لماذا هذا التوتر في مواجهة حرب القلمون – جرود عرسال ؟

الأهمّيّة الاستراتيجيّة لمنطقة القلمون – جرود عرسال

شارل أبي نادر – عميد متقاعد

بعد مشارفة معركة جرود (عرسال – القلمون) على نهايتها ومع تحقيق انتصار واضح للجيش العربيّ السّوريّ وحلفائه والسيطرة على أغلب مراكز ومناطق انتشار مسلّحي تنظيم “القاعدة” في بلاد الشام (داعش والنّصرة وأخواتهما) في كافّة منطقة القلمون الغربي امتداداً إلى جرود (عرسال ونحلة وبريتال) ومع تكبيد هؤلاء الإرهابيّين خسائر فادحة حيثُ تشرّد قسم كبير منهم في الجرود وعمد قسم آخر إلى رمي السّلاح والالتحاق تسلّلاً أو خلسة في مخيّمات النّازحين السّوريّين أو حتى في بلدة عرسال وخارجها، لا بدّ من التطرّق إلى الأهميّة العسكريّة لهذه المنطقة ودورها الاستراتيجي في التأثير وبشكل مباشر على الحرب الواسعة التي تشن على الجيش السوري في كافّة الأراضي السّوريّة وصولاً إلى دمشق العاصمة ومركز الثقل السياسيّ والإداريّ والقياديّ لهذه الدّولة.

عند الصمود الغريب للجيش السوري الذي يخوض مئات المعارك في مواجهة جحافل ارهابية مسلحة مدعومة من دول عدة ومع استبعاد الحديث عن الحرب التي تشنّها “داعش” في الشّرق والشّمال السّوري وحيث أنّ معركتها لا تنفصل عن حربها في العراق ومواجهتها هناك تدخل في سيناريو واسع يتداخل بين الجيشين السّوري والعراقيّ وحلفائهما، وقوى التّحالف التي لا يُمكن لغاية تاريخه توصيف دورها بالتّحديد في مُحاربة أو في دعم “داعش”، هذا التنظيم الذي كان لوقت غير قصير ضمن ألوية جيش الفتح، واستقل عنه بعد أن قرر الأخير مع كافّة الفصائل الإسلاميّة المتشدّدة التابعة له من بينها جبهة النّصرة ولو بشكل ظاهري أن يخلع أولا ثوب التشدّد التكفيري ويتحرّر من عباءة تنظيم القاعدة (عسكريّاً وعقائديّاً) ويقضي ثانياً بتنظيم قوة هذه الألوية بعد تدريبها وتجهيزها بأحدث الأسلحة النوعيّة والتخطيط والتحضير لشنّ هجوم واسع يكون هدفه النهائيّ السيطرة على دمشق بالكامل والإطاحة بالرئيس الأسد وإستلام الحكم، فقد جاءت هذه الخطّة على الشّكل التالي:

– العمل على تحديد نقاط ارتكاز عبارة عن مناطق داخليّة محدودة المساحة نسبيًّا تمتدّ من إدلب شمالاً حتى تلّ الحارة جنوباً بين القنيطرة ودرعا مروراً بمنطقة القلمون في الوسط.

– تقوية هذه النقاط في المرحلة الأولى والتي تمّ اختيارها في مناطق استراتيجيّة مؤثّرة على إنتشار الجيش السّوري وحلفائه بالإضافة لوجودها في بيئات حاضنة إلى حدّ ما لدرجة تستطيع هذه البيئة مساعدتها في تكوين انطلاقة عسكريّة مقبولة بعد تأمين العناصر والعتاد والسّلاح.

– تطوير هذه النقاط في المرحلة الثانية بعد الوصول إلى مستوى عسكريّ مناسب بإعطائها دوراً يقضي بتنفيذ هجمات محدودة تهدف إلى مشاغلة الجيش السوري وحلفائه وإلهائهم وتشتيت قواهم وصولاً إلى استنزافهم بعد المثابرة على تنفيذ هذه الهجمات وتصعيد وتيرتها إلى أعلى درجة ممكنة.

– لاحقاً محاولة ربط نقاط الارتكاز هذه بعد خلق نقاط ارتكاز أخرى تؤلف جميعها امتداداً استراتيجيّاً في العمق السّوريّ يكون من الصّعب السيطرة عليه.

– اختيار اللّحظة المناسبة والتي تحدّدها غرفة عمليّات مشتركة بإشراف تركيّ – خليجيّ وبرعاية المخابرات الأميركيّة والاردنية وبوجود لمسات خفيّة للمخابرات الإسرائيليّة، والقيام بتنفيذ عمليّات هجومية واسعة على دمشق تكون متزامنة مع بعضها وذلك على ثلاثة محاور رئيسة: الأوّل جنوب – شمال اعتباراً من مثلّث (درعا – القنيطرة – تل الحارة باتّجاه ريف دمشق الجنوبيّ، والثاني غرب – شرق اعتباراً من القلمون باتّجاه ريف دمشق الغربي، والثالث شرق – غرب اعتباراً من الغوطة الشرقيّة (ينفذه جيش الإسلام بقيادة زهران علوش) باتّجاه وسط دمشق مباشرة من الناحية الشرقيّة.

بعد إجراء دراسة لنقاط الارتكاز المذكورة يتبيّن أنّ منطقة القلمون – جرود عرسال تتمتّع بإمكانيّات عسكريّة واستراتيجيّة تميّزها عن باقي النقاط وهذه الإمكانيّات هي:

– تشكّل نقطة وسيطة بين الشمال والجنوب تمكّنها من استيعاب العدد الأكبر من المسلّحين الجاهزين لتنفيذ المهاجمة باتّجاه ريف دمشق الغربيّ وصولاً إلى دمشق.

– تشكّل قاعدة انطلاق لتأمين مجموعات مسلّحة تتمدّد جنوباً عبر الزّبداني فالداخل اللّبنانيّ جنوب غرب وتُسيطر على طريق الشام في بقعة ( عنجر – بر الياس – المرج – الصويري مع استغلال محضّر مسبقاً لعناصر من الدّاخل اللّبنانيّ تنطلق من مخيّمات النازحين السّوريّين في هذه المنطقة والتي تُعتبر من الأكبر عدداً ضمن هذه المخيّمات المتواجدة في لبنان.

– تشكل قاعدة تواصل واسعة مع البيئة اللّبنانيّة المؤيّدة لهذه الجبهة والمشاركة في الحرب السوريّة إعلاميّاً وسياسيّاً ومذهبيّاً وعسكريّاً وذلك بإدخال العديد والعتاد والسلاح لدعم نقطة ارتكاز القلمون عبر بلدة عرسال وجرودها.

من هنا وبعد إظهار الأهمّيّة الاستراتيجيّة لمنطقة القلمون – جرود عرسال في الحرب التي تشن على الجيش السّوري والهادفة لاستلام الحكم بعد السيطرة على دمشق والإطاحة بالرئيس الأسد، يمكن فهم هذا الاهتمام الواسع عسكريّاً وأمنيّاً من قِبَل الجيش السّوري وحلفائه لهذه المنطقة من جهة وهذا التوتر الواضح للفريق الآخر من جهة ثانية في مقاربته للمعركة وفي انغماسه التحريضي مهددا” بالفتنة الداخلية ومحاولا” الضغط المباشر إعلاميّا وسياسيّا وشعبيًّا للحؤول دون إكمال سيطرة حزب الله على هذه المنطقة الحيوية والاستراتيجيّة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى