجعل من المستحيل عليه بلوغ أهدافه.

في مؤتمر القمة الإسلامي العاشر الذي انعقد في كوالا لامبور قال الرئيس الماليزي السابق محاضر محمد ما يلي: لا أريد أن أعدّد ما تعرضنا له من إذلال وقهر، ولا أريد إدانة الذين ظلمونا، لأنّ ذلك لا يعدو كونه جهداً تافهاً لن يؤدي إلى تغيير مواقفهم منا، وإذا كنا نريد استعادة كرامتنا وكرامة الإسلام فعلينا نحن أن نقرر، وعلينا نحن أن نفعل. جميعنا مظلومون نعاني من القهر والإذلال، لكننا نحن الحكام لم نجرّب قط أن نعمل متضامنين، فبدل أن نكون أمة واحدة انقسمنا إلى شيع ومذاهب وطرق مختلفة، فصارت الدول الإسلامية ضعيفة تعيش حالة دائمة من الفوضى والغليان، وصار الأوروبيون يتصرفون في الأراضي الإسلامية كما يحلو لهم، ولم يكن مفاجئاً أن يقتطعوا منها مساحة يقيمون عليها ”إسرائيل”! لقد قال تعالى: ”إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ”، وعدد المسلمين يبلغ اليوم 1.3 مليار نسمة، ولديهم أعظم احتياطي نفط في العالم. إنّ ثرواتنا عظيمة، ونحن نعدّ 50 قطراً من أقطار العالم التي تعدادها 180 قطراً! إننا نخضع لمشيئة ظالمينا تحت ضغط قاهر، فكيف يجب علينا أن نتصرف؟ إنّ ردّ فعلنا هو الغضب! لكنّ الإنسان الغاضب لا يحسن التفكير، وهكذا تأتي ردود أفعالنا بعيدة عن العقل. هل سيبقون دائماً فقراء وضعفاء ومتخلفين؟ هل صحيح أننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً؟ هل صحيح أنّ 1.3 مليار مسلم لا يملكون القوة لإنقاذ أنفسهم من الإذلال والقهر الذي ينزله بهم خصم أضعف منهم بكثير؟

اليوم حيث برهنت أحداث هذا القرن وبخاصة أحداث العام 2020 أن أهم حق إنساني للشعوب هو الحق بوجود دولة قوية قادرة على مواجهة الأزمات والصعاب. العالم برمته اليوم يدرك أن أهم ما يحتاجه المجتمع البشري في كل مكان هو الدولة الحصينة القادرة على حماية أبنائها وأن كل طروحات العولمة والادعاءات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي روجوا لها على مدى عقود كغطاء من أجل استعمار الدول ونهب ثرواتها لم تصمد أمام فيروس لا يرى بالعين المجردة، لذلك نحن نشهد اليوم انحسار عصر العولمة والليبرالية الجديدة واللتين تبنّاهما مفكرون عرب كثر بدلاً من أن يعودوا إلى ابن رشد وابن خلدون وإلى كنوزنا التاريخية ذات العراقة الأصيلة مع الوجود العربي والحياة العربية، ففي الوقت الذي يُدرّس فيه ابن رشد ومحي الدين بن عربي في جامعات العالم الغربية قلما نرى كتاباتهما وكتابة مفكرين آخرين في المناهج التربوية في البلدان العربية.

إن الغرب يستهدفنا ولكنه أرسى أسساً لبناء الدولة وجعل كل المعنيين السابقين والحاضرين والمستقبليين أدوات لخدمة هذه الدولة، ولكنه لم يفعل ذلك فقط بل استغل ضعف أو انعدام المؤسسات الحقيقية في عالمنا العربي ليبقينا قبائل وعشائر يسهل اختراقها وتجنيدها لأجنداته ضد مصلحة بلداننا وشعوبنا. اليوم أول الجبهات هي مدارسنا وجامعاتنا التي يجب أن تحصّن الأجيال الشابة، ذلك لأن العلم والمعرفة هما الضمانة الحقيقية للسير على الطريق السليم وهما الضمانة الحقيقية لتحقيق الهدف وهما الضمانة الحقيقية لتقدّم البلدان وازدهارها ولا شك أن التعليم والمعرفة قد تراجعا بشكل غير مقبول في العالم العربي ولأسباب مختلفة من أهمها انتشار ثقافة البترودولار الكارثية على هذه الأمة، ولن نتمكن من أن نسد الثغرات التي أدت إلى وجود المخترقين والعملاء والجهل والتقصير إلا من خلال إعادة النظر بالمناهج التربوية ووضعها بطريقة تخدم الأهداف المرجو تحقيقها في المستقبل.

خلاصة الكلام: إنّ التخلّف الفكريّ والتعصّب الدينيّ ووقائع التفرقة الممكنة الطائفيّة و القوميّة و العشائريّة والجهويّة وغيرها تُساعد، لا محالة، على تنفيذ مشروع قتل الدولة الوطنيّة العربيّة للانتقال إلى العوْلمة السياسيّة و الثقافيّة بعد العَوْلمة الاقتصاديّة. ما نحتاجه اليوم هو مراجعة عميقة جريئة شاملة وأن نبني على أساس نتائج هذه المراجعة. نحن لا نمتلك الوقت وليس لدينا ترف الانتظار كان يجب أن نبدأ في القرن الماضي وليس فقط البارحة وعلّ التهديد اليوم الوجودي لحضارتنا وأمّتنا يشكل حافزاً لنا كي نرى النور ونعمل بما يتوجب عمله كي نستعيد مكانتنا كعرب في الإقليم والعالم.

كاتب صحفي من المغرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى