لماذا قرّر “حزب الله” التعاطي في المسألة المالیة الاقتصادیة؟!

قرّر “حزب الله” التفرّغ للملف المالي الاقتصادي والإنغماس كلیا و”شخصیا” في متابعة التفاصیل وتحدید المواقف والتوجھات.
وإذا كان الحزب یثق بحكومة حسان دیاب وقد إلتزم دعمھا بكل “ما أوتي من قوة، لأنھا حكومة شجعان قبلوا التحدي وتحمّل المسؤولیة” كما قال الشیخ نعیم قاسم، فإنھ لا یعطیھا تفویضا مطلقا ولا یعلن تبنیا مسبقا لخطتھا الإنقاذیة… قبل أیام إستفاض نائب الأمین العام للحزب في الكلام الاقتصادي وكشف لأول مرة أن “لدى الحزب رؤیة اقتصادیة إصلاحیة متكاملة سنناقش على أساسھا مع الحكومة. فإما نقنعھا بوجھة نظرنا وإما نقتنع بخطتھا”.

وھذه الخطة وضعھا الحزب بعد مناقشات معمّقة شارك فیھا فریق من الخبراء والإستشاریین، وتتضمن ستة أقسام موزعة على إصلاحات مالیة ونقدیة واقتصادیة وإداریة وسیاسیة… ومع حرص قاسم على التوضیح أن ھذه الخطة ھي “ردیف” لخطة الحكومة ولیست بدیلا عنھا، إلا أنه من الواضح أنھا المرة الأولى التي “یتورط” فیھا حزب لله وعن سابق تصوّر وتصمیم في الشأن المالي والاقتصادي، ویجمع أفكاره ویحدد رؤیته الخاصة، فلا یكتفي بإبداء رأیه ووضع ملاحظاته على ما یعُرض أمامھ من إقتراحات ومشاریع، ولا یقدم دعما كاملا لحكومتھا، ولا یعطي موافقتھ على كل خطتھا، وإنما یتعاطى معھا بشكل مجتزأ فیأخذ منھا ما یناسبه ویفرض تغییرا في البنود والتوجھات التي لا تناسبه، مثل اللجوء الى صندوق النقد الدولي، حیث یكرر الحزب أنھ لیس ضد التفاوض مع الصندوق ولا عقدة لدیه في ھذا الخصوص، ولكنھا ضد “تسلیم البلد” لشروط الصندوق وأجندتھ، وضد وضع البلد تحت إدارة أمیركا…
من الواضح أن تفرّغ الحزب للمسألة المالیة الاقتصادیة یعود بشكل أساسي الى عاملین أساسیین:
الأول: أھمیة الموضوع الاقتصادي الذي بات حاسما في تحدید وتھدید الإستقرار الداخلي، وبعدما تحوّل الى “ولادّة” للمشاكل ومصدر تھدید للإستقرار السیاسي والأمني. فالأزمة الاقتصادیة المالیة صارت مسألة وجودیة ومن شأنھا أن تغیرّ المشھد اللبناني برمتھ. وحل ھذه الأزمة یبدأ بإقرار الجمیع بخطأ السیاسات السابقة، وبأنھا أفضت الى الفشل والكارثة، ویتعینّ التجاوب مع تصورات وسیاسات مختلفة، وبالتالي تحمیل من سادوا اللعبة الاقتصادیة والمالیة في المرحلة الماضیة المسؤولیة وإفھامھم أن العودة إلیھا غیر جائزة وغیر ممكنة.

العامل الثاني: ومن ضمن نظرة أشمل، یرتبط بتطورات المنطقة وضغوط المرحلة وعملیة التكیفّ وإعادة التموضع الداخلي من جانب حزب لله. فما كاد الحزب یخرج من مأزق إنتفاضة ١٧ تشرین وتشكیل الحكومة الحالیة، حتى تضاعفت الأزمة المالیة الاقتصادیة التي لم توفر الحزب وقواعده حتى لو أن لدیھ قنواتھ المالیة الخاصة.

فالشریحة الإجتماعیة والقاعدة الأساسیة طاولتھا الإجراءات المالیة التعسفیة للمصارف، إضافة الى التعثر المالي الذي أصاب المغتربین في أفریقیا وسواھا، وكل ذلك في وقت تتمدد فیھ الأزمة الإجتماعیة والصحیة الناجمة عن تداعیات “كورونا”، ما دفع الحزب الى وضع خطة طوارئ صحیة ترفد خطة الدولة ویتباھى بھا.

في ھذا الوقت، كبرت دائرة الضغوط الإقلیمیة بعد إغتیال اللواء قاسم سلیماني ومعارك إدلب في سوریا ووقوع إیران تحت وطأة أزمة “كورونا” وتراجع اقتصادي حاد وانھیار أسعار النفط، فیما تحاول واشنطن مضاعفة الضغوط علیھا إنطلاقا من العراق… وعندما یجد الحزب نفسھ محاطا ومحاصرا بكل ھذه الكمیة من الضغوط، وعندما یجد أن الحكومة رغم كل الدعم المقدم لھا تعاني من وضع ھش و”المعارضون الجدد” یتربصون بھا ویتحیّنون فرصة إسقاطھا بمجرد الإنتھاء من أزمة “كورونا”… وعندما لا یجد الحزب في حلفائھ سندا أساسیا في ھذه المرحلة، لا بل إن بعضھم یغسلون أیدیھم من الوقوف معھ وكل منھم غارق في أزمتھ الخاصة… من الطبیعي أن ینكفئ الى الداخل لمعالجة المشكلات وإعادة ترتیب أوضاعھ وإعادة التموضع لحمایة نفسھ والإستعداد للأسوأ.

اللافت أن “حزب الله” بدأ یذھب بعیدا في تعاطي اللعبة المالیة والاقتصادیة، متخطیا خطوطا كان یعتبرھا جزءا من منظومة تفاھماتھ وحساباتھ السیاسیة، حتى وصل بھ الأمر الى فتح ناره على حاكم مصرف لبنان ریاض سلامة وإطلاق إشارة البدء في “خطة الإطاحة به”، لأنھ یتحمّل، برأي الحزب، المسؤولیة الأكبر حیال سیاسات الحكومات المتعاقبة بحكم وقوفھ على رأس ھرم اللعبة المالیة النقدیة في البلاد… ھذا التوجّھ من جانب الحزب یثیر قلق ولید جنبلاط الذي یقول: “یریدون السیطرة على المصرف المركزي والمصارف ویتھمون الآخرین بالأموال المنھوبة، متناسین أنھم جاؤوا الى البلد منذ العام ٢٠٠٥ وبدأوا یمارسون دورھم في السلطة، ویوجّھون الإتھام الى فریقنا. وإذا كنا نحن في الحكومة منذ ٣٠ سنة، فھناك ١٥ سنة كانوا خلالھا شركاء في المجلس النیابي والحكومة… ذاھبون الى نظام شبه شمولي جراء إجراءات مثل تأمیم المصارف عبر صیغة الإقتطاع من دوائع الناس، للإطاحة بالطائف والتوازنات والسیطرة المطلقة على مقدرات البلد لضرب ما تبقّى من سیادة أصلا وھمیة وشكلیة”.

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى