لماذا استذكار الوحدة المصرية السورية …؟

في ذكرى قيام الوحدة المصرية السورية ، لا بد أن نستذكر مشاعر الجماهير العربية، في خمسينيات القرن الماضي، واندفاعها نحو الوحدة وطموحاتها، حلول الغد القومي المفعم بسيادة الكلمة واستقلالية الإرادة والقرار، وصفها آنذاك الرئيس جمال عبد الناصر (دولة في الشرق الأوسط، تحمي ولا تهدّد، تصون ولا تبدّد، تشدّ أزر الصديق، ترد كيد العدو، تريد الخير والأمن والعدل والسلام لها ولغيرها وللبشر جميعاً)… وفي هذا السياق، لابد أن نصحح بعض الأحكام الشائعة التي أطلقت على الوحدة المصرية السورية واتهمتها بأنها ولدت ميتة، والحقيقة تقول إنه حكم خاطئ ومبالغ فيه، ولاسيما أن التوغل في أعماق التاريخ العربي وحقائق الجغرافيا العربية يثبت الارتباط الكبير بين الأمن العربي السوري والأمن العربي المصري، بغضّ النظر عن إرهاصات التفاعل بين القطرين الشقيقين عبر التاريخ وفي معارك الاستقلال إلى أن جاءت هذه الوحدة مفتاحاً لعهد جديد، ولمولد فجر عربي أصيل، أكان ذلك على المستوى الجماهيري، أم كان ذلك على مستوى النخبة التي أوجدت هذه الوحدة.

لماذا استذكار الوحدة المصرية السورية ...؟حين تحققت وحدة مصر وسوريا في مثل هذه الأيام (1958) كانت ظروف الأمة صعبة، وكل التواريخ العربية مستها الصعاب أو سكنتها، وما هو ممنوع عليها اليوم كان غير مسموح في السابق، ويوم جن الفرح الشعبي العربي بهذا الإنجاز، فقد سجل انضمامه له، ورغبته في أن تعم أرجاء الوطن العربي. وحين وقع الانفصال بعد سنوات ثلاث من تحققها، كان الإصرار أكثر تشبثاً بها، بل تمسك إلى الحد الذي كاد أن يصنع وحدة ثلاثية ينضم فيها العراق إلى سوريا ومصر.

سقطت الوحدة بين مصر وسوريا بسبب ما حوته من مبررات السقوط! لكنها وللتاريخ أقول: لم تعش يوماً بلا تآمر عليها… ومن قبل المجموعة ذاتها… إسرائيل… الغرب الاستعماري… تركيا وحلف بغداد….‏‏ وعندما سقطت دولة الوحدة كانت إسرائيل و تركيا… من أبرز المرحبين وأسرعت تركيا… إلى الاعتراف بالنظام الجديد.‏‏ بدأ زمن الانكسار العربي… ليس لأن دولة الوحدة سقطت وحسب… بل لأن زمن الانتصار العربي كان فيه من الوهم أكثر مما فيه من الحقيقة… وتتالت الكوارث من هزيمة حزيران النكراء… إلى احتلال العراق… إلى ما يجري اليوم. وما زالت تركيا ومازالت إسرائيل…‏‏

للأسف المأسوف عليه، أنّ ذكرى قيام الوحدة تمر هذا العام متزامنة مع أوضاع خطيرة وتحديات مصيرية تتعرض الأمة العربية. فالواقع العربي اليوم مأساوي، والنتائج يحصدها العرب من دمائهم وبناهم التحتية ومقدراتهم وثرواتهم ومستقبل أبنائهم ووطنهم العربي الكبير الذي يتعرض لتشظية المشظى وقتل الآمال.

تتصدر اليوم قاعة اجتماعات مبنى جامعة الدول العربية في القاهرة الآية الكريمة ”وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ” في تلخيص لأهمية الوحدة العربية كفكرة نابعة من الجذور، وكحاجة لمواجهة كل التحديات والمخاطر، وكطريق لمستقبل العرب الذين لا مستقبل لهم بدون الوحدة، في حين نجد العرب اليوم مختلفين ومقسمين، بل نجد بعضهم أحياناً يتحالف مع المعتدي والمحتل والمستعمر، في ظلمه واحتلاله وعدوانه كما نشهد اليوم في الأزمة التي ألمت بسورية وليبيا…، إذ بات مجلس الجامعة العربية مطبخاً للمؤامرات المشبوهة ضد الأمة العربية وحاضرها ومستقبلها ومشروعها النهضوي الوحدوي القومي.

إن العرب لا يملكون إلاّ الوحدة وسيلة للخروج من واقعهم المتردي، وعلى هذا فالوحدة ليست مجرد دعوة من الماضي تجمع العرب، لغة وتاريخاً وجغرافيا وإرادة ومشيئة وآمالاً وآلاماً، فحسب، بل إنها ضرورة يفرضها الواقع، واستجابة فاعلة للمصالح، وهي الوسيلة الأجدى، بل والوحيدة، لدخول المستقبل، وللحفاظ على الوجود والهوية. فقد أثبتت التجارب غير الناجحة للدول العربية في حماية أمنها الوطني وفي إنجاز تنمية حقيقية، وتجارب الاتحادات الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي واتحاد آسيان واتحاد الميركوسور وغيرها، استحالة أي تنمية جدية في ظل كيانات قطرية متباعدة، واستحالة أي تقدم حقيقي في الإنتاج دون سوق عربية واحدة، واستحالة بناء استقلال مالي ونقدي يحررنا من الارتهان للأزمات الاقتصادية والنقدية العالمية دون استراتيجية مالية ونقدية عربية موحدة، بل استحالة نهوض اقتصادي حقيقي دون تحقيق تكامل بين العناصر الضرورية لكل إنتاج، وهي متوفرة في أمتنا لكنها موزعة بين أقاليمها حيث تتركز أغلب الرساميل في جهة والعمالة، في غالبيتها، في جهة ثانية، وتتوضع أغلب فرص الاستثمار في ناحية وأغلب الخبرة والكفاءة في ناحية أخرى.

الوحدة ترفض أن تكون واجهة لاحتلال خارجي أو مطية لاستغلال داخلي، وأن تكون وحدوياً هو أن تكون مقاوماً حقيقياً يدرك الصلة الوثيقة بين الاستعمار من جانب، والتجزئة والتبعية من جانب أخر، والصلة بين المشروع الصهيوني ومخططات التفتيت والهيمنة والفتنة والتجزئة، لذلك فإن مقاومة الاحتلال والهيمنة، بكل الوسائل، هي فعل وحدوي من الدرجة الأولى تماماً مثلما تصبح كل خطوة وحدوية، وطنية كانت أو قومية، قوة للأمة وسنداً لمقاومتها. وعلينا أن ندرك ما كشفته الأحداث والتطورات التي تعيشها أمتنا وهو أن لا أمن قومياً، بل ولا أمن وطنياً، يمكن أن يقوم في ظل كيانات متناحرة ومتباعدة، وحال العرب اليوم لا يحتاج لشرح ولا لتفسير، فالإطار الوحدوي الجامع المانع هو الضمانة الحقيقية لكل أمن وطني ولكل نهضة حقيقية، مع الإشارة إلى أن الوحدة الوطنية بات مطلوبة، في ظل الظروف الصعبة التي تواجهها الأقطار العربية، للحفاظ على كيانها وسيادتها ووحدتها، أرضاً وشعباً وهوية.

لماذا استذكار الوحدة المصرية السورية ...؟نتذكر ذكرى الـ 63 لقيام الجمهورية العربية المتحدة، وبعض البلدان العربية، تتقاذفها أعاصير صقيع غير عربي تقوده إلى الأصولية المتحاربة مع الأصل، والظلامية التي تمتهن الإرهاب سبيلاً لتدمير كل ما حققه الإنسان العربي خلال قرن من التوجه نحو الحداثة والعصرنة والتطوير… نتذكر الوحدة والوحوش تنهش الجسد القومي، يعضدها أعداء الأمة وعلى رأسهم ـ إسرائيل ـ التي تعيش أزهى ساعات شهر العسل الأمني والسياسي… ومن يذكر أيام العز العربي خلال الوحدة يذكر كم كان صوت العدو الصهيوني خافتاً، وكيف شرّع ببناء الجدران العالية لتحميه، وتشييد القباب الحديدية لحماية مستوطنيه، وكيف شرع بعد غياب الوحدة، وحضور البديل عنها “التضامن الصوري”، يهدّد العواصم بالاحتلال…

في ذكرى الوحدة المصرية السورية ، لابد من التأكيد أن الوحدة العربية هي حقيقة وليست ضرباً من الوهم أو الخيال كما يدّعي أعداؤها وأنها هي الشيء الطبيعي أو الوضع الطبيعي بالنسبة للعرب، بينما وضع التجزئة السائدة هو الاستثناء وهو بالأساس ـ وكما هو معروف ـ من صنع الدول الاستعمارية عبر الاتفاقيات المزيفة التي طبقتها مثل (اتفاقية سايكس ـ بيكو) وغيرها، وذلك بهدف تجزئة الوطن العربي وتقسيمه إلى عدة دول وأجزاء متفرقة الأمر الذي يسهل على الاستعمار السيطرة على هذه الدول ونهب خيراتها، حتى إن إسرائيل من دوافع إيجادها في قلب الوطن العربي فصل مشرقه عن مغربه واستنزاف موارده ونهبها.

وهل يستطيع أحد أن ينكر التلازم التام بين المسألة الوطنية المصرية والمسألة الوطنية الشامية منذ الهكسوس والفراعنة والفينيقيين مروراً بالملكة السورية زنوبيا التي حررت مصر من روما وبالدولة الأموية وصلاح الدين والدولة الفاطمية والحمدانية ومحمد علي باشا وابنه إبراهيم وصولاً إلى عبد الناصر وحافظ الأسد؟ لا يمكن لأي باحث في التاريخ ـ أعجبه ذلك أم لا ـ إلا أن يعترف أنه لا يمكن لمصر أن تقف على قدميها وتصبح قوة إقليمية دون التلازم مع سورية، والأمر نفسه ينطبق على سورية أيضاً… هذه ليست رغبات عاطفية، ولا هي حتى مجرد مشاعر قومية وعروبية… إنها تعبير عن منطق الطبيعة والجغرافيا (التي لم نصنعها نحن وإنما صنعها الله)، وهي تعبير عن منطق التاريخ وانثربولوجيا الواقع.

هي أمر يتعلق بطبيعة الأشياء وطبائع البشر، لا مكان للإرادة فيه إلا إذا كانت متلازمة مع منطق الأشياء وقوانين الحياة… فما أحوج الأقطار العربية إلى المواقف الوحدوية لمواجهة الكوارث التي حلّت وتحلّ بالوطن العربي تحت شعار ما يُسمّى بالربيع العربي والذي سبّب الخراب، والدمار، وهدر الدماء، ما أحوج العرب إلى الارتقاء بالموقف العربي إلى مستوى طموح عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة آنذاك الذي نادى العربي قائلاً (قف كما يقف الرجال، دع العواطف جانباً، دع الإحساس بالمرارة، تذكر أنك عربي حر، تنتمي إلى أمة عربية واحدة يتربّص بها الأعداء)، ولاسيما في هذه المرحلة التي يواجه فيها العرب أزمة تهيب بكل إنسان عربي أن يرتقي إلى مستوى المواجهة، وهل الوحدة العربية سوى إرادة شعب ومقاومة.

كاتب صحفي من المغرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى