لعبة متاهات الفشل؛ جولة جديدة بطلها أردوغان

الوقتحربٌ هنا، ونزاعٌ هناك… طائراتٌ في السماء وقصفٌ بعيدٌ إلا أنه يكاد يهز الطاولة المستيدرة التي اجتمع حولها الساسة الأتراك ليخلصوا البلاد، فإما تركيا الأردوغانية أو تركيا الشعبية، هذه هي خلاصة المشهد التركي اليوم، فلا الهجمات على الأكراد توقفت، ولا أزمات البلد السياسية حُلَّت، فأردوغان الرئيس لم يكتفِ بخسارة الإنتخابات الأخيرة، فقرر خوض جولةٍ ثانية عسى الميزان ينقلب وعسى حزب العدالة والتنمية ينمو.

“انتخاباتٌ مبكرة” هذا ما بات حزب العدالة والتنمية يسعى إليه في تركيا، فبعد خسارته للأغلبية المطلقة في الانتخابات الأخيرة لم يعد بمقدوره تشكيل حكومة بمفرده مما حدّ من طموحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأمر لم ينتهِ هنا، فحزب العدالة سقط في خلافٍ مع باقي الأحزاب التركية، وتحت عنوان تشكيل حكومة ائتلافية مؤقتة اجتمع أحمد داوود أوغلو، رئيس الوزراء التركي ورئيس حزب العدالة والتنمية، مع عددٍ من شخصيات الأحزاب المعارضة لبحث تشكيل هذه الحكومة، المفاوضات لم تصل إلى نتيجة ترضي الجميع، وعاد الفشل مجدداً ليكون الحليف الوحيد للعدالة والتنمية.

فشل المفاوضات دفع حزب أردوغان إلى سلوك طريق الانتخابات المبكرة ليعيد اختبار حظه من جديد، فالهدف ليس الوصول إلى حل ينقذ البلاد بل تشكيل الحكومة بمفرده، لذلك دخل حزب العدالة والتنمية في الحوار مع باقي الأحزاب بشكل غير جادٍ ليهيئ الأذهان لفكرة الانتخابات المبكرة بعد فشل المفاوضات، واستعداداً للانتخابات الجديدة يعمل أردوغان على تغيير التركيبة الذهنية للمجتمع التركي من خلال حربه على حزب العمال الكردستاني وتنظيم داعش الإرهابي، فأردوغان ساوى بين هاتين الفئتين ليزرع في أذهان الناس فكرته بأن الأكراد إرهابيون، وليقلل من الأهمية السياسية لهم، وخاصةً بعد أن دخل حزب الشعوب الديمقراطي الكردي إلى البرلمان التركي إثر الانتخابات السابقة.

عقلية أردوغان ومحاولته القيام بضربة حظٍ جديدة من خلال انتخابات مبكرة، يعتبر تسرعاً في القرار السياسي وقصر نظر، وخاصة أنه شاهد بنفسه تراجع شعبيته خلال السنوات الفاصلة بين الانتخابات الماضية والتي سبقتها، ولهذا يعتبر خوض انتخابات جديدة مخاطرة كبيرة لحزب العدالة والتنمية، فلا ضمانات بتحقيق هدف أردوغان في كسب المزيد من الأصوات، بل وهناك احتمالٌ كبير بخسارة هذا الحزب للمزيد من المؤيدين، وخاصة أنّ الأتراك يعتبرون حزب العدالة والتنمية مسؤولاً عن الوضع الأمني الراهن الذي وصلت إليه البلاد، فهو من قطع سُبل الحوار مع حزب العمال الكردستاني وسارع إلى الخيار العسكري، وهو من أدخل البلاد في تماسٍ مباشر مع جماعات إرهابية تكفيرية سعياً وراء بعض المصالح السياسية في المنطقة.

حلم أردوغان في الحصول على الغالبية الساحقة أصبح صعب المنال، وبات تحويل نظام تركيا إلى نظام رئاسي أكثر مشقة، وخاصةً أن مطامع أردوغان أصبحت علنية وغير مخفية لأحد، فها هو يؤكد في خطابٍ ألقاه في محافظة ريزه شمال شرق تركيا، أنّ “نظام تركيا تغير، اقتنعتم أو لم تقتنعوا”، أي أنه سيعمل على تحقيق حلمه دون موافقة أحد، مؤكداً أنه سيخالف العرف التركي في التزام الحياد، حيث قال “يطلبون مني أن أكون حيادياً، ولكني كنت واضحاً بأني لن أكون حيادياً…لن أكون الرئيس الذي يريدونه”.

المتاهات السياسية التي دخلتها تركيا لم تأتِ من فراغ، فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان طيلة سنوات استلامه لمناصب في الدولة التركية سعى جاهداً إلى تحقيق مآربه وأحلامه في تقديم نفسه كزعيمٍ لدولة كبرى، لهذا حاول دخول الأزمة السورية لتوسيع نفوذه، ولكنه فشل كما فشل قبل ذلك في حلم الدخول إلى الاتحاد الأوروبي، وكذلك فشل في القضاء سياسياً وعسكرياً على الأكراد، كل هذه المتاهات التي دخلها أردوغان والتي كانت نتيجتها الفشل، جعلته يشعر بالنقص السياسي الذي يعمل الآن على سده من خلال التجهيز لجولة “انتخابات مبكرة” في لعبة متاهات الفشل.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى