لا زال أنين محراب مسجد الكوفة يشجب فرق القرآن

أكثر من 14 قرناً وأنين محراب مسجد الكوفة المقدس يصدح في المعمورة للدم الطاهر الذي أريق من فرق القرآن الناطق الامام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام، في فجر يوم 19 من شهر رمضان المبارك على يد أشقى الأشقياء بتحريض أبناء الطلقاء وذوات الرايات الحمر، وهو يؤدي فريضة الصلاة ليخرَّ صريعاً في المحراب متشحطاً بدمه الطاهر قائلاً: “فزتُ وربّ الكعبة”.. وذلك هو الفوز العظيم .

أي فوز أعظم من أن يقضي الانسان عمره في سبيل الله عزوجل وفي سبيل الاسلام المحمدي الأصيل، وفي سبيل إرساء دعائم العدالة والمساواة في المجتمع، والقضاء على الظلم والجور والتزييف والتزوير والإنحراف الجاهلي الأموي الى جانب إنصافه المظلومين، حيث كانوا يسمونه “سيف العدالة السماوية” و”الأب الرؤوف والحنون على المسلمين المؤمنين” .

إغتيال أمير المؤمنين عليه السلام هو إغتيال للإنسانية جمعاء، وللايمان کله، وللفکر والاخلاق والمثل العليا.. وإغتيال للبطولة والإباء والکرامة، وللحق، وللعقيدة الراسخة، واغتيال للأمة حيث فقدت خليفة وقائداً إسلامياً فذّاً، وقمة شامخة في العلم والفضل والجهاد، وكان جبلاً راسخاً من الثبات والاستقامة والشجاعة والبطولة ، وعَلَماً من أعلام الدين وإماماً للمتقين .. واغتيال للقرآن الناطق كما سماه المحب والعدو .

لم تعرف الانسانية في تاريخها رجلاً – بعد الرسول الأعظم (ص) أفضل من الامام علي بن أبي طالب (ع) ولم يسجّل لاحد من الخلق من الفضائل والمناقب والسوابق، ما سجّل لأمير المؤمنين علي (ع)، وكيف تحصى مناقب رجل كانت ضربته لعمرو بن عبد ود العامري يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين، وكيف تعد فضائل رجل أسرّ اولياؤه مناقبه خوفا، وكتمها أعداؤه حقداً، ومع ذلك شاع منها ما ملأ الخافقين، وهو الذي لو أجتمع الناس على حبه – كما يقول الرسول الأكرم (ص) لما خلق الله عزوجل النار.

الحديث عن أمير المؤمنين الأمام علي (ع) طويل، لا تسعه المجلدات، ولا تحصيه الأرقام، حتى قال ابن عباس “لو أنّ الشجرَ اقلامٌ، والبحرَ مدادٌ، والإنس والجن كتّاب وحسّاب، ما أحصوا فضائل أمير المؤمنين علي عليه السلام” فكيف بمقالنا الصغير هذا يمكنه إعطاء حتى الجزء اليسير جداً من مناقب ومكانة هذه الشخصية الفذة في تاريخ البشرية من بدايتها وحتى ختامها على يد الموعود المنتظر (ع).

ثقلت وأمتلأت كتب التاريخ الحديث حروفاً وكلمات وجملاً ومقاطع وصفحات ومجلدات تروي كلها فضائل ومناقب الامام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام تلك التي بينها وقالها وذكرها سيد الأنام وخاتم المرسلين النبي محمد المصطفى صلى الله عليه وأله وسلم بالاضافة الى عشرات بل مئات الآيات القرآنية التي أنزلها البارئ تعالى في محكم كتابه المجيد بهذه الشخصية والعبقرية الاسلامية الفذة .

لا تزال كلمات الخليفة الثاني تصدح في الآفاق رغم كره وتضليل الأعداء، وهو يمتدح مولاه ومولى كل مؤمن ومؤمنة كما اعلنها في يوم الغدير أمام الرسول (ص) وحشود المسلمين.. وهو يسير في طرقات المدينة إبان سلطته ويقول: “لو لا علي لهلك عمر” – أخرجه أحمد والعقيلي وابن السمان, وفي الاستيعاب 3 / 39, والرياض 2/194, وتفسير النيسابوري 26/10, ومناقب الخوارزمي:48, شرح الجامع الصغير للشيخ محمد الحفني:47, وتذكرة السبط:87, ومطالب السؤول:13, وفيض القدير 4/ 357؛ وقوله “اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب” – تذكرة السبط:87, ومناقب الخوارزمي:58, ومقتل الخوارزمي 1/45 ؛ وكذا قال “لا أبقاني الله بأرض لستَ فيها أبا الحسن”- إرشاد الساري 3/195؛ ثم قوله “أعوذ بالله من معضلة ولا أبو حسن لها” – تاريخ ابن كثير 7 / 359 , الفتوحات الاسلامية 2 / 306، كل ذلك ويأخذون علينا حبنا وولائنا لأمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب عليه السلام وتمسكنا بنهجه ودربه وتعاليمه تعاليم رسول المحبة والمودة (ص) السماوية .

هو ميزان الأعمال، قسيم الجنة والنار، ساقي الكوثر، وصي النبي دون فصل، امام المسلمين وأمير المؤمنين؛ الحد الفاصل بين الحق والباطل، والعدالة والظلم، والحقيقة والانحراف، والحكم الاسلامي والسلطة الأموية؛ سيف العدالة السماوية، ناصر المستضعفين وقاهر المتجبرين الظالمين، رافع لواء الاسلام وقاتل صناديد العرب الجهلة الكفرة حتى شحدوا سيف حقدهم وكرههم وتكفيرهم للرسول (ص) وآله الميامين الأطهار، وأقسموا على تزييف الاسلام المحمدي الأصيل وتحريفه وزرع بذور الفرقة والنفاق والشقاق بين صفوف الأمة الواحدة، وعملوا جاهدين على عودتها للجاهلية والقبلية المقيتة المظلمة.. حتى صرخ أبو سفيان في يوم تولي الخليفة الثالث السلطة “تلاقفوها يا بني أمية تلاقف الكرة بيد الصبيان فو الذي يحلف به أبو سفيان فلا جنة ولا نار ولا معاد”، وأبنه معاوية يخاطب أهل العراق بعد التوقيع على ميثاق الصلح مع الأمام الحسن بن علي (عليهما السلام).. “ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا وتزكوا وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم”، ليبقى نهجهما مناراً قائماً لكل الطغاة على طول التاريخ .

جاء ذكر مناقب أمير المؤمنين الامام علي (ع) في الكثير من كتب العامة قبل الخاصة، منها ما ذكره الحاكم النيسابوري (المستدرك 3 / 483)، وشاه ولي الله أحمد الدهلوي ( إزالة الخفاء)، وشهاب الدين أبو الثناء السيد محمود الالوسي (شرح عينية عبد الباقي افندي العمري ص15)،ومحمد بن يوسف القرشي الشافعي الگنجي, (كفاية الطالب / الباب السابع : 260)، ومروج الذهب / 2 / 2 ط مصر ، واثبات الوصية / 155 ط ايران ،وعبد الحميد خان الدهلوي ( سير الخلفاء 8 / 2) ،والحلبي (إنسان العيون 1 / 165)، والمؤرخ نشانچة زاده (مرآة الكائنات 1 / 383)، وابن طلحة الشافعي (مطالب السؤل:11) ، والصفوري الشافعي (نزهة المجالس 2 / 204)، وحمد الله المستوفي (تاريخ كزيدة)،وابن الصباغ المكّي المالكي (الفصول المهمّة : 14) ، ومؤمن الشبلنجي الشافعي (نور الابصار / 73 ط مصر)،وابن الجوزي (تذكرة خواص الأمّة : 7)، وأحمد بن منصور الكازروني (مفتاح الفتوح)، وصدر الدين أحمد البردواني (روائح المصطفى : 10 ط 1302 هـ) ، والشيخ محمّد حبيب الله الشنقيطي, المدرّس بالازهر (كفاية الطالب لمناقب علي بن أبي طالب: 25) .

نزلت في حق الامام علي (ع) عشرات الآيات في كتاب الله المجيد منها ما جاء في سور: المائدة الآية 3و54-55و67، والمعارج 1-2، والبينة 7، والسجدة 18، ومريم 96، والرعد 7 و28و29، وهود 17، والانبياء 7، والواقعة 10-11، والتوبة 119 و19 و1 و3، والصافات 24 و130، والانسان1و8، والتحريم 4، والأعراف 46 و181، و البقرة 207و274، ومحمد 30، والحديد 19، والزمر 33، والفاتحة 5، والانفال 62، والنساء59،و.. غيرها من آيات الذكر الحكيم حيث لم يتسع المقال لذكرها كلها.

أبواق اعلام “الشجرة الملعونة” (بنو أمية الطلقاء) ورواة زورهم وكذبهم ودجلهم ونفاقهم منذ قبل السقيفة وحتى يومنا هذا، صبت جلّ إهتمامها بإخفاء مكارم ومحاسن وفضائل الحق والحقيقة والصراط المستقيم والعدالة السماوية والانسانية والايمان ذلك القرآن الناطق ووصي رسول رب العالمين (ص) وخلفه من بعده دون فصل الامام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع)، فلم يتمكنوا وأجبروا على نقلها من جيل الى جيل كما جاء العشرات منها في كتاب “فضائل الصحابة” للامام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل – الجزء الأول والثاني، وأخريات في كتاب “جمل من أشراف الانساب” للامام أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، وعشرات الكتب المعتبرة الاخرى ناهيك عما جاء في المستدرك والنيسابوري والصحيحين وغيرهما.

وبعد مرور حوالي 14 قرنأ على تلك المؤامرة الوقحة التي إعادت الأمة الى عصر الجاهلية والقبيلة قبل الاسلام، إذا بالأمم المتحدة توثق وفي قرار سيبقى منارأ منيراً وصرحاً صادحاً وعلماً يرفرف عالياً في ربوع المعمورة وللأجيال القادمة بأن الامام علي (ع) والذي نعيش هذه الايام ذكرى استشهاده الأليم والدامي، هو أعدل حاكم على طول التأريخ لم ير من قبل ومن بعد حاكم بعدالته.

فقد أصدرت سكرتارية الأمم المتحدة , لجنة حقوق الأنسان , في نيويورك عام 2002 برئاسة أمينها العام “كوفي عنان” قرارها التاريحي هذا نصه : “يعتبر خليفة المسلمين علي بن أبي طالب(ع) أعدل حاكم ظهر في تاريخ البشر”  واستند التقرير الأممي هذا على أكثر من مائة وستون صفحة باللغة الأنكليزية، وضم ست نقاط رئيسة أوصى بها الإمام عليه السلام قبل أكثر من 14 قرناً مثلت العدالة والمعرفة وحقوق الانسان .

وجاء في التقرير الأممي مقتطفات من وصايا الامام علي (ع) الخاصة برئيس الدولة: “ان من نصب للناس نفسه إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره. وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه. فمعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم“.

وقال أمير المؤمنين (ع) ايضاً: “أختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تحكمه الخصوم ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من المضي الى الحق إذا عرفه. ولا تشرف نفسه على طمع..“.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: